التخطي إلى المحتوى
انا مين – من الأنا – الضامن لثبات الهوية
انا مين - من الأنا - الضامن لثبات الهوية

في خلال حياتنا كل منا بيتغير بدرجة كبيرة جدا يكاد يكون تغير جذري وتام علي كل المستويات، بنبدأ الحياة علي شكل كتلة هلامية لا تتعدي ال 50 سنتيمتر طولا، وبينتهي بينا الحال ربما بعد 90 سنة واحنا طولنا 180 سنتيمتر تقريبا ساندين علي عصي ما ولوننا يميل للرمادي.

وفي خلال الفترة ما بين كدة وكدة اللي هيا حياتنا كل خلية في اجسامنا بتتبدل اكتر من مرة كمان، وبنمر بكل انواع التجارب اللي بتخلينا نتبدل وننسي احنا كنا ايه في الماضي، واحنا في عمر ال 25 مبنفتكرش تقريبا اي شئ من وقت لما كنا 5 سنين، ولما بنبقي 67 سنة مثلا كل اللي بيبقي في رؤسنا عن لما كنا 25 هوا شئ شبحي بالكاد نعرفه، اي نعم علي مدي حياتنا بنحمل نفس الاسماء وبنظن في نفسنا اننا نفس الكائن بنفس الهوية، لكن هل ده شئ صحيح ؟! هل احنا بنظل احنا طول العمر ؟!

ما أن توضع تحت الميكروسكوب الفلسفي، مسألة “الهوية الشخصية” بتبان اعقد مما كنا نتصور، ايه اللي بيضمن مسألة ثبات هوياتنا، اين تقع تلك “الهوية” بالظبط ؟!

الاجابة المعتادة ان “اجسامنا” هيا الضامن لثبات الهوية لاننا بنظل بنفس الاجسام مدي العمر، طبعا زي ما بيننا في البداية ده مش صحيح وان اجسامنا بتتبدل بالكامل اكتر من مرة سواء علي مستوي المكونات او علي مستوي الصورة، لكن خلينا نفترض ان ده مبيحصلش وخلينا نلعب لعبة فلسفية تانية: تخيل لو فقدت كل شعري، هل هظل انا نفسي ؟ الاجابة غالبا هتبقي اه طبعا، طب لو فقدت اصبع ؟ برضه مازلت انا، طب طرف كامل ؟ بالتأكيد مازلت انا، طب ايه اللي هيحصل لو فرضا في شيطان خبيث ما وطلب مننا نحتفظ بجزء واحد مننا محدد للهوية هنختار انهي جزء ؟!! قليل مننا هيختاروا اجزاء زي الايدى والبطون لكن بنسبة ساحقة مننا هنختار المخ، وده بيأكد اننا بشكل لاواعي بنعتقد انا بعض اجزائنا واعضائنا اكتر تمثيلا ل/وتماهيا مع هويتنا الشخصية اكتر من الاخرين، وان المخ بالذات هوا اكتر الاعضاء علي الاطلاق تماهي مع الهوية واكترها أنوية (من الانا).

المسيحية بالذات بتجري نسخة معدلة من التجربة دي وبتطلب مننا تخيل اللي هيحصل بعد الموت وبتخبرنا عن انفصال بيحصل بين الجسد وبين مكون تاني اكتر سمو ذو طبيعة متعالية اسمه “الروح”، وفي نسخة تانية ممكن يلعبها الازواج مع بعض في بداية ارتباطهم بانهم يسالوا بعض “ايه اكتر حاجة بتحبها فيا ؟” ومن الخطأ الاجابة مثلا انه صدرك الرائع او عضلاتك المفتولة، ده بيدي احساس بالاهانة دايما لان الاجزاء دي ابعد ما يكون عن التماهي مع الانا، والافضل طبعا هوا اختيار اجابة زي الروح او المخ او العقل لان دي المكونات الاكتر انوية زي ما قولنا.

طب تعالوا نسخن اللعبة اكتر ونعلي الرهان، ايه اكتر اجزاء المخ تماهيا مع الانا ؟

دعونا نتخيل اني اتخبطت خبطة عنيفة في منطقة ما من الراس وفي جزء من المخ اتضرر بسبب الخبطة دي وفقدت القدرة علي لعب البنج بونج او طبخ الاومليت مثلا هل هظل انا نفسي ؟! الاجابة اللي تبدو منطقية هيا بالطبع.

ده معناه ان “المهارات التقنية” درجة تماهيها مع الهوية الشخصية مش عالية اوي، طب ايه الوضع بالنسبة لاشياء اخري في مخزن الذكريات غير المهارات دي، ماذا عن الاحداث اليومية والاشخاص اللي في حياتنا والاشياء في منازلنا، مثلا لو نسينا اول حب في حياتنا او لون سجادة غرفتنا واحنا صغيرين هل مازلنا احنا برضه ؟ بالطبع اه.

طب لو ذاكرتنا كلها انمحت هل هنظل برضه احنا ؟ ممممم كدة الوضع تعقد، بس برضه الاجابة الي حد كبير ايوة، بس ايوة بشرط، الشرط ده هوا بقاء ما يسمي شخصيتنا، ومفهوم “الشخصية” اللي بنعنيه هنا هوا اسلوبنا الخاص في الاستجابة للاشياء حولنا، مثلا ايه اللي بيخوفنا وايه اللي بيبسطنا وهكذا.

وهنا هتظهر نظرية رائعة عن الهوية الشخصية وهيا انها بتتماهي مع سماتنا واسلوبنا في التعامل ورد الفعل اكتر منها مع اي شئ تاني، اكتر من اجسامنا اللي بتتغير بالكامل ومن ذاكرتنا حتي، اللي لو حدث واختفوا تماما بس ظلت ميولنا وسماتنا واساليبنا موجودة هنظل احنا نفسنا، النظرية دي بتعود في الاصل للفيلسوف الانجليزي العظيم چون لوك، واللي عبر عنها بمقولته “الهوية الشخصية تتكون بالاساس من تناسق و واحدية الوعي”.

ونرجع للشيطان الخبيث الافتراضي تاني وانه لو خيرنا بين اننا نفتكر كل شئ ولكن التصرف و تقدير الاشياء بشكل مختلف، وبين اننا ننسي كل شئ بس نظل نتصرف ونقدر بنفس الشكل، لوك بيقول اننا هنختار الاختيار التاني بنسبة كبيرة جدا.

عشان كدة لو فككنا الهوية الشخصية لعناصرها الاساسية اللي هيبقي في الاخر هوا القيم والميول والانفعالات الخاصة بينا.

تعالوا نبص للموت من المنظور ده، الموت شئ حزين للغاية بسبب انه ضياع لهويتنا وللانا الخاصة بينا بشكل كامل، بس ده في حال لو كانت الهوية او الانا هنا المقصود بيهم الجسد او الذكريات، لكن لو كان المقصود بيهم هوا الميول والقيم فاحنا بالشكل ده ضامنين الخلود لانهم هيستمروا في البقاء بشكل جمعي في جنسنا حتي بعد ما تذهب اجسامنا وذكرياتنا، بمعني ان اللي اعتاد كل منا علي تسميته ” أنا” اللي هيا اجسامنا هوا في النهاية مجرد مخزن مؤقت لمجموعة من القيم والافكار عاشت قديما فترة اطول قبل وجود اجسامنا وهتعيش بعد زوالها اكتر برضه.

المنظور ده رائع جدا لانه بيقلل خوفنا وجزعنا من الموت اللي سببهم فكرة الضياع الابدي في حالة كنا عبارة عن مجرة من الاجزاء المادية فقط، لانه ببساطة بيقولنا اننا اكتر من كدة، احنا مجموعة افكار اكتر مننا مجموعة جزيئات فيزيائية وتفاعلات كيماوية، بالمعني ده احنا هنستمر عبر الاجيال طالما افكارنا موجودة وباقية

التعليقات