التخطي إلى المحتوى
الأسطورة الشمسية وكبح جماح الفوضى في عصر الدولة الحديثة
الأسطورة الشمسية وكبح جماح الفوضى في عصر الدولة الحديثة
وفقا للمعطيات الفكرية الدينية الشمسية في عصر الدولة الحديثة ، لم يكن الكون الذي خلقه إله الشمس الخالق مكانا منظما و سليما للأبد ، كما لم تكن هذه المسألة تعني إكتمال خلق الكون . فالمصري القديم أو الفكر الكهنوتي أوجد مفهوم ديني يتمثل في : الحاجة المستمرة على الدوام لإعادة خلق الكون من جانب المعبود الخالق كل يوم ، فخلق الكون ينتمي طبقا لهذه الإعادة المتكررة لما يعرف ” بالزمن الدوري ” – الزمن الذي يتكرر فيه الحدث بشكل دوري و بالتالي تسير الأحداث فيه على هيئة دائرة .

 

و من هنا كان خلق الكون للمرة الأولى ، وفقا للتعبير المصري القديم ، عبارة عن فصل و تمييز قاطع بين فوضى ما قبل الخلق ( نون ) و بين فعل ظهور الإله الأول على مسرح الأحداث و الذي أوجد بعدها كل المخلوقات على الربوة السرمدية الأولى . و بعد إتمام هذه العملية تبدأ الشمس في السير في رحلتها اليومية لكي تخلق الزمن الدوري و لكي تعيد لحظة ” المرة الأولى لخلق الكون مرة أخرى ” عند كل إشراقة جديدة . و لم تكن هذه المسيرة الشمسية الدورية تتم من تلقاء نفسها بل هي تحتاج إلى :
مساعي و جهود قوية من جانب الملك و الكهنة الذين يقيمون الشعائر اللازمة التي تساعد على الشمس على إعادة إشراقتها من المياه الفوضوية الأولى و على إنتظام مسيرتها الدورية يوميا .
هناك تساؤل هام : ما الذي جعل المصري القديم يميل نحو إعادة خلق الكون من جديد في إطار ممارسة شعائرية ميثولوجية ( أسطورية ) ؟
كانت جميع حضارات الشرق الأدنى القديم تؤمن بحقيقة أسطورية هامة ألا و هي : شعورها الدائم بأن الكون بات مهددا بالدمار و الزوال بسبب تقدم الزمن فالزمن في داخله يحمل بذور التغيير و بناءا على ذلك آمنت هذه الحضارات بأن العالم في أزمة مستمرة و أن هناك مخاطر كونية طبيعية و هناك مخاطر سياسية تتعلق بتجارب التاريخ و لذا كان هدف الإعادة التقليدية لخلق الكون من جديد هو جعل الزمن قابلا للإعادة ، ففي كل إعادة يتم التغلب على جميع المخاطر و الأزمات سواء كانت كونية طبيعية أم سياسية تاريخية . و لذا فلا نبالغ إذا قلنا بأن فلسفة الشعائر تعكس وجود قلق أو توتر فالشعيرة هي القالب الذي نضع فيه حالة القلق التي تروادنا فنتغلب عليها بمزاولة الطقس و كلما زادت الشعائر كلما ترجمت هذه أو تلك الحضارة عن بالغ قلقها التي تشعر بها دوما و هذا هو ما حدث في عصر الدولة الحديثة التي أنتجت عددا هائلا من الكتب الدينية الجديدة التي وصفت رحلة العالم الآخر فضلا عن ظهور مناظر أخرى جديدة على جدران المعابد المصرية و التي كشفت عن حالة القلق الوجودي فإله الشمس رع يعيد نشأة الكون لأول مرة يوميا و ذلك بصعوده كل صباح من مياه نون الفوضوية ، مياه ما قبل الخلق . كما ذكرت الأناشيد الشمسية في تلك الفترة أن الإنسان في نومه يشابه الشمس التي تخترق مياه العالم الآخر ، فهو أيضا يغطس في تلك المياه ، و عندما يستيقظ صباحا يكون قد إسترجع شبابه و ذلك ” بخلع الإنسان العجوز الذي في داخله فيتحول إلى إنسان جديد يتمتع بالشباب و الحيوية ” . و هذا هو سر الزمن الدوري الذي يعمل على تجديد كل شيء في الكون .
من ناحية أخرى ينبغي لنا هنا أن نشير لأمر هام و هو :
إضافة ثعبان الفوضى ” عبب ” في كتب العالم الآخر في عصر الدولة الحديثة و رغم معرفة المصري القديم بهذه الثعبان في نصوص عصر اللامركزية الأول إلا أنه بدأ يظهر في تاريخ الفن المصري و لأول مرة في عصر الدولة الحديثة ، فقد كان هذا الثعبان المائي الضخم يهدد بإلتهام كل مياه نون الأولى و التي يسبح فيها معبود الشمس في قاربه و من هنا يمكن لنا أن نفرق بين فوضى و أخرى ، فمياه نون التي تجسد مفهوم عالم ما قبل الخلق و حدود العالم الخارجي تحمل في ثناياها مفهوم تجديد العالم و إلا لما رحل إليها رع كل يوم لكي يجدد نفسه أما ثعبان الفوضى ” عبب ” فهو يهدد وجود العالم بأكمله إذا إبتلع مياه ” نون ” .
أضافت المسرحية الميثولوجية الشمسية في عصر الدولة الحديثة عددا من المعبودات الشمسية في كتب العالم الآخر و التي عرفت بقدرتها على أداء أدورا فعالة لحماية الشمس خلال مسيرتها ، فلم يوضع إله واحد في قاربي الشمس ليلا و نهار إلا و كان له صلاحية أو قدرة تمكنه من أداء دورا لصالح الشمس (المعبود الخالق) . و تتميز كل مرحلة من مراحلة رحلة الشمس بحدث هام ، فهناك الإلهة الأم التي تضع مولودها الشمسي الصغير و هناك من يتولى رعاية الشمس و تربيتها من جانب إلاهات مرضعات ثم نرى بعد ذلك حدث إرتقاء رع لعرش مصر بكل تبجيل و تعظيم من جانب المعبودات التي تصفق له خلال التتويج ثم يخوض حربا قتالية ضد الثعبان الكوني ” عبب ” و يتمكن من الإنتصار عليه بعون الآلهة التي تقف معه في هذا الصراع ثم يذهب باحثا عن قبر أبيه أوزير بإعتباره حورس إبن إيزيس لكي يتحد به و يعمل على إحيائه من جديد . و المعبود الشمسي هنا ” رع ” هو ” البا ” التي تتحد بجسدها ” جسد أوزير ” . أليست هذه المراحل الخاصة بالرحلة الشمسية هي تجسيد لسياسة الملك الحاكم و ما يؤديه خلال حياته ؟
إن لكل مرحلة من مراحل الرحلة الشمسية مهمة خاصة تستدعي جهود مبذولة من جانب أنصار الشمس (الملك والكهنة) و ذلك لكي تتمكن الشمس من نشر ضيائها في كل ساعة فيتغلب النور على الظلام و من هنا نفهم أن رحلة الشمس و ما يرافقها من طقوس دورية كانت و لابد أن تنتمي لمفهوم الزمن الدوري ، فالزمن الدوري في عالم مصر هو شكل حضاري لا غناء عنه ، فالعالم المصري أصبح دوريا لأجل المحافظة على بقاءه ، لأجل التغلب على زمن الحياة اليومية الذي يحمل في طياته بذور التغيير.
لقد كانت الرحلة الشمسية و ما يصاحبها من تراتيل و أناشيد و طقوس لها أبعاد هامة تتمثل فيما يلي :
1 – البعد الخاص بالسلطة السياسية التي تتمكن من وضع النظام ( ماعت ) بدلا من الفوضى ( إسفت ) و نشر الضياء في العالم بدلا من الظلام و التأكيد على حركة الشمس لإستمرارية الكون بدلا من ركودها .
2 – البعد الخاص بالمستوى الإجتماعي و هو أن مسار الشمس المنتظم يؤدي إلى إنتشار الحب بين الناس و إنتفاء الصراع بينهم.
3 – البعد الذاتي لكل إنسان و يتمثل في إنتصار كل فرد على شيخوخته و موته و ذلك بولادته من جديد مع الشمس المشرقة كل يوم.
و مما لاريب فيه أن المسئول الأول عن إنتظام الرحلة الشمسية هو شخص الملك الحاكم فهكذا نقرأ على لوحة الملك ” رمسيس الرابع ” في أبيدوس حيث يتقمص دور كاهن الشمس الأول و يقول لها :
” لقد قضيت على – عبب – من أجلك ، و جعلت مركبك تسير دون عائق فلا تقف أبدا على كومة رمال عبب في هذه الرحلة العظيمة ” .
يتضح لنا حتى الآن و مما سبق بعض الملامح الهامة و هي :
1 – عبارة كومة الرمال التي وردت في النص السابق تعني : ” وجود مجاعة إذا تمكن عبب من إبتلاع المياه ، فمياه نون الأولى هي فيضان مصر الذي ينبع منها ” .
2 – هذا النص و غيره من نصوص الدولة الحديثة يشير إلى وجود بذرة الشر منذ الأزل فثعبان الفوضى يعيش منذ البداية في مياه نون الأزلية . 
3 – التغلب على الشر الذي يظهر في شكل ثعبان الفوضى ” عبب ” و الذي يهدد دائما مركب الشمس بالركود و بالتالي التغلب على الموت .
4 – يظهر معبود الشمس كملك لعالم مصر حيث يجود بالنظام و لا يقول إلا الحق و يعمل على توزيع الطعام على الجميع و يقضي على الشر .
5 – بعد أن كانت هناك قيمتين في هذا العالم و هما : الخير و الشر لا يتبقى سوى قيمة الخير فيصبح عالم مصر بقيمة واحدة فقط و هي قيمة الخير و من هنا يتمكن الناس من الحياة بسلام في هذا العالم و تصبح مصر قابلة للمعيشة
و لكن لا يعكس كل ما سبق أن مصر كانت عالما مثاليا بمزاولتها الشعائر الشمسية بل يعني : الإحتياج الدائم لإقامة هذه الطقوس حتى لا يسقط العالم المصري في براثن المخاطر و الأزمات و الفوضى .
و من هنا كان الكون في الحضارة المصرية القديمة مسرح لعمليات شعائرية ميثولوجية مقدسة يخوضها أنصار الشمس (الملك و الكهنة) لكي يتم التغلب على الموت و لكي تنتعش الحياة و يظل النظام قائما بدلا من الفوضى . فالإنسان في مصر يكتشف نفسه من جديد هذا الكون ، فهو يتغلب على موته كل يوم ، و على قيمته الثنائية بين الخير و الشر و التي إنتهت إلى الخير ، و على عدمية النظام التي تغلب عليها و إسترد سلطته التي سلبت منه ، و كل ذلك بفضل إنتظام رحلة الشمس و لذا فقد كان لزاما على الملك الحاكم أن يعرف و يحفظ عن ظهر قلب الأنشودة الشمسية العظيمة فنقرأ في إحدى فقراتها الهامة ما يلي :
” الملك يتوسل لإله الشمس في الصباح الباكر و ذلك عندما يظهر في هيئة الجعران و يفتح كرته فيدخل في الفم و يخرج من الأفخاذ و عند ولادته في شرق السماء يقوم أبوه أوزير برفعه إلى أعلى ثم يستقر في مركب الصباح و الملك يعرف هذا الحديث السري الذي يحدث للباوات الشرقية عندما تعزف موسيقى و تهلل لإله الشمس و عندما يسلك إله الشمس بداية الطريق فهو يعرف من الذي في مركب النهار و من الذي في مركب الليل و هو يعرف ولادة رع و إن من يعرف ذلك كله يكون هو نفسه رع “
فهذه الأنشودة تمكنه من معرفة طبيعة الأحداث الكونية و الإلمام بأدق التفاصيل الخاصة بالرحلة الشمسية و عليه أن يعرف كل صغيرة و كبيرة في رحلة الشمس (بل هو نفسه يصبح رع في قارب الشمس) و ذلك حتى يتمكن من مخاطبة المعبود الخالق و يتوسل إليه و يحرص على التأكد من إتمام الطقوس كل ساعة و يقوم لذلك بتعيين الكهنة المختصين لكل ساعة من ساعات الرحلة الشمسية نهارا و ليلا (ولعل ذلك يفسر لنا ظاهرة تشييد المقاصير الشمسية في جميع معابد الدولة الحديثة) فيقومون بترتيل الترانيم و الأناشيد الشمسية المتعددة ، و رغم أن بعض هذه الترانيم تعود لعصر الدولة القديمة إلا أنهم أضافوا عليها ترانيم أخرى فزادت من حيث الكم و الكيف فتنوعت الأفكار و تبلورت المفاهيم و ظهرت طقوس أخرى هامة و جديدة في تلك الرحلة الشمسية ، فالطقوس التي تقام في كل ساعة و ما يرافقها من تراتيل و ترانيم تقوم بترويض الفوضى الكونية و معها الفوضى التي في داخل كل إنسان و من هنا تكمن أهمية إقامة الشعائر يوميا من جانب أنصار الشمس و هذه هي رسالة الفكر الديني الشمسي في مصر .
 

 

التعليقات