التخطي إلى المحتوى
رحلة فى تاريخ مصر القديمة
رحلة فى تاريخ مصر القديمة

منذ اكثر من قرن مضى كان ماضى مصر كتابا مغلقا، ولم يكن احد يستطيع ان يقرأ الرموز الموجودة على الاثار والتماثيل المصرية، ولم تكن الحفائر قد بدأت بعد، وكان كل ما نعرفة او نملكه عن الحضارة والديانة والعادات المصرية القديمة من كتابات المؤرخون والرحالة امثال هيرودوت وديودور وسترابون، الذين زاروا مصر فى فترة انحلالها، ولم يروا منها سواء نهاية حضارتها العريقة، ولم يكن لديهم المعدات والاليات حين ذاك للقيام بعملهم وترجمة النصوص المصرية القديمة، لانهم كانوا يجهلون قراءة الوثائق القديمة للبلاد، فكان اعتمادهم على روايات قاموا بسماعها من المواطنين فدونوا ما سمعوا وما رأوا، ومن هنا كانت المعلومات التى توصلوا الى جمعها من انحاء مصر.

الاعتقاد ان المصريين القدماء اكثر الناس تدينا

وبالرغم من طرافتها واهميتها الكبرى بالنسبة لنا فى معرفة ولو القليل عن تاريخنا، حين ذاك فلا تستطيع ان تجعل هؤلاء يكونون صورة حقيقة عن مصر القديمة، فقد كان المصريين بالنسبة لهم اكثر الناس تدينا، اذ ان المعابد الضخمة والكهنة مشغولين دائما فى الاعمال المقدسة، والعقيدة التى سادت عن الحياة والعالم الاخر، والاستعدات القوية لبناء وتشيد المقبرة، والاهتمام بالاخرة عن الحياة الدنيا.

كل هذه الاشياء دفعت هؤلاء المؤرخون والرحالة ان يعتقدون ان المصريين القدماء تتركز افكارهم فى اسرار الوجود واهتمامهم بالحياة الاخرى وعدم الاهتمام بالحياة الدنيا، وقد ظلت هذة الفكرة سائدة خلال العصر المسيحى، وبالتالى ملآت مصر العقول بالخوف والرهبة العجيبة وظلت سرا خافيا بالنسبة لعموم البشر.

ولكن بعد ابحاث شاقة قام بها علماء مختلفون ودراسات قام بها الانجليزى توماس ينج تتصل بأسم بطلميوس فى الكتابات المصرية القديمة، بخطها الهيروغليفي من نقوش حجر رشيد الذى عثر عليه فى قلعة سان جوليان بمدينة رشيد، وتبعه شامبليون فى كتابة المشهور letter m.decier، الذى نشرة عام 1822 ليبين فيه طريقة الكتابة المصرية القديمة وفك اسرارها، وهو الامر الذى حير جموع العالم والمهتمين بالحضارة المصرية القديمة وتبع معرفة الهيروغليفية القيام بالحفائر المنتظمة ومن ذلك اليوم حتى الأن امتلآت متاحف العالم اجمع بكنوز المصرين القدماء التى تذهل العقول.

واول معالم التاريخ المصرى هى مجموعة الاثار فى الاسرة الرابعة وهى اهرام الجيزة وتمثال ابى الهول وما يحيط به من مقابر تكشف لنا عن حياة المصرين وتقدمهم اثناء جهل معظم جموع العالم فى كل العلوم والفنون.

الحضارة المصرية القديمة وتطورها

وظن الجميع ان تقدم المصريين وان تطور الحضارة كان من الاسرة الثالثة الى الرابعة تطور مفاجئ، ولكن الكشوف المحيطة بهرم زوسر فى سقارة اثبتت ان الى الفن والعمارة فى الاسرة الثالثة قد وصلت الى قمة عالية، ورغم ذلم فأن اثار الجيزة لا تزال تحدد الذروة التى استطاعت الحضارة ان تصل اليها فى تلك الفترة البعيدة، والتى بدأ الاضمحلال فى اعقابها.

 وترتفع اهرام خوفو وخع اف رع ومن كاو رع بقامتها الى السماء فوق صخور الهضبة على الضفة الغربية من نهر النيل عند حافة الصحراء، وهكذا تظل اهرام الجيزة احدى عجائب الدنيا أشد اثار الماضى تأثيرا فى النفس، اذ ان المتأمل فى هذة الابنية الضخمة سواء شهدها فى ضوء النهار الساطع او فى الليل حين يسبغ عليها القمر بريقا فضيا او من قمة تلال المقطم عند غروب الشمس حيث تظهر قرمزية فى بحر من الذهب.

 ومن هذا فيمكن اعتبار الهرم وما حولة من مقابر كرمز مادى متماسك يدل على عظمة هذة الفترة من الحضارة المصريه.

وهكذا نجد ان الدولة القديمة كانت من فترات التقدم والنمو، اما فى الداخل فقد استمتعت البلاد بحكومة وطيدة الدعائم قادرة على تسير الامور داخليا، واما فى الخارج فعلاقة مصر بجيرانها علاقات جيدة للغاية، فقد ارسلت البعوث الدائمة الى بلاد بونت عبر وداى الحمامات الى الشاطئ، ثم من بعد ذلك اتخذت طريق البحر الاحمر، كما وجهت الحملات الى سيناء من اجل مناجم الفيروز والى فلسطين، ومنذ عصر الدولة الثالثة كان الخشب الذى يستعمل فى بناء السفن والمراكب تستورد من سوريا.

ومع ذلك فأن النهاية قريبة، ففى خلال الاسرة السادسة امتد الضعف الى السلطة المركزية، واصبح الملك غير قادر على مباشرة حكمه، وانتهت الاسرة السادسة فى فوضى وارتباك وعاشت مصر فى فترات ضعف ووهن.

الفترة الثانية من عظمة حضارة مصر القديمة

وبعد حوالى مأئة عام وبعد صراعات وحشية مع حكام هراقليوبوليس وهى مدينة فى مصر الوسطى، نرى ان عرش مصر يسترده بيت امراء ارمنت، الواقعة قرب طيبة، وأسست الاسرة الحادية عشر، ومن هذا البيت المالك الجديد تظهر الفترة الثانية من عظمة مصر، والذى يطلق عليها علماء المصريات الدولة الوسطى، وقد وصلت الى القمة فى عهد ملوك الاسرة الثانية عشر، ولكن ظلت سلطة الاقتطاع تهدد العرش، ولكن السلطة اضعفتها الى ان قضى عليها نهائيا الملك سنوسرت الثالث، الذى اشتهر بروحة الحربية العنيفة، والتى استطاع بفضلها ان يقضى على ثورة القبائل الزنجية فى السودان، وان يوجة حملة ضد فلسطين، وقد خلفه امنمحات الثالث وقد وصلت الدولة الوسطى فى ملكه الى ذروة مجدها، وكان من اهم اعماله تنظيم بحيرة موريس فى الفيوم، واستطاع بفضل القناطر ان يسطير على فيضان المياه الى النيل، كما استطاع بواسطة اقامة سد من خلالها انقاذ رقعة من الارض الزراعية، وبموت الملك امنمحات الثالث بدأ الانهيار الذى انتهى كذلك بفوضى، وتسقط مصر الشمالية مرة اخرى عام 1700 ق.م فريسة لغزو ضخم لشعوب من الشمال الذين عرفوا بالهكسوس او ملوك الرعاة.

تكوين امبراطورية عالمية لمصر القديمة

لقد نجح الغزاة الاجانب فى الاستيلاء على مصر الشمالية قرابة مائة عام على الاقل، واستطاعوا احيانا خلالها ان يبسطوا سلطانهم على الحكام الوطنين فى الجنوب عند طيبة، ومع ذلك فأن الخلاص جاء اخيرا من طيبة فأعلنوا الحرب ضد الهكسوس بواسطة ثلاث ملوك متعاقبين يحملون اسم سقنن رع، حتى تم طردهم وملاحقتهم الى فلسطين على يد احمس بن سقنن رع الثالث، والذى اسس الاسرة الثامنة عشر والتى تعتبر من ازهى عصور مصر القديمة (1580_1321ق.م).

ثم استيقظت لدى المصريين روح جديدة، فمنذ هذة اللحظة نراهم يمدون ابصارهم نحو الخارج، واستطاعوا عن طريق سلسلة من الملوك العظماء والممتلئين بالحماسة ان يكونوا امبراطورية عالمية، وقد اتم هذا الامر الملك تحمتس الثالث الذى اخضع فلسطين وسوريا من خلال حملات استمرت ستة عشر عام متتالية، ومد سلطانه الى جنوب ما وراء الجندل الثالث فى النوبة واصبحت النوبة وفلسطين وسوريا كمستعمرات، وبدأت الجزيه تفيض بكميات ضخمة الى مصر حتى اعترف بقوة مصر الملوك المجاورون لبابل واشور وميتانى.

وازدات سلطة مصر حتى ارتفعت طيبة مقر البيت المالك الى مرتبة العاصمة للعالم القديم، وحتى شغلت معابدها الهها (امون رع) الذى يمنح السلطة والنصر للملك او الفرعون ابنه، وقد حكم امنحتب الثالث الذى بلغت الاسرة الثامنة عشر فى عهده مجدها كحاكم دولى، فالتمس التقرب اليه ملوك البلاد الاجنبية، ولم يتردد من التزوج من اميرات اجنبيات بقصد تحقيق اهداف سياسية.

 واما عن ابنه امنحتب الرابع كان مصلحا دينيا، فأنصرف عن عبادة أمون واتجة لاحياء عبادة اله الشمس القديم، وقام بأغلاق معابد امون وغير اسمه الى اخناتون، ونقل عاصمتة شمالا الى تل العمارنة، وقضى ايامه فى الخدمة الدينية والاعياد الاخرى، وحين مات اخناتون بعد حكم دام نحو 18 عام جاء فى اعقاب الملوك الذين حكموا مدة قصيرة بعد اخناتون، وهم سمنخ كا رع وتوت عنخ امون واى.

واستطاع القائد حر محب الذى لم ينحدر من اسرة مالكة ان يعيد البلاد الى وضعها الطبيعى، وقضى فترة حكمة الطويلة فى مشروعات اصلاحية فى مصر وهكذا استطاع ان يعيد الطريق امام خلفائة ليستعيدوا مركزهم فى العالم.

فترة الامبراطورية الثانية لمصر القديمة

وتتنسب الاسرة التاسعة عشر الى فترة الامبراطورية الثانية، لانها قامت من خلال حكم الملك سيتى الاول ورعمسيس الثانى سلسلة من الحملات ضدد فلسطين وسوريا، وتمكنوا من استعادة النفوذ المصرى فى الاقليم السابق، وبالرغم من تشعب جذور الحيثين فى سوريا بصورة لم يصعب الاقتلاع، ومن اكبر الاحداث العروفه لهذة الحروب هى معركة قادش على نهر العاصى، والتى كادت ان تهزم القوات الحيثية جيش الملك رعميسس الثانى بسبب قيادتة الفاشلة، ولكنه استطاع بفضل شجاعتة الشخصية ان ينقذ نفسه وينسحب، وبعد معارك استمرت عدة سنين عقدت معاهدة سلام بينه وبين الملك الحيثى، وقضى رعمسيس بقية عمره فى اعمال انشائية سليمة، الباقية حتى الان من تماثيل ومعابد من انحاء مصر ومعبد ابى سمبل اكبر دليل على ذلك المعجزة الفنية التى حولت الصخر الاصم الى معبد من اروع المعابد المصرية على الاطلاق.

وعندما حكم مرنبتاح بن رعمسيس نرى قوة مصر فى الشرق القديم تبدأ فى الضعف والوهن، وقد استدعى فى العام الخامس من حكمة ليصد هجوما من القبائل الليبية فى الغرب التى اتحدت مع شعوب البحر الابيض المتوسط، واستطاع الملك مرنبتاح ان يسحق الغزاة، وبذلت مصر حين ذاك كل الجهود لتسعيد امبراطوريتها وتحافظ على نفسها.

استعادة امجاد مصر فى مصر القديمة

وبعد ثلاثون عام ظهر الملك رعميس الثالث ثانى ملوك الاسرة العشرون، حين بدأ الهجوم يتلو الهجوم ضد مصر عن طريق الليبين وشعوب البحر، فضرب جميع شعوب البحر الاحمر الذين كانوا يتقدمون جنوبا من ناحية سوريا، واستطاع ان يقضى على القوات الاخيرة، وفى معركة بحرية وهى اول المعارك من نوعها التى سجلها التاريخ، ولا تزال صورتها حتى اليوم على حائط معبد رعمسيس فى طيبة الغربية وعادت امجاد مصر واضحت لمصر السيادة مرة اخرى.

 ولكن هذا لم يدم طويلا وذلك لتوغل نفوذ كهنة معبد امون رع كبير الالهه، وذلك لان الجزء الاكبر من الجزية التى كانت ترسل الى مصر من قبل الملوك الاجانب كانت ترسل الى الالة امون رع، وبذلك اصبحوا الكهنه اكثر الناس وذويهم ثراء، ومن هناك شكل الكهنه خطرا كبيرا عرش مصر.

 وجاء بعد الملك رعمسيس الثالث 8 ملوك اتخذوا نفسى الاسم، ولكن كان كل منهم اضعف من سلفة، حتى عام 1100ق.م عند وفاة رعمسيس الحادى عشر وبزيادة نفوذ وقوة الكهنه، استطاع حريحور كبير كهنه امون رع ان يغتصب العرش ويتولى زمام الامور، ولكن سرعان ما ثارت الدلتا ووضعت ملك اخر منافسا له، وبذلك لم تكن هناك امبراطورية اسيوية ولم يتبق لمصر سوى النوبة.

 وبذلك ظلت مصادر مصر على مدى سنين عرضة للتشكل والتنويع ومرت على عدة انواع من الاحتلال الاجنبى لارض مصر منها الإحتلال الليبى خلال الاسرة 22 ، والنوبى خلال الاسرة 25، والاشورى.

فترة النهضة تعود من جديد لمصر القديمة

 وحل الدمار والخراب على مصر، حتى ان طيبة ذات المائة باب تم نهبها من قبل جيوش اشور بانيبال العاتية، ومع كل ذلك من الصعاب التى مرت بها مصر، الا ولابد ان تنهض مرة اخرى، ولم يدم هذا طويلا سوى ان قامت الحرب بين اشور وبابل وهو الصراع الذى انتهى بالانسحاب من مصر، واستقل الملك بسماتيك وهو الامير الوطنى لسايس فى الدلتا، واسس فى عام 663 ق.م الاسرة السادسة والعشرون، وهذة الفترة التى عرفت بالنهضة، وكانت تستهدف الى اعادة ما قد سلف واعادة الفن، واستعيدت الالقاب الملكية وايضا النصوص الدينية، ونقشت مرة اخرى على المقابر والتوابيت وتغير الشرق القديم، وبدأ ازدهار الحضارة يتحرك من الشرق الى الغرب، وبدأ ظهور العالم الاغريقى وتأسست المستعمرات الاغريقة فى كل مكان وكانت السفن اليونانية تنتشر فى البحر الابيض المتوسط.

وبذلك فتح ملوك الاسرة السادسة والعشرون ابواب مصر للمستعمرين اليونان، الذين استعمروا فى انحاء متفرقة وكانت نقراطيس ودافنى من اشهر مراكزهم، وتكون الجيش المصرى من اليونان والكاربين والليببين، ولم يتردد ملوك مصر فى عقد احلاف اجنبية بقصد الحرب او التجارة، وهكذا قامت دولة عالمية على ارض مصرية تختلف كثيرا عن مصر فيما قبل، اقامها الحكام المستنيرون حتى وصلوا بها الى درجة عالية من النجاح والتقدم، وبدأ ملوك مصر مرة اخرى فى التفكير لاسترجاع الامبرطورية مرة اخرى فى اسيا.

 ولكن كانت الكارثة نتيجة هزيمة الامير البابلى نبوخذ نصر للملك نيكاو، وكذلك باءت محاولات بسامتيك الثانى بالفشل لاسترجاع النوبة، وكان الانتعاش القصير للمجد امرا لم يقدر له الاستمرار، وذلك لان ظهور كيروش الفارسى الذى انتقل من نصر الى نصر كان هو نذير لفناء الدولة المتهشمة المنهوكة القوى، وسرعان ما نرى قمبيز يضيف مصر الى الامبراطوية الفارسية فى عام 525 ق.م، بعد ان كانت مصر هى التى تضم ورغم ذلك ظل الدين المصرى والعادات محتفظة بكيانها لقرون طويلة تحت الحكم الفارسى والمقدونى والرومانى.

وهكذا انتهى تاريخ مصر القديم كدولة مستقلة عند هذة المرحلة.

التعليقات