التخطي إلى المحتوى
قصة سنوهي قصة واقعية من عصر الفراعنة
قصة سنوهي قصة واقعية من عصر الفراعنة

لقصة سنوهي شهرة خاصة في مصر؛ فقد كانت قصة سنوهي أو (سنوحي) من أحب القصص إلي قلوب المصريين القدماء في جميع عصور الحضارة المصرية، بل وحتى الآن، فمن يقرأ هذه القصة لا يملك إلا أن يتعاطف مع سنوهي ويحب شخصيته المغامرة الطيبة الشجاعة التي تحب وطنها مصر، لذلك فان المصريين القدماء نظرا لحبهم لهذه القصة الواقعية الشيقة فقد راجت بينهم وظلوا يتناقلونها عبر العصور وخصوصا في المدارس في مراحل الدراسة وفي مناهج التعليم، وقد وصلتنا قصة سنوحي مكتوبة على البردي وعلى لخاف الفخار (الأوستراكا).

قصة سنوهي (سنوحي) من روائع الأدب العالمي

وقد أجمع علماء الدراسات المصرية على أن قصة سنوحي خير ما وصل إلينا من القصص المصري القديم، وإنها تتفوق على غيرها بأسلوبها وتركيبها ولغتها وما جمعته من العناصر الفنية اللازمة للقصة الناجحة، كذلك رجال الأدب والثقافة في العالم يشاركون علماء الآثار في هذا الإعجاب.

فقد ذهب بعض الأدباء العالميين المشهورين مثل رديارد كبلنج (Rudyard Kipling) إلى أنه اعتبر قصة سنوهي جديرة بأن توضع بين روائع الأدب العالمي، وقد أرسل (كبلنج) بذلك خطابا إلى سير (ألان جاردنر) عالم الآثار الشهير والمتخصص في اللغة المصرية القديمة.

وقصة سنوهي من حيث الشكل قصة واقعية لتجربة شخصية حدثت في زمان ومكان، ولها بداية ونهاية، وقد تضمنت في سياقها أحداثا مثيرة، ومعلومات مشوقة عن بلاد الشام وأهلها في ذاك الزمان، وتضمنت من شعر المدائح والأمثال الجارية في ذلك العصر ومن صيغ التراسل ولباقة الاستعطاف ورقة الاعتذار ما جعل المعلمين والطلبة يتلذذون في الاستشهاد وترصيع كتاباتهم به.

ثم هي من الناحية الفنية قد أبدعت في تصوير مشاعر الإيمان ومشاعر الخوف ومشاعر المفاخرة بالانتصار، والتغلب على المشاق، وعاطفة الحنين إلى الوطن وتقديس الدفن تحت ترابه، ولذلك تعتبر قصة سنوهي من القصص الأدبي الهام الذي وصلنا من مصر القديمة من الناحية الأدبية.

كما أنها قصة هامة من ناحية أنها تعطينا فكرة عما كان يحدث أحيانا من الصراعات السياسية في القصر الملكي على تولي الحكم، وتلقي الضوء على العلاقات الدولية بين مصر وجيرانها من الدول الأخرى؛ فقد صورت لنا جانبا من علاقات مصر بمناطق الشام في عهدي الملكين أمنمحات الأول و سنوسرت الأول، كما نفهم من القصة كذلك أن اللغة المصرية القديمة لغة سنوهي كانت معروفة لبعض أهل الشام، كما توضح لنا أن جالية من المصريين كانت تعيش في بلاد الشام سواء للتجارة أو خلاف ذلك.

كما توضح لنا كذلك أن عددا من أهل الشام كانوا يفدون على مصر للتجارة أو للزيارة فيتعرفون على شخصياتها البارزة التي يسمعون عنها، كما توضح القصة أيضا أن حكام الشام كانوا على اتصال بمجريات الأمور في مصر ويحبون الاستزاده من أخبارها.

اسم سنوهي

واسم (سنوهي) في اللغة المصرية القديمة (سا نهت) بمعنى (ابن الجميزة)، فكلمة (سا) معناها (ابن)، وكلمة (نهت) معناها (الجميزة)؛ والجميزة كانت مقدسة عند المصريين القدماء، ونظرا لأن التاء في آخر الكلمة كانت تسقط عند المصريين القدماء لذلك فكلمة (نهت) (الجميزة) كانت تنطق (نوهي) في اللغة القبطية (التي هي آخر تطورات اللغة المصرية القديمة)، لذلك فقد نطق الأثريون الأوائل اسم صاحب القصة (سنوهي) وهو أنسب نطق لها.

مصدر قصة سنوهي

لقد عاش سنوهي في الدولة الوسطى الأسرة الثانية عشرة أيام الملكين أمنمحات الأول و سنوسرت الأول، فكانت فترة معيشته عام (1991 ـ 1924) قبل الميلاد، وكان سنوهي رجلا من بلاط أمنمحات الأول ومن المتصلين بأجنحة بناته وحريمه، ولقد تأثر القوم بقصة سنوهي وأعجبوا بها مثلما تأثرنا نحن بها حينما قرأناها، وذلك نظرا لما فيها من حب وإخلاص المصري لوطنه مهما ابتعد عنه تحت وطأة ظروف معينة، وعدم الرضاء عنه بديلا مهما كان في رغد من العيش، ومهما تقدمت به السن.

وأحبوها كذلك لأنها قصة إنسانية جديرة بالدراسة وأخذ العبر وتنمية المشاعر الوطنية وما يكتنفها من حنين لتراب الوطن والاشتياق للعودة إليه، وحب الدفن تحت ترابه، وما تخللها من فترات المعاناة وانتصار النفس البشرية على التحديات لإثبات الذات، وظل القوم يتلون قصة سنوهي ويقروها في مدارسهم في مراحل الدراسة المختلفة في مختلف العصور حتى يشب التلاميذ متشبعين بحب وطنهم ناشئين على العزة والكرامة وروح المغامرة.

وظل تلاميذ الكتبه في طيبة بعد مرور ثمان مائة سنة ينقلون منها فقرات كتمرينات، ويبدو أن المصدر الأصلي لقصة سنوهي الحقيقية هو أن سنوهي نفسه سجلها على جدران مقبرته أو على نصب في المقبرة، وما شاع بين الناس من روايتها، فسجلوها على البرديات وقطع الفخار، وقد وردت إلينا هذه القصة مكتوبة على نسخ كثيرة، ومن النسخ التي وردت إلينا كاملة لهذه القصة أنها وردت كاملة على برديتين كانتا في متحف برلين بألمانيا، وقد تم ترجمة نص القصة ودراستها بواسطة عدد من علماء المصريات على رأسهم السير ألان جاردنر الذي قام بترجمة نصها ثم أعاد ترجمتها مرة أخرى، وبعد ذلك ظهرت لها ترجمات كثيرة ودراسات عديدة من عدد من العلماء في جميع الآثار التي وردت مكتوب عليها هذه القصة من برديات وفخار.

قصة سنوهي

وتبدأ أحداث القصة حينما كان سنوهي برفقة الأمير ولي العهد سنوسرت (الأول) مع عدد آخر من الأمراء من إخوة سنوسرت في حملة عسكرية أرسلها الملك أمنمحات الأول (والد سنوسرت) إلى الصحراء الليبية الشمالية الغربية؛ للحرب ضد قبائل التحنو (في ليبيا)؛ حيث فوجئ الجميع وهم على الحدود الغربية لمصر أثناء عودتهم منتصرين ومعهم الغنائم بمجيء رسل من القصر الملكي تخبرهم بموت الفرعون أمنمحات.

وقد أخفى الأمير سنوسرت عن جيشه نبأ وفاة والده، ولكن جاء رسول خاص لأحد أبناء الملك الآخرين من الذين كانوا في الحملة العسكرية، ويبدو أن هذا الأمير كان طامعا في العرش دون أخيه سنوسرت ولي العهد، حيث أن سنوهي سمع لغطا فهم منه وجود أخذ ورد بين الأمراء، وهنا اعتقد سنوهي بأن صراعا سيدب بين الأمراء على تولي العرش لا يدري كيف سيكون موقفه منها.

وعز عليه أن يلتزم الجانب الصالح خلالها، وخاف أن يجرفه هذا الصراع وتطحنه رحى المعارك، وفي نفس الوقت كان مخلصا للقصر ولمصر فعز عليه أن تصير الأمور إلى ما اعتقد فيه، وآثر البعد بنفسه، وهنا ودون تفكير يهرب سنوهي ويعبر الدلتا، وأفلح في مغافلة حرس الحدود؛ حيث قادته قدماه إلى رحلة طويلة شاقة وصلت به إلى سوريا لتبدأ مرحلة جديدة في حياة سنوهي استمرت سنوات طويلة، و تخللت فترة هروبه واستقراره في سوريا وكيفية عودته منها الكثير من المغامرات، سجلها سنوهي في قصته نثرا شيقا تخللته بعض الصيغ الشعرية المؤثرة.

موت الملك أمنمحات الأول

وتحكي القصة على لسان سنوهي حيث يقول: “……العام الثلاثون ،الشهر الثالث من شهور فصل الفيضان، اليوم السابع، صعد في أفقه (أي مات) الصقر ملك مصر العليا والسفلى سحتب اب رع (وهو اسم التتويج للملك أمنمحات الأول)، طار إلى السماوات العلى، ولحق بالكوكب، والتحم جسده مع خالقه”. (أي صعد للرفيق الأعلى كما نقول الآن).

ويستمر سنوهي في وصف حالة الحزن على موت الملك : “وخيم الوجوم على العاصمه، وأغلقت بوابات القصر الكبيرة، وامتلأت القلوب بالحزن، وجلس رجال البلاط وقد وضعوا رؤوسهم فوق ركبهم، وحزن النبلاء ،وولول العوام… وكان الملك قد أرسل جيشا إلى بلاد التحنو (في ليبيا) وكان على رأسه ولي العهد الطيب سنوسرت الذي أرسل ليضرب البلاد الأجنبية ويؤدب أولئك الذين يعيشون بين التحنو، وكان إذ ذاك يحمل أسرى التحنو وجميع أنواع الحيوانات التي لا حصر لعددها. وأرسل رجال البلاط رسلا إلى الحدود الغربية ليخطروا ابن الملك بما حدث في القصر، وقد قابله الرسل في الطريق عند حلول المساء. لم يتلكأ لحظة واحدة، طار الصقر ومعه اتباعه ،ولم يذع الخبر بين جيشه، ومع ذلك فقد وصلت رسالة إلى أبناء الملك الذين كانوا معه في ذلك الجيش، واستدعى أحدهم ، ونظرا لأني كنت قريبا فقد سمعت صوته عندما تكلم بعيدا عن الجميع، فهلع قلبي وتدلى مني الذراعان، وأصابت القشعريرة كل أعضاء جسمي، فأخذت أعدو لأجد مخبأ، ووضعت نفسي بين شجرتين حتى أبعد نفسي عمن يكون سائرا في الطريق”.

هرب سنوهي من مصر

ويصف سنوهي طريقة هربه من مصر فيقول : “واتجهت جنوبا، ولكن لم يكن في نيتي الوصول إلى القصر؛ لأني ظننت أن النزاع سيبدأ، ولم أكن أعتقد أني قادر على الحياة بعد كل هذا. وعبرت (ماتي) على مقربة من الجميزة (مكان غير معروف يظن البعض أنه بحيرة مريوط)، ووقفت عند جزيرة سنفرو (يرجح أنه مكان في الدلتا)، وقضيت اليوم هناك عند حافة الأرض المزروعة، واستأنفت سيري عندما أصبح الصباح، وقابلت رجلا كان في طريقي فحياني وهو خائف بينما كنت أنا الخائف منه، وعندما حل العشاء اقتربت من مدينة (نجاو) (وهي مدينة غير معروفة لكن من سياق الكلام ربما تكون عند رأس الدلتا)، وعبرت النيل في قارب لا دفة له بفضل الريح الذي كان يهب من الغرب، ثم مررت إلى الشرق من محجر سيدة الجبل الأحمر (مازال اسم هذا المحجر مستعملا حتى الآن ،وهو على مقربة من العباسية في القاهرة، أما سيدة الجبل الأحمر فكانت الإلهة حتحور)، ثم اتجهت نحو الشمال ووصلت إلى جدار الأمير الذي شُيِّد لصد البدو وسحق ساكني الرمال (جدار الأمير اسم لحصن أقامه أمنمحات الأول على حدود مصر الشرقية عند مدخل وادي الطميلات)، وكورت نفسي بين الحشائش خوفا من أن يراني الحارس الذي كانت عليه المراقبة في ذلك اليوم . واستأنفت السير عندما جاء الليل. وفي فجر اليوم التالي وصلت إلى (بتني)، وعندما وقفت في جزيرة (كم ور) (إحدى البحيرات في منطقة برزخ السويس) وقعت فريسة العطش فاكتويت بناره، وجف حلقي وقلت لنفسي هذا هو طعم الموت”.

وهنا تتدخل العناية الإلهية وعلاقة سنوهي وسمعته الطيبة لتنقذه من الهلاك حيث يقول: “ولكن قلبي انتعش وجمعت أعضاء جسمي عندما سمعت خوار الماشية، ورأيت بعض البدو ، وعرفني شيخ من بينهم كان قد زار مصر، فأعطاني ماء وطبخ لي لبنا، وذهبت معه إلى قبيلته فأحسنوا معاملتي”.

مقابلة سنوهي لأمير عامو ننشي

ويستمر سنوهي في قص مغامراته وما لاقاه؛ فيذكر أن بلدا أسلمه إلى بلد آخر حتى وصل إلى جبيل (جبيل أو ببلوس شمال بيروت على شاطيء البحر المتوسط)، ثم غادرها إلى بلد آخر اسمه (كومي) حيث أمضى ستة أشهر، ثم اتصل به بعد ذلك الأمير (عامو ننشي) أمير رتنو العليا (بلاد رتنو كان الاسم الذي يطلق على فلسطين وسوريا في ذلك الوقت)، حيث أخذه أمير رتنو معه وأغراه بأنه سيجد عنده كل سبل الراحة، وأنه سيستمع إلى لغة مصر عنده؛ حيث كان كثير من المصريين يقيمون هناك معه، وكان أولئك المصريون قد أخبروا الأمير بمكانة سنوهي.

وقد سأل الأمير عامو ننشي سنوهي عن سبب مجيئه إلى تلك البلاد فقص عليه سنوهي حكايته كلها؛ وهنا يقدم سنوهي نفسه للأمير بطريقة تليق به كمصري وتليق بفرعونه؛ حيث يوضح أنه هرب لأسباب سياسية وليس لأية أسباب سواها ، وأنه رجل ذو أخلاق ومثل عليا؛ حيث يذكر سنوهي للأمير قائلا عن نفسه: “لم يتحدث عني أحد بسوء،ولم يبصق في وجهي أحد، ولم أسمع كلمة سباب”.

ولما سأله الأمير عن حال مصر بعد وفاة مليكها رد عليه سنوهي بكل اعتزاز عن ملكها الجديد، بل وتكلم في شيء من المبالغة تليق بحبه لوطنه واعتزازه به محافظة على سمعة وطنه خارج حدوده الحقيقية، وكذلك لكي يضع هيبة مليكه في نفس من يسمعه؛ فأخذ يتكلم عن فرعونه في أسلوب شعري قائلا :

“إن بلده يحبه أكثر مما يحب نفسه، ويبتهج به الناس أكثر من ابتهاجهم بإلههم، يمر به الرجال والنساء ويسعدون به… إنه ملك قد غزا منذ أن كان في البيضة (أي قبل أن يولد)، ومنذ ولادته أصبح الغزو هدفه، إنه هو الذي يضاعف الذين يولدون في أيامه، إنه لا نظير له بين الملوك، إنه هبة الآلهة. ما أسعد البلاد التي يحكمها، إنه هو الذي يمد حدودها، وسيهزم البلاد الجنوبية،ولن يضنيه التفكير في البلاد الشمالية، لأنه ولد في هذه الدنيا ليهزم البدو،ويقضي على من يسكنون فوق الرمال”.

وفي نهاية هذه القصيدة ينصح سنوهي الأمير بأن يكتب إلي سنوسرت، ويؤكد له ولاءه قائلا له بأن مليكه “لن يتوانى عن عمل الخير لبلد يكون مواليا له”.

وقد طلب الأمير السوري من سنوهي الإقامة عنده وأنزله منزلا حسنا وأكرم وفادته ورفع من قدره فوق قدر أبنائه، بل زوجه من كبرى بناته وأعطاه جزءا من مملكته على الحدود مملوء بالخيرات وصفه سنوهي بأوصاف جميلة : “كانت بلدة ً طيبة تسمى إيا ،فيها تين وعنب، وخمرها أغزر من مائها، وفير عسلها وزيتونها ، كل الثمر على أشجارها، فيها شعير وقمح، ولا حصر لأنعامها”. وقد جعله زعيما لإحدى القبائل ، فكان ينعم بكل الخيرات التي يقدمها له اتباعه . ومرت السنون وأنجب سنوحي أولادا، وكبر بنوه وأصبح كل واحد من أولاده زعيما لقومه . لكن ظل سنوهي على حبه لوطنه الغالي مصر؛ فكان يستضيف جميع الرسل الذين كانوا يسافرون من وإلي مصر، وكان يجد متعة كبيرة في استضافتهم وتقديم الطعام والعون لكل من كان في حاجة إليهما من أهل البلاد.

تعيين سنوهي قائداً لجنود أمير رتنو

وحدثت قلاقل واضطرابات في تلك البلاد من بعض قبائل الرعاة هددت سوريا، فعينه أمير رتنو العليا قائدا لجنوده، وقد استطاع سنوهي بما له من خبرات في هذا المجال أن يحقق النصر في كل حملاته التي كان يقودها ضد زعماء القبائل الذين كانوا يحدثون تلك الاضطرابات . وقد رفع ذلك من مكانة سنوهي عند الأمير السوري، وزاد من شهرته في جميع البلاد . ولا شك أن كل هذه النجاحات كانت من الطبيعي أن تخلق أعداء لسنوهي الرجل النبيل المحبوب؛ حيث أنه في يوم من الأيام كان هناك في رتنو (الشام) بطلا عرف بقوته وبأسه خضع له الناس، وقد أقسم هذا البطل أن ينازل سنوهي ويقتله ويستولي على كل ما يملكه، فاستدعى أمير رتنو صديقه وصهره سنوهي وأبلغه بذلك فرد عليه سنوحي قائلا : “أنا لا أعرفه ، ولست من ذويه، ولم أذهب إلى مضرب خيامه. هل فتحت يوما بابه؟ هل هدمت سوره؟ كلا إنه الحسد؛ لأنه يراني أنفذ ما تطلبه”. وهنا تطفو غربة سنوهي الدفينة على سطح مشاعره، ولا ينسى في هذا الموقف أنه أجنبي عن البلاد ؛ فيشبه نفسه بثور غريب في قطيع يتعرض لهجوم الثيران عليه: “أصبحت أشبه بثور وسط قطيع غريب ، يضربه قائد العجول ويهاجمه ثور طويل القرون….”.

شجاعة سنوهي فى ملاقاة البطل السوري

ورغما عن ذلك فإن شجاعة سنوهي لم تفارقه ، فهو الفارس الشجاع الذي تمرس على الحروب وذاق ويلاتها ورأى الموت فيها بكلتا عينيه؛ فقد قبل سنوهي التحدي وقال أنه لا يخشاه: “ولكن إذا كان الخصم فحلا ويبغي القتال فأنا بدوري فحل قتال ،ولست أخشى ما ينتهي إليه أمرنا”.

وقد تحدد يوم النزال، وأمضى سنوهي الليل يجهز قوسه ويجرب سهامه، ويشحذ خنجره وأسلحته الأخرى. فلما أصبح الصبح تجمع الناس من كافة الأنحاء، وكان الناس متعاطفين مع سنوهي لأنه كان متقدما في السن، ومحبوبا منهم، وكانوا يتمنون لو أن هناك شخصا آخر لينازل ذلك البطل السوري بدلا من سنوهي، وفي ذلك قال سنوهي : “كان كل قلب يتحرق من أجلي، وكانت النساء والرجال يتكلمون، وكان كل قلب حزينا علىَّ، وكانوا يقولون : ” أليس هناك رجل شجاع آخر يستطيع أن ينازل ذلك الرجل؟ “.

وجاءت ساعة النزال، وترقب القوم بقلوب واجفة، فبدأ البطل الآسيوي في اطلاق سهامه، لكن سنوهي بما له من مهارة تفاداها جميعا، ثم اقترب كل منهما من الآخر وهجم البطل السوري على سنوهي مرة أخري، لكن سنوهي أصابه حيث يقول سنوهي في ذلك : “وعندما اقترب كل منا من الآخر هجم علي فأصبته، واستقر سهمي في عنقه ، فصرخ وارتمى على أنفه ، فأجهزت عليه بفأس قتاله، وصرخت صرخة النصر، وقد وقفت على ظهره”.

وفرح الناس لانتصار سنوهي، وعانقه الأمير السوري عامو ننشي. ثم استولى سنوهي على كل ما كان يملكه البطل، وزادت ثروته، وهنا لم ينس سنوهي أيام هروبه والفترة التي عانى فيها حينما كان شريدا خائفا وكيف تبدلت حاله إلى هذا الرخاء ورغد العيش حيث يقول عن نفسه في صيغة الغائب والمتكلم في وصف شعري مؤثر : “في يوم من الأيام فر أحد الهاربين، ولكن صيتي الآن قد وصل إلى القصر. وفي يوم من الأيام كان يتلكأ بسبب الجوع، والآن أعطي الخبز لجاري، في يوم من الأيام كان عاريا، والآن أتلألأ في الثياب البيضاء، وفي ملابس الكتان، في يوم من الأيام كان يسرع في السير لأنه لم يكن عنده من يرسله، والآن لدي عدد كبير من الأرقاء .إن بيتي جميل، ومسكني رحب”.

حنين سنوهي الى وطنه مصر

ومع ذلك كله وفي وسط هذا لنعيم فإن سنوهي لم ينس وطنه الحبيب مصر؛ فيأخذه الحنين إليها، و يتمنى من الله أن يرأف به ويعيده إليها، فقد أصبح شيخا ويريد أن يعود ليدفن في ثراها، ويتمنى من الله أن يعيده إلى القصر، وسأل الله في إلحاح أن يسبغ عليه رحمته وأن يجعل ملك مصر وزوجته يعطفان عليه؛ وفي ذلك يقول في أسلوب مؤثر : “ليت جسمي يعود إلى شبابه، فإن الشيخوخة قد أتت وحل بي الضعف، لقد ثقلت عيناي، وضعف ذراعاي، وأصبح الموت قريبا مني”.

وأرسل سنوهي إلى الملك سنوسرت وزوجته يستعطفها ويستأذنهما في العودة إلى أرض الوطن الحبيب مصر الغالية ليمتع ناظريه برؤيتها ورؤية الملك والملكة ورؤية أطفالهما.

رد الفرعون سنوسرت على سنوهي

وهنا تتجلى رحمة الفرعون سنوسرت؛ فقد جاء رد الملك إلى سنوهي كمرسوم ملكي بضرورة العودة لأحضان بلده مصر، وكذلك كتب إليه الأمراء الصغار أبناء الملك، وبعث إليه الملك بهدايا كثيرة أدخلت الفرحة على قلب سنوهي.

وقد كان رد الملك على سنوهي بردا وسلاما على نفسه المعذبة فقد كتبه سنوهي كاملا في قصته، كما كتب رده كاملا على هذا المرسوم الملكي، لقد كتب الفرعون إلى سنوهي في مرسومه يعاتبه، ويذكره بأنه ترك مصر واستقر في البلاد الأجنبية دون أن يقترف ذنبا، ونفى نفسه بنفسه دون سبب.

ويظهر من لهجة المرسوم الملكي أن سنوهي ربما كان على قرابة بالملكة نرو زوجة الملك سنوسرت؛ حيث يؤكد له الملك أنها بخير، وأن أبناءها لهم مراكزهم في إدارة البلاد، وأنه سيناله خير كثير من الملكة ومنهم إذا عاد لأرض الوطن الذي نشأ فيه. “وحتى يقبل الثرى أمام البابين الكبيرين ويعيش بين أمناء القصر”.

ويستمر الفرعون فيمعن في ترقيق قلب سنوهي الذي لا يحتاج إلى ترقيق، فيذكره بشيخوخته واقتراب يوم وفاته ويعده بأن يعملوا له ما يليق به حين وفاته وأنهم سيحنطون جثته كما يجب قائلا له : “عُد إلى مصر حتى ترى الأرض التي نشأت فيها، وقبل الأرض عند البوابة الثنائية العظمى والتحق بالبلاط . لقد هرمت الآن وقل نشاطك، فتذكر الموت ويوم الدفن . سيكون لك هنا موكب جنازة في يوم دفنك ، وسيكون تابوتك من الذهب، ورأسه من اللازورد ،ستكون السماء فوقك وستوضع فوق زحافة وستجرك الثيران ويسير المغنون أمامك وستؤدى لك رقصة أل (موو) عند باب قبرك، وسيقرؤون لك ما تتطلبه مائدتك من قرابين، وستذبح لك الذبائح أمام مذابحك ،وستكون أعمدة قبرك من الحجر الأبيض بين مقابر النبلاء والأبناء الملكيين، لا ينبغي أن تموت غريبا في بلد غريب خارج وطنك، ولن يدفنك البدو ولن يضعوك داخل جلد شاة، ففكر فيما يحدث لجثتك وارجع إلى مصر، هذا ليس أوان الطواف في الأرض فعد واحذر المرض….”.

رد فعل سنوهي على خطاب الفرعون سنوسرت

وحينما قرأ سنوهي كلام الفرعون طار فرحا ونسي سنوات الرغد الطويلة التي عاشها في سوريا حيث يقول في أسلوب مؤثر: “حينما قرأت ذلك ارتميت على بطني وأمسكت التراب وعفرت به شعري ، وأخذت أجري بين المساكن فرحا وأنا أقول : ” كيف تحدث هذه الأحداث لإنسان أضله فؤاده ،فأتى به في بلاد موحشة ؟”.

وفي رد سنوهي يذكر أنه كتب إلى فرعونه يشكره ويبرئ نفسه قائلا أن هربه لم يدبره ولم يفكر فيه : “هذا ابتهال خادم لمولاه ذي الإدراك، البصير بين الناس ،عساه يقدِّر ماتهيب هذا الخادم، إن فرار خادمك لم يخططه، لم يكن في ذهني، لست أعرف ما الذي جعلني أفارق مكاني ،كان ذلك أشبه بالحلم، لقد أحسست بإحساس رجل من أهل الدلتا وجد نفسه فجأة في الفنتين (جزيرة أسوان) أو كشخص من مستنقعات الشمال وجد نفسه فجأة في بلاد النوبة.

لم يكن هناك ما أخافه، ولم يضطهدني أحد ولم أسمع قولا جارحا ،ولم يذكر مناد اسمي بسوء، ومع ذلك اقشعر بدني وارتعدت فرائصي، وساقني قلبي إلى حيث أراد القدر”.

ونعرف من رد سنوهي أيضا أنه أثناء إقامته في فلسطين وسوريا كون له مركزا ممتازا وأصبح كل ولد من أولاده زعيما لقومه، كما ارتبط برباط المودة مع زعماء كثيرين، وفي خطابه هذا يعتبر نفسه كأنما كان يحكم في تلك البلاد باسم ملك مصر ويطلب الإذن له في العودة إلى مصر، وهنا لم ينس سنوهي فضل تلك البلاد السورية وما قدمته له، وكذلك ما قدمه له أمراء تلك البلاد السورية التي عاش فيها، فأوصى فرعونه خيرا بهؤلاء الأمراء الذين استضافوه، والذين كانوا موالين لمصر وطلب منه أن يدعوهم إليه، وكما ذكر سنوهي فإنه بعد أن تلقى المرسوم الملكي وكتب رده عليه لم يمكث إلا يوما واحدا حيث سلم ثروته إلى أبنائه وأقام أكبر أبنائه في مكانه كزعيم للقبيلة، وانطلق سنوهي عائدا إلى وطنه مصر.

إستقبال سنوهي على الحدود المصرية

وعندما وصل إلى الحدود المصرية عند مدينة (طرق حورس) على الفرع البلوزي وهو أحد فروع النيل آنذاك أرسل ضابط الحدود كتابا إلى القصر يخبر بقدوم سنوهي ومعه مجموعة من البدو الذين صحبوه، وهنا يتجلى كرم الفرعون وسماحته وعرفانه بالجميل الذي صنعوه مع سنوهي، وحفاظا كذلك على كرامة مواطنه المصري أمام الأغراب فقد أرسل الفرعون بضعة سفن محملة بالهدايا أعطاها سنوهي لهؤلاء البدو بعد أن قدمهم فردا فردا إلى الموظفين المصريين الذين جاءوا من القصر، ثم ودعهم وعاد مع رجال القصر إلى العاصمة.

وفي الصباح المبكر جاءه عشرة رجال وقادوا سنوهي إلى السرايا حيث وجد أبناء الملك ينتظرونه عند الباب الخارجي، فلما دخلوا به إلى قاعة العرش يقول سنوهي واصفا المشهد : “وجدت جلالته فوق عرشه العظيم في البوابة الذهبية، وارتميت على بطني، وذهب عني ذكائي في حضرته بالرغم من أن ذلك الملك قد خاطبني برفق. كنت كرجل خطفوه في الظلام، فرت روحي ، وارتعش جسدي، ولم يعد لقلبي وجود في جسمي، ولم أعرف أكنت ميتا أم حيا”.

وأمر الملك أحد أمنائه بأن يرفع سنوهي من الأرض ،وكلمه كلاما لينا. وأخيرا أمر الملك بإدخال الأطفال الملكيين وقال للملكة: “انظري هذا سنوهي قد عاد إلينا آسيويا، ابن حقيقي من أبناء البدو”. فصرخت صرخة عالية وصرخ الأطفال الملكيون جميعا وقالوا لجلالته: “إنه ليس هو حقا يا سيدي”.

وكانوا قد أحضروا معهم قلائدهم وشخاشيخهم كهدية منه وأخذوا يستعطفون الملك، وغنوا له أغنية طلبوا في نهايتها أن يمنحهم كهدية “ذلك الشيخ ابن آلهة الشمال ، ذلك الهمجي الذي ولد في مصر.إنه فر خوفا منك وترك البلاد رهبة منك ، ولكن الوجه الذي يرى جلالتك لن يجزع بعد ذلك، والعين التي تقع عليك لن تخاف”.

ورد الملك عليهم بأنه لن يخاف ولن يجزع ،وأمر بتعيينه أمينا من أمناء القصر الملكي، وجعل مكانه بين كبار الموظفين في البلاط، وكما يحكي سنوهي فقد أخذوه إلى منزل أحد الأمراء وجهزوا له حماما وعطروه وألبسوه ثيابا فاخرة، وكان الخدم يلبون كل إشارة له وفي ذلك قال: “وجعلوا السنين تغادر جسمي وانسلخت عني، ومشطوا شعري وألقوا كل القاذورات وكل ملابسي إلى سكان الصحراء، وألبسوني أفخر الثياب، وعطروني بأحسن أنواع العطور، ونمت على سرير ، وتركت الرمال لمن هم فيها”.

وهكذا عاد الهارب الغريب إلى وطنه ،ومسقط رأسه ومراتع صباه .عاد سنوهي ابن النيل لحضن الشواطئ. وبعد مرور وقت وافته منيته بعد ذلك ، وفاضت روحه إلى بارئها ،ووفى الفرعون بوعده ،فكانت جنازته مهيبة ، وناحت عليه النائحات ، وودعه أهل وطنه إلى مثواه الأخير في إعزاز وتكريم ليدفن في تراب وطنه العزيز مصر.

التعليقات