التخطي إلى المحتوى
امرأة مناضلة من مصر الفرعونية
امرأة مناضلة من مصر الفرعونية

كان للمرأة المصرية مكانة كبيرة في مصر القديمة، بل كانت المرأة جزءاً أساسياً في المجتمع وفي نظام الحكم عبر عصور الحضارة المصرية. وقد احتلت أعلى المناصب السياسية؛ فقد صارت المرأة الملكة زوجة الفرعون (الملك) أو الملكة أم الفرعون,أو ملكة حقيقية (فرعون). والحضارة المصرية القديمة هي أكثر الحضارات القديمة التي تضم أكبر عدد من الملكات، مما يعتبر دليلا قاطعا على ما تمتعت به المرأة من مساواة مع الرجل في مصرنا القديمة، وبرهاناً واضحاً على الديمقراطية التي سادت مجتمعنا المصري القديم.

فالمرأة المصرية حكمت مصر في وقت كانت فيه مصر تحكم العالم القديم، فأرسلت البعثات التجارية والكشفية، والتجارية إلى الخارج، وخطب الحكام الأجانب ودها، مثلما حدث مع الملكة حتشبسوت مثلا. ورأينا المرأة في مصر القديمة ثائرة ًلوطنها ضد الاستعمار الغاشم مناضلة ًوباذلة أقصى ما في وسعها لتحرير بلادها. وفى التاريخ المصري القديم نماذج رائعة للمرأة المصرية في مشاركتها في الحياة السياسية والعسكرية و كذلك في سعيها في طلب حرية بلادها؛ومن هؤلاء النساء العظيمات الملكة (إياح حتب) التي كان لها دور خطير ورئيسي في عودة حرية وكرامة الوطن المصري بعد حياة الذل والهوان التي عاشها تحت حكم الرعاة أعداء حضارات العالم القديم وهم (الهكسوس).

إن إياح حتب واحدة من أهم نساء مصر القديمة، وهى زوجة الملك سقنن رع أول ملك يقف في وجه المحتل الغاشم وأول ملك في تاريخ العالم يموت شهيداً في أرض المعركة دفاعاً عن تراب وطنه وكرامة بلاده. وهى أم لرجلين من أعظم رجال مصر القديمة وهما الشهيد البطل كامس الذي كان عونا لأبيه، ومكملاً لمسيرته النضالية ضد الهكسوس، وأحمس ذلك البطل الذي قهر الهكسوس، وطردهم من مصر شر طردة. فقد تميزت تلك الملكة العظيمة في الشدائد بالشجاعة النادرة والذكاء الفائق في كيفية إدارة شئون البلاد، وجمع شملها، وتميزت بمشاعرها الوطنية المرهفة، ورباطة الجأش في المواقف التي يهتز منها الرجال الأقوياء. لقد عانى المصريون الكثير من الظلم والاستبداد والقهر والهوان لأول مرة في تاريخهم المجيد على يد هؤلاء الرعاة الهمجيين الهكسوس الذين حكموا مصر من شمالها حتى القوصية جنوبا (أسيوط) عدا مملكة طيبة الجنوبية.

ولكن المصريين لم يستسلموا لهذا الهوان الذي لاقوه على أيدي هؤلاء الطغاة. وبدأت عزمات النضال من بيت من بيوتات صعيد مصر المبارك، من طيبة (الأقصر)؛ حيث هب الملك سقنن رع الشجاع زعيم هذا البيت العظيم زوج الملكة (إياح حتب) رافعاً راية الجهاد والنضال الوطني ضد المستعمر الغاشم. وتقدم على رأس جيش صغير تاركاً لزوجته (اياح حتب) مسئوليات الحكم أثناء غيابه وانشغاله بمعاركه ضد الهكسوس. لقد دخل سقنن رع حرباً غير متكافئة ضد الهكسوس الذين كان معهم أسلحة جديدة لم يعرفها المصريون في ذلك الوقت رغم تقدم حضارتهم وذلك لكونهم شعب مسالم. لم يتحمل سقنن رع سخرية ملك الهكسوس من المصريين ودخل معه في هذه الحرب، وسقط سقنن رع شهيداً فى أرض المعركة، ليكون أول ملك يستشهد في تاريخ العالم فداء لوطنه وكرامة بلاده. وهنا تظهر صلابة الملكة إياح حتب وشجاعتها؛ فإن استشهاد زوجها لم يجعلها تستسلم للهزيمة أو للحزن، بل تلقت نبأ استشهاد زوجها بالصبر والثبات وبيدها راية الجهاد مرفوعة. وقامت بدفع ابنها الأكبر كامس الذي لم يبلغ العشرين من عمره إلى ميدان المعركة لاستكمال مسيرة والده. وحملته أمانة الدفاع عن وطنه وترابه، وقامت بجمع المصريين حوله وتحت راية الجهاد، وراحت تخطب فيهم وتبث فيهم روح الوطنية وتشعل فى نفوسهم جذوة النضال.

ومضى كامس على درب والده ومنفذا ما كانت تؤمن به أمه العظيمة إياح حتب. مضى كامس ووراءه جنوده كما وصفهم (كعاصفة من نار)، مضى على صفحة النيل متجها للشمال، والناس على ضفتي النيل يمدونه بالمؤن والغذاء ويباركون مسعاه. حتى اكتظ جيشه بالطعام. وواصل كامس انجازاته وانتصاراته. ومضى يحرر الأقاليم المصرية التي كانت تحت سيادة هؤلاء الرعاة الهكسوس أو تحت الموالين. وقبل أن يتم كامس تحرير مصر يسقط شهيدا في أرض المعركة مثل أبيه في تلك الحرب الطاحنة الضروس وهو لم يتجاوز بعد العشرينات من عمره، وكان خبر استشهاد كامس فاجعا؛ اهتزت له النفوس وذلت من هوله الأقدام، ولكن المرأة العظيمة إياح حتب تظهر عظمة وقوة إيمان وشجاعة منقطعة النظير. لم تستسلم لما حققه الجيش من مكتسبات، ولم تستسلم لفقدانها ابنها بعد فقدانها زوجها، وإنما قامت بالدفع بابنها الثاني أحمس إلى ميدان القتال لكي يكمل مسيرة الجهاد التي استشهد فيها أبوه و أخوه. وهى مسيرة تحرير الوطن من الهكسوس.

قامت اياح حتب بجمع شمل الجيش المصري مرة أخرى ووضعته تحت رعايتها، وأعادت الهاربين، وجمعت الفارين الذين أحدثت لهم الحرب زعرا، وهدأت الأنفس المهتزة، وأعلنت نفير الحرب في كل مكان، فأتى الرجال والشباب من مختلف أنحاء مصر للمشاركة في حرب التحرير المباركة، وملاحمها النضالية سواء كانوا محاربين أو غير محاربين. وقد قامت تلك المرأة بإلقاء خطابها الحماسي وأوصت ابنها أحمس بألا يعود إلا ومعه النصر. وخرج أحمس على رأس جيشه المبارك بعد أن سلحتهم إياح حتب بسلاح الإيمان، ونفخت في نفوسهم من وطنيتها وشجاعتها، ورفعت من روحهم المعنوية، سار أحمس مثلما قال(كالأسد الهصور، ووراءه جنوده كالأسود التي تبغي فرائسها)، والتحم الجيشان ودارت معارك رهيبة على صفحة النيل وفى البر.

وحول عاصمة الهكسوس اشتد وطيس المعارك، واستبسل المصريون استبسالا عظيما، واستطاع أحمس بشجاعته وبسالة جيشه أن يحقق الهدف المنشود الذي سعت وراءه الأم العظيمة إياح حتب وكل المصريين استطاع أن يهزم الهكسوس المتغطرسين هزيمة منكرة وطردهم من مصر العزيزة شر طردة، وشتت شملهم، فلم تقم لهم قائمة فى التاريخ بعد ذلك. وعاد أحمس منتصرا مكللا بأكاليل الغار. وأعاد لمصر حريتها وكرامتها، وعمت الاحتفالات بالنصر شتى بقاع وادي النيل و(كانت كل امرأة تحتضن زوجها). وهكذا على الرغم من المعاناة التي عانتها تلك المرأة العظيمة طوال سنوات الكفاح ضد الهكسوس الرعاة إلا إنها لم تستسلم واستطاعت بتماسكها وصلابتها وشجاعتها أن تحفز المصريين للجهاد وجعلت حب الوطن يجري في دمائهم. وهكذا كان لهذه المرأة دورها العسكري والسياسي الخطير أثناء تلك المعارك الطاحنة، وكان لها أكبر قسط في تحقيق النصر وعودة حرية الوطن وكرامته.

وتقديرا من الملك أحمس لأمه وعظمتها وما عانته أنه قلدها أعلى وسام عسكري لم يكن يحصل عليه في ذلك العصر سوى الرجال المحاربين الأقوياء الذين يثبتون شجاعة نادرة فى أرض المعارك، ألا وهو وسام الذبابة الذهبية. وذلك اعترافا منه ومن كل مصري في تلك الفترة بجهود تلك المرأة العظيمة. كما نجد أن أحمس أيضا يشيد بذلك الدور العظيم لأمه الملكة إياح حتب ويخلده على لوحته الشهيرة (لوحة أحمس) التي عثر عليها بالكرنك، والتي ترجع إلى بداية حكمه بفترة كبيرة، فهو في هذه اللوحة يمجد أمه ويعظمها ويأمر الجميع بتقديسها قائلا: (امدحوا سيدة المصريين، سيدة جزر البحر المتوسط، ذائعة الصيت فى كل بلد أجنبى. هى التى تصنع الخطط للناس، زوجة الملك، ابنة الملك، أم الملك، النبيلة العالمة بالأشياء، التى ترعى شئون المصريين، هي التي جمعت شمل الجيش، ووضعته تحت رعايتها، وحمت الناس، وأعادت المهاجرين، وجمعت الفارين، هي التي هدأت الجنوب، وأخضعت ثائريه، إياح حتب زوجة الملك. لها الحياة الأبدية).

وهكذا نعرف من خلال هذا النص الدور العظيم الذي لعبته هذه الأسرة الصعيدية الباسلة خصوصا الملكة إياح حتب فى تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر. وربما قامت تلك المرأة بالإشتراك فى الحكم مع إبنها الملك أحمس في بداية حكمه وأنها كانت تساعده في توجيه دفة الحكم بعد طرد الهكسوس، حيث تم العثور على بوابة في منطقة بوهن بجنوب البلاد (بالنوبة) منقوشا عليها اسم الملك أحمس والملكة إياح حتب. وكان لاسمها تقديرا كبيرا فى كل البلاد الأجنبية التي كانت تحت السيادة المصرية. وقد خلع عليها أهل جزر البحر المتوسط وأهل كريت بخاصة لقبا تشريفيا وهو لقب (حاو نبو) بمعنى (سيدة جزر البحر المتوسط). وقد اتخذتها ملكات مصر في العصور اللاحقة مثلا عاليا يحتذى به، وبعد أن عاشت الملكة إياح حتب حياة حافلة طويلة حتى بلغت التسعين عاما من عمرها المبارك كانت كلها مليئة بالنضال والأحداث التي أثرت في تاريخ مصر والعالم القديم، انتقلت إلى الرفيق الأعلى بعد أن نالت من الإحترام والتكريم ما لم تنله أية إمرأة أو ملكة أخرى طوال عصور التاريخ المصري القديم، وفى عام1835 تم الكشف عن مقبرتها بواسطة عالم الآثار الفرنسي (مارييت) فى جبانة ذراع أبو النجا فى البر الغربى بالأقصر، وعثر بتلك المقبرة على تابوت مذهب للملكة إياح حتب، وعندما فتح مارييت ذلك التابوت وجد مومياء الملكة في حالة سيئة من الحفظ، كما عثر داخل التابوت على كميات كبيرة من التعاويذ والتمائم والمجوهرات منها ثلاث أساور ذهبية تحمل اسم الملك (أحمس) كهدية لأمه، وسوار ذراع وصدرية موجودة في أماكنها من المومياء.

كما عثر على تميمة على هيئة جعران. بالإضافة إلى العديد من الحلي والأثاث الجنزى الذي تم العثور عليه داخل مقبرة الملكة ويحمل اسم ابنها الأكبر كامس. ومن الجميل أن عثر العالم مارييت في مقبرتها على بلطة حربية مذهبة وخنجر من الذهب دلالة على دور هذه الملكة الحربي وطبيعة الجندية التي لازمتها. وقام مارييت بحمل هذه المكتشفات في مركب على صفحة النيل متجها إلى العاصمة القاهرة هو ورجاله. ولكن لصوص الآثار كانوا له بالمرصاد لعلمهم بأهمية هذا الكشف، فدارت معركة بالأسلحة النارية على متن النيل بين هؤلاء اللصوص من ناحية ومارييت ورجاله من ناحية أخرى، وانتهت المعركة بغرق مومياء الملكة إلى الأبد في نهر النيل مما يعد خسارة كبيرة. وعاد مارييت مع صندوق مجوهرات الملكة حزينا إلى القاهرة. وكأن القدر أراد للملكة أن تكون في كفاح دائم حتى بعد مماتها. وكأن الملكة العظيمة اختارت لحياتها الأبدية أن تذوب في مياه النيل وتراب الوطن الذي طالما أحبته وقضت حياتها الأولى من أجله.

التعليقات