التخطي إلى المحتوى
النبي يوسف فى مصر القديمة (بحث كامل)
بحث عن النبى يوسف فى مصر القديمة

ان مصر قد ذكرها الله سبحانه وتعالى لمرات عديدة فى القرأن الكريم، وكان ذكرها مصحوبا بأحداث تاريخية هامة. وكذلك ذكرت فى التوراة والانجيل من قبل، وتلك الاحداث لو بحث فيها العلماء والمتخصصين بجهد جهيد وبدون اية نزعة دينية لعرفوا الحق ولعرفوا التاريخ الحق مع الدليل الحق للاحداث. ولكن للاسف الشديد فان جميع علماء الارض فى الاثر والتاريخ وكذلك المسلمين منهم اخذوا يبحثون فى الاثار والمصادر الشتى وتغافلوا او تناسوا اعظم مصدر فى قصص التاريخ وهو القرآن الكريم وقصص الانبياء.

ومن هنا ظهر الجدل العقيم والاختلافات الشتى بين العلماء المتخصصين فى التاريخ والاثار ومن بين تلك الموضوعات على سبيل المثال من هو يوسف عليه السلام؟؟. واظهروا مقولات وقصص تاريخية ابعد ما تكون عن الواقع الاصيل. حتى المتخصصين من المسلمين نهجوا الدرب الاجنبى وكذلك تأكيدهم على المقولة العالمية بانه لا اثر فى الدين ولا دين فى الاثر. ومن هنا تركوا منهج الله فى البحث والتدقيق فتركهم الله فى النتيجة.

ومن واقع بحثنا هذا وتدقيقنا فى كلام الكثير من العلماء والهواة وخاصة الاجنبى منهم، وبعد جهد جهيد لشهور طويلة بلا كلل او ملل وجدت ان العلماء على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وجنسياتهم ادخلونا فى حيرة شديدة وكأنها الحق وهى الباطل كله فى حقيقة الامر. وعلى اختلاف اعدادهم الكثيرة حصرنا آرأهم فى أمرين لا ثالث لهما كما يلى:-

  • الرأى الاول:- وهى الاراء التى تقول وتتسائل هل تتضمن القصص القرأنى اصلا تاريخيا؟؟. ام انها مجرد روايات المقصود منها فقط الوعظ والارشاد!!. هل كان نوح وابراهيم ويوسف اشخاص حقيقية عاشوا مثلنا ام هى شخصيات اسطورية وجدت فى الكتب الدينية فقط؟؟.
  • الرأى الثانى:- وهو الرأى الذى يقول بانه لا أثر فى الدين ولا دين فى الاثر أو التاريخ!!. حتى وان كانت قصص الانبياء حقيقة فهى الان مجرد تاريخ،وكان احداثه فى العهود القديمة ولا عودة الى الوراء.

وهاذين الرأيين يسير على نهجهما معظم علماء الارض فى علم الاثار والتأريخ، فضلوا واضلوا الكثيرين منعهم، وظهروا باراء وكأنها الحقيقة الكاملة. وهم انفسهم فى نفس الوقت كانوا باحثين فى كل شىء ومتناسين اعظم المصادر واقواها على الاطلاق بل واصدقها وهى القصص القرأنى فى التاريخ والتأريخ وكذلك فى قصص الانبياء عليهم جميعا الصلوات والسلامات.

ان الهدف من بحثنا هذا هو البحث فيما اختلف فيه الكثيرين وخاصة بعد ان وصل الخلاف الى ذروته الان،بخلاف الضعف الثقافى الاسلامى بين العامة والخاصة مما نتج عن لك تصديق كل ما هو اجنبى والصعف الكامل فى البحث والتدقيق، واثبتنا بانفسنا لهذا الاجنبى من ناحية اخرى باننا اقل الناس ثقافة على الارض مع اننا نحن اصحاب حضارة كبرى فى المقام الاول والاخير ثم اصحاب كتاب الهدى والرحمة وبه مفاتيح كل شىء الا وهو كتاب الله وهو القرأن الكريم.

ولذا وجب علينا نحن الباحثين المسلمين ان نستخدم العقل والتدبر للوصول الى الحقائق الكاملة القاطعة والتى لا شك فيها حتى لا نغرق بين الامواج المتلاطمة. اما عن الحقائق العلمية والاثرية الغامضة فنحن بصدد شيئين لا ثالث لهما وهم:-

(أ) اما ان تكون باطن ارض مصر مازالت تدخر وتخبأ لنا فى بطونها الكثير والكثير من الحقائق التاريخية ولم تكتشف بعد.

(ب) اما ان تكون الحقائق مثبتة ولا نريد اظهارها وخاصة للحساسية المفرطة بين المصريين والاسرائيلين منذ القديم من الزمان.

واما ان تكون هناك ترجمات لم تنقح بعد وتم ترجمتها ايضا على يد الاجنبى قبل التطور الكبير الذى شهدته اللغة المصرية القديمة فى العشرة سنوات الاخيرة من عمر التاريخ والانسانية الباحثة فى الارض، وخاصة لو كان الموضوع يخص ارض مصر اعرق واقدم دولة فى التاريخ البشرى كله.

والسبب فى بحثى هذا هو حرقتى على حضارتى وانبيائى والذين يهاجمون عن طريق اناس جهلة وبعضهم يدعى المصرية وانه مصرى ومسلم وكما سنعرف فيما بعد. ولقد اعتمدت فى بحثى هذا اسلوب التقسيم المتسلسل ويتكون من العديد من النقاط للوصول الى يوسف عليه السلام فى ارض مصر.واذا نجحنا فى معرفة يوسف سيكون هذا تمهيدا كاملا لتتبع الاثر والتاريخ للوصول الى موسى عليه السلام فى بحثا اخر،وهكذا يمكننا التعرف الحقيقى على فرعون موسى وتلك الشخصية المحيرة للعلماء حتى يومنا هذا. فإذا تتبعنا تلك الخطوات من وجهة النظر البحثية المدققة فى التاريخ والاثر فسوف نعرف من هو النبى يوسف، ومن هو الملك الذى عاش فى كنفه وبالله التوفيق.

من هو يوسف عليه السلام ونسبه

هو نبى من انبياء الله وهو حفيد سيدنا ابراهيم الخليل عليه السلام، اى ان يوسف من الجيل الرابع من نسل ابراهيم عليهما السلام. فهو: يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليهم جميعا السلام.

النبى ابراهيم عليه السلام:- من المعروف فى تاريخ الاثر وكما فى التوراة وكذلك فى قصص الانبياء (لابن كثير) ان ابراهيم عليه السلام عاش 190 عاما. وانه قد دخل مصر عندما بلغ من العمر 100 عاما ثم تزوج من المصرية هاجر ثم عاش فى ارض كنعان ودفن فى ارض الخليل.

ومن المعروف كذلك بان النبى ابراهيم قد انجب من زوجته الاولى (سارة) ابنه اسحاق ثم ولد اسحاق يعقوب ثم ولد يعقوب يوسف. ومعنى ذلك من الناحية التأريخية ان مابين ابراهيم ويوسف اربعة اجيال كاملة،ونقدر الجيل كما اتفق الكثيرمن العلماء المسلمين بانه يقدر بحوالى اربعون عاما، وهناك من يقول بانه خمسون عاما، واخرون يقولون 33 عاما.

ولذلك سناخذ بالمتوسط ههنا ونقول بان الجيل حوالى اربعون عاما، ويعنى ذلك بانه ما بين ابراهيم ويوسف مدة 160 عاما. ومعنى ذلك ايضا من الناحية التأريخية فان الفترة الزمنية بين دخول ابراهيم الى مصر وبيع يوسف فى مصر فترة تاريخية لا تزيد عن 160 عاما. ومن تاريخ الاثر فهذا يناسب نهاية عصر الاضمحلال الاول او بداية الدولة الوسطى وكما فى التقسيم الاجنبى والذى هو فيه شك من الاصل والاساس ولكن نتماشى مع هذا كله الان ونقول بعدة شواهد هامة ومنها:-

وجود مقابر فى بنى حسن بالمنيا وتعرف باسم (مقبرة العبرانين) وتحكى عن دخول العبرانين الى مصر وعلى راسهم شيخا ذو لحية ووقار. ويقول النقش بانه اول دخول اجنبى الى مصر معززين ومكرمين. وتعود هذه المقابر الى الفترة المحتملة التى نوهنا عنها.

فى مخطوط نادر فى متحف (ليننجراد) بروسيا هناك بردية هامة تدور حول دخول العبرانين الى مصر. ويطلقون عليها هناك (بردية العبرانين) وعليها نصا قد ترجمه العالم الروسى جولينشف تقول (بان شيخهم الوقور قد تزوج من مصرية ورحلت معه وتعتبر هذه الزيجة اول زواج لمصرية من اجنبى). وهذا ما دفع الكثير من العلماء يقولون بان هذا هو اول دخول اجنبى لمصر فى التاريخ المصرى وكذلك اول زواج لمصرية من اجنبى وهكذا،وكما تعلمنا ايضا فى كلية الاثار وعلاقة المصرى بالاجنبى فى التاريخ القديم.

وهذا ما دفع ايضا بعضا من المدارس الاثرية بصفة عامة يقولون بان الدخول العبرانين الى مصر كان يناسب احداث مصر فى الاسرة العاشرة او الى ما يقرب من عام 1900 ق.م. ولأنه فى تاريخين القديم وحتى الان ولا مدرسة اثرية واحدة اتفقت مع ذويتها ولا حتى فى عدد الملوك او ترتيب الملوك، مما نشأ عن ذلك جدل ومجادلات كثيرة بينهم، فاننا من هذا المنطلق نسير مع احداث مدرسة منسية تماما وهى مدرسة القصص القرانى الكريم وقصص الانبياء.

يوسف بن يعقوب:- وسيدنا يعقوب هو نفسه اسرائيل وكما اقر بذلك الازهر الشريف. وكان له ذرية بلغت اثنى عشر ولدا وبنتا وكان اخر ابناءه هو يوسف عليه السلام.ومن المعروف بان سيدنا يعقوب قد عاصر جده ابراهيم فى اواخر سنين عمره وكان مركزهم ارض حاران وكانوا قبيلة ربانية.

ويعقوب عليه السلام هو الذى وضع الاساس لما يعرف (بيت أيل = بيت الله) وهو الذى سيصبح بيت المقدس فيما بعد.وذلك يكون يوسف هو اخر ابناء يعقوب وزاده الله جمالا وكما هو معروف وان اسمه مشتق من ولادته وهو ( ياسف = يضيف يهوا ) ويهوا هو اله العبرانين الواحد وهو الله طبقا للشريعة الاسلامية، وهذا كان ملخصا لعائلة ابراهيم وال ابراهيم عليهما جميعا السلام.

ومن التوثيق ايضا الذى لاخلاف فيه بان اخوة يوسف باعوه فى مصر للغيرة الشديدة منه لحب ابيه الكثير له دونهم جمعيا، ومن هنا جاء خلاف اخر وهو عمر يوسف عندما تم بيعه فى مصر. والبعض الاخر من المخرفين قالوا بان الحدث لم يكن فى مصر قط، وغرضهم من ذلك تكذيب القران والتوارة وهم من طبقة المرمون فى امريكا ولكن لايهمنا رايهم الان على الاطلاق، وليس مجاله ههنا.

مصر هى موقع الحدث والملك

والمكان هنا هو مصر وكما ادعى غير ذلك الجهلاء والمغرضين، ولقد تم ذكر ذلك فى القرأن الكريم وهذا اكبر صدق فى التاريخ كله. ولقد تم ذكر ذلك فى سورة يوسف بإسمين وهما الارض ومصر كذلك.

ففى سورة يوسف الاية 21 (( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)).

وهذه الايات القرانية البليغة والمدققة بجانب الاعجاز اللغوى نجد ان المكان هو أرض مصر والتى تعرف ايضا باسم الارض فيها تم بيع يوسف، وفى هذه الفترة ايضا كان اسم مصر الارض (كمت).

(1) الارض = كمت. وهى لكل مدقق تاريخى يعرف بانه كلمة كمت او الارض كانت من احب الاسماء للمصرين القدماء،حتى انه فى النصوص المصرية القديمة كان هناك لقبا لا يفارق اى ملك مصرى على الاطلاق وهو (نب تاوى = سيد الارضين) كناية على ملكه على الشمال والجنوب.

ومن الامور المنسية فى التاريخ والتدقيق التاريخى نجد ان ارض مصر كان لها فى التاريخ عدة اسماء تصل الى ستة مسميات، ولكن احبها جميعا الى قلب المصريين كان لقب او كلمة الارض. وهذا يثبت لنا ايضا ان اسم مسر او مشر هو اسم مصرى اصيل وليس عبرانيا وان كان العبرانين اطلقوه ايضا على ارض مصر. وتدل المصادر المصرية القديمة بان مسر او شمر كان معروفا فى النصوص المصرية حتى قبل دخول العبرانين الاول الى مصر.

اما كلمة مصرايم فهى لفظ عبرى وهو لفظ مثنى ويقصد به دولة من ارضين او شاطئين،ومنه جاء اسم مصر فى العربية،وان الفظ العبرى هذا اتى بعد اللفظ المصرى القديم بمدة لا قتل عن الاف عام.وهذا كله يوضح لنا بان الحدث كان فى ارض مصر.

(2) عمر يوسف عندما بيع فى مصر. مما لاشك فيه فان عمر يوسف عندما بيع فى مصر فيه اختلاف واجتهاد كبير حتى بين العلماء المسلمين والمفسرين للقران الكريم قديما وحديثا.

ولكننى بفضل الله اقول هنا وبناء على قواميس اللغة العربية فان عمر كان لا يتعدى عشرة سنوات وليس اقل من ذلك ولا اكثر من ذلك. وفى ذلك وجهة نظر لقول عزيز مصر وكما جاء فى ايات القرأن الكريم (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) والمثوى هنا فى اللغة العربية الصحيحة هى للصبى دون البلوغ وليس الطفل الصغير، لانه لو كان طفلا صغيرا لا يفقه شيئا لقال له اكرمى مهده.

والشىء بالشىء يذكر هنا عندما جاءت مريم عليها السلام الى قومها وهى تحمل الطفل المسيح وطالبتهم بمخاطبته (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً) وان المهد يعنى فراش الصبى الطفل المولود، اما اذا كبر واصبح فتى فيكون فراشه هو مثوى وكما فى اللغة العربية وقواميسها.

وهذا فى راى الخاص فيه الاثبات القاطع بان يوسف عليه السلام عندما بيع فى مصر كان دون العاشرة ولكنه يعلم كل شىء من حوله ولذلك اعدت له امراة العزيز المثوى لتكريمه وليكون لهما ولدا،وكان هذا تكريما من الله تعالى للكريم ابن الكريم بن الكريم.

والسؤال التاريخى الان الهام هو:- لماذا باع السيارة يوسف فى ارض مصر وليس فى اية منطقة اخرى؟. وهل بهذه السهولة فى تلك الفترة كان اى شخص يسهل عليه دخول ارض مصر ام ان ارض كنعان كانت تابعة لارض مصر وتحت السيادة المصرية؟؟.

وهذه نقطة هامة لم يفكر فيها احدا من قبل!!.وللاجابة عليها بصراحة لابد من التنازل عن اى اعتبارات ياسية وحتى ولو غصبت مننا اسرائيل الحديثة، لانه بكل تأكيد تاريخى كانت هناك سيادة مصرية كاملة على ارض كنعان وكانوا يعتبرون اهل هذه المناطق من البدو.وكان اهل تلك المناطق يعتبرون من الرعايا المصريين وكما فى قانون مصر انذاك وطبقا للنصوص المنقوشة على جدران بعض المقابر لحكام الاقاليم،وهناك اثباتات تاريخية واثرية حول ذلك ومنها:-

(أ) تدل شواهد الاحداث على ان مناطق سيناء وفلسطين كانت مناطق (البدو) كانتا تحت السيادة المصرية الكاملة وبعد دخول العبرانين الى مصر كذلك. بل فى تاريخ مصر فى الدولة الحديثة وحتى عهد الملك توت عنخ امون كان الحاكم على هذه المنطقة مصريا ويعتبرون هذه المنطقة مصرية اصيلة، ولكن بدا النفوذ المصرى التاريخى يضعف تماما على هذه المنقطة منذ عهد الملك اخناتون، وفى ذلك دراسات متخصصة فى هذا الموضوع لكنه ليس مجاله ههنا. وهؤلاء البدو الكنعانين غير بدو الصحراء الشرقية لان بدو الصحراء الشرقية كان لقبهم (الاونو) وهذا للتفرقة بين انواع البدو فى مصر القديمة.

(ب) ان اهل تلك المناطق كانوا ياتون الى مصر لاخذ نصيبهم من الغلال كمواطنين او رعايا مصريين،وخاصة انه فى التاريخ المصرى لم نسمع ان مصر كانت توزع خيراتها كهبات للمناطق المجاورةولا حتى بلاد النوبة بعد الشلال الاول،لذلك كان هؤلاء البدو ياتون الى مصر لاخذ نصيبهم من الغلال وكما حدث مع اخوة يوسف. ونستدل على ذلك من القرأن الكريم عندما قال يوسف لاخوته واهله عندما حضروا الى مصر وكما فى السور الآتية:

سورة يوسف الآيه 100 ((..وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ..)).

سورة يوسف الآيه 60 (( فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ)).

سورة يوسف الآيه 63 ((فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْل فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)).

سورة يوسف الآيه 65 (( وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)).

فهذه الايات تدل على توزيع الغلال على مناطق السيادة المصرية وان التوزيع يكون بعدد افراد القبيلة وعدد البعير ولذلك قالوا (( وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)). وهناك ايه اخرى للدلالة على ان اهل هذه المناطق كان لهم نصيب من الغلال المصرية كمواطنين او رعايا ونجد ذلك فى سورة يوسف الاية 83 ((وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ )).

وهذا يدل بكل سهولة اليسر والسهولة لهؤلاء القوم للقدوم الى مصر ودخول الاراضى المصرية لانه لم يعرف فى التاريخ المصرى ايضا بان مصر فتحت ابوابها لكل من هب ودب بهذه السهولة،لانه كان هناك نقاط تفتيش وحرس حدود وتاشيرات ما الى غير ذلك،وهذا كله يطتلب منا دراسة التاريخ المصرى بكل جدية وبما يتماشى مع الترجمات الحديثة الان من المواثيق والبرديات فى هذا الموضوع.

(ج) يثبت بما لا يدع اى مجالاً للشك بان السيادة المصرية كانت على فلسطين انذاك ولم تخسر هذه السيادة الا فى العهد الهكسوسى ثم فى عهد اخناتون ثم الخاسرة الكاملة فى العهد البطلمى والرومانى بعد ذلك. وهناك وثائق تاريخية تثبت بان الحكام على تلك المنطقة كانوا مصريين ونجد احدثها فى وثائق اخناتون ورسائل تل العمارنة،وكذلك خطاب موجه من الملك توت عنخ امون موجه للحاكم المصرى على تلك المنطقة. وهذا كله لا يدع اى مجالا للشك بان السيادة المصرية على فلسطين كانت منذ القديم من الزمان،وهذا ما جعل اهل كنعان ينزلون الى مصر لاخذ الغلال ومنهم قبيلة يعقوب واخوة يوسف.

(3) الدرهم وما اصله ؟؟. وهى نقطة هامة للغاية بل ومنسية عند كل الناس وهى الدرهم؟؟. وان كلمة الدرهم مصرية الاصل والمنشأ!!.وهل تعاملت مصر انذاك بهذه العملة؟؟. يقول الحق تبارك وتعالى فى القرأن الكريم فى سورة يوسف الاية 20 ((وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)). ولذلك وجب علينا البحث فى موضوع الدرهم واصل كلمة الدرهم.

لسان العرب ج 2 ص 199:- درهم، المدرهم اى الساقط فى السن وقيل كبير السن ايا كان. والدرهم فارسى معرب.

مختار الصحاح ص 104:- درهم، الدرهم،فارسى معرب. وكسر الهاء لغة فيه وربما قالوا دراهم.

وجمع الدرهم درهام، وجمع درهام دراهيم.

المنجد ص 214:- الدرهم والدرهام جمع دراهم.وهو قطعة من الفضة مضروبة للمعاملة اليونانية.

(قلت فى رأيى الخاص) :- هكذا نجد كلمة الدرهم فارسية معربة، ونجدها كذلك يونانية كما فى المنجد، ولكننى هنا اقول بان الدرهم لا هو ذاك ولا ذاك لان زمن يوسف فى مصر أقدم بكثير من الحضارة الفارسية واليونانية كذلك. كما ان مصر انذاك لك يكن لها اية علاقة قط بارض اليونان ولا حتى بلاد فارس ولم يكن بينهما اية علاقة ولو حتى تجارية، ونستخلص من ذلك كله عدة نقاط هامة للغاية وهى:-

(1)- الشراء:- وهو يعنى التعامل باليع والشراء، وان الذين اشتروا يوسف فى مصر دفعوا ثمنه نقدا وهى دراهم معدودة، وهذا خلاف ما يعرف باسم (المقايضة). حيث ان عملة البيع والشراء هنا بين المشترى المصرى والبايع وهم هؤلاء السيارة قامت على التعامل النقدى وهى الدراهم المعدودة.

(2)- البيع:- ان البيع بالمقابل المادى كان بالعملة النقدية لهذا البلد وهى مصر والعملة هى الدرهم، وان الذين باعوه يستخدمون هذه العملة ايضا فى مناطقهم كذلك مما يدل على السيادة المصرية على تلك المناطق. وبالتالى ومما لاشك فيه ان مناطقهم كانت تابعة للسيادة المصرية.

(3)- الدرهم:- ان كلمة الدرهم جاءت فى القرأن الكريم وحدد زمنها بزمن يوسف، وانذاك لم تكن الدولة الفارسية ولا حتى اليوانية قد ظهرا بعد على صفحات التاريخ كدول حضارية كبرى او حتى كدول صغرى. وهذا يثبت من واقع كتاب الصدق والعدل وهو القرأن الكريم بان الدرهم هو العملة المصرية انذاك، واللفظ نفسه مصرى اصيل.

ومن الاثار الموثقة فى هذا العهد تثبت بما لايدع مجالا للشك بانه فى هذه الحقبة كان هناك فى مصر دارا لصك العملة،وان العمال كانوا يتقاضون الاجر المادى والاجر العينى مثل الحصص فى القمح والشعير والبصل وهكذا. ولكن للاسف الشديد حتى الان لم نستدل حتى يومنا هذا على اسم هذه العملة فى الوثائق، الم اقول لك بان باطن ارض مصر مازالت تخبأ لنا الكثير والكثير.

(4)- الدبن:- هناك اثريون اجانب اثبتوا بان العملة المصرية كانت الدبن، وقال علماء من اسرائيل بان العملة كانت المليم، وان الدبن يساوى 10 مليم. ولاننسى انه فى عهد الرئيس الراحل السادات رحمة الله عليه قامت اسرائيل رسميا بمطالبة الحكومة المصرية بحق 100 الف اسرائيلى اشتغلوا فى بناء الاهرامات وكان اجر العامل فى اليوم مليما فرعونيا. وتلك كانت قضية شهيرة ومازلت اتذكرها لانها كانت مثار محاضرة فى الكلية انذاك. ومن هنا بدا الاثريون بكثرة عالميا بان العملة المصرية كانت الدبن والتصغير لها هو المليم.

ولكن فى واقع الامر لم يستدل رسميا وخاصة من جانب المدرسة الالمانية بان الدبن كان حقا هو العملة المصرية انذاك، واظهروا وثائق مصرية قديمة فى برديات تشير الى التبادل التجارى مع منطقة لبنان وكان هناك تبادل نقدى فعلا وعينى كذلك ولكن لم يستدلوا على اسم هذه العملة ولم تذكر الوثائق اسم العملة. واثبتت المدرسة الالمانية بكل صدق بان الدبن كان وحدة موازين للكيل وليس عملة على الاطلاق.

وأقول فى هذا الصدد ما علينا الا الانتظار حتى يتم الكشف والعثور على الوثائق الحقيقية تشير الى اسم العملة الحقيقى وخاصة انه فى اثار مصر هناك الكثير والكثير لم يكتشف بعد. ولكن خلاصة القول فى هذه النقطة وبكل ثقة نقول بان العملة المصرية اناك كانت الدرهم لان ذلك ذكر فى القرأن الكريم وهو كتاب الصدق والعدل وهو اصدق الصادقين. ونتذكر مرة اخرى قوله تعالى فى سورة يوسف ((وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)) لانه سبحانه وتعالى اشار الى اسم العملة صراحة وهى الدرهم، وانه تعالى كان يمكن ان يقول فقط وشروه بثمن بخس بدون ذكر اسم العملة. واتمنى من كل لبيب ان يثبت العلماء والاثرين ذلك فى يوما من الايام ولعله يكون قريب، ولكننى ارجو ايضا الا ينسونى فى هذه النقطة ولعلى كنت انذاك على صواب.

الغلام يوسف

ومما لاشك فيه بعد كل ذلك بان يوسف عليه السلام عندما التقطته السيارة وباعوه فى مصر كان غلاما،لان الغلام فى اللغة العربية وكما سبق الذكر هو فى العاشرة او دون العاشرة اى يتحرك ويعى كل ما حوله. والدليل على ذلك هو ما تم ذكره فى القرآن الكريم فى سورة يوسف الاية 19 ((وَجَاءَتْ سَيَّارَة فَأَرْسَلُوا وَارِدهمْ فَأَدْلَى دَلْوه قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَام وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَة وَاَللَّه عَلِيم بِمَا يَعْمَلُونَ …)) وكذلك عندما اشتراه عزيز مصر قال لامرأته وكما جاء فى سورة يوسف الاية 21 ((وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ..)). والمثوى وكما سبق القول يكون للغلام وليس للصبى. وخلاصة القول فان يوسف عند بيعه لذلك المصرى كان يدرك ويعى وكان مع اخوته يرتع ويلعب ويتكلم كذلك.وكان يبلغ من العمر العشرة سنوات او دون العاشرة الا قليل.

الملك والفرعون

ان المتوغل فى دراسة التاريخ المصرى القديم يتأكد تمام التأكد بان هناك فرق كبير لفظى ولغوى بين الملك والفرعون. واقول ههنا وبعلو فم مبدأ تاريخى هام وهو ((ان كل فراعين مصر كانوا ملوكا وليس كل ملوك مصر كانوا فراعين))… فما معنى ذلك؟؟. وللوصول الى تفهم معنى ذلك علينا فى بسطة وجيزة توضيح الفرق الكبير بين اللفظين، وخاصة ان لقب الفرعون نفسه تاريخيا اقدم فى النصوص من لقب الملك،ولابد من دراسة اسماء الاعلام فى هذا الشأن وما فى الموضوع من القاب مصرية قديمة.

لقب الفرعون

ان لفظ الفرعون فى قدمه كان لقبا ادبيا ثم اصبح لقبا ملكيا وقد اخذه بعضا من ملوك مصر وليس كلهم كما يشاع. وهذا اللقب القديم يعتبر من اقدم الالقاب فى تاريخ مصر بل اقدم من لقب ملك مصر نفسه وهو يتكون من مقطعين وهما (براون). بر = البيت العالى

اون = وهى عاصمة مصر بل اول عاصمة فى التاريخ بعد توحيد القطرين وكان لها دورا كبيرا ايضا قبل التوحيد. ولابد من التدقيق هنا ايضا لان (انب جدج) لم تكن هى العاصمة بل اون لان معنى كلمة انب جدح تعنى الجدار الابيض (انب حدج = الجدار الابيض). ومن المعروف بان مدينة اون كان يحيطها جدارا ايضا. ولذلك وبكل تدقيق نثبت بان كلمة فرعون او براون يعنى البيت العالى فى اون او مكان الملك فى اون. وهذا اللقب لم ياخذه كل ملوك مصر،لان هذا اللقب كان يظهر احيانا مع ملوك ويختفى احيانا مع ملوك اخرى.

 

والغرض من هذا التوضيح المبسط هو اثبات بان لقب الفرعون لم يكن موجودا كقلب مع الملك الذى كان فى عهد يوسف،وعلى العكس من ذلك تماما كان هذا اللقب مع الملك الذى كان فى عهد موسى. ولذلك اقول مقولتى الدائمة بان كل الفراعين كانوا ملوك مصر وليس كل ملوك مصر كانوا فراعين. وان الملك الذى كان فى عهد يوسف لم ياخذ لقب الفرعون والدليل على ذلك ما جاء فى القرأن الكريم فى سورة يوسف مثل:

الآيه 42 ((وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ..)).

الآيه 50 ((وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ..)).

الآيه 72 ((قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ..)).

فهذه الايات الكريمة تدل على ان ملك مصر فى عهد يوسف لم يكن ياخذ لقب الفرعون،على عكس الملك الذى كان فى عهد موسى والذى كان ياخذ لقب الفرعون. وهذا دليل دامغ على ان صاحب الملك فى عهد يوسف كان ملكا بدون لقب الفرعون ونقرأ مرة اخرى ما قالته الشرطة لاخوة يوسف عند اتهامهم بسرقة صواع الملك ((نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ..)) لانه لو كان فرعونا لقالوا نفقد صواع الفرعون.

ونأتى هنا الى السؤال الهام وهو: من هو ملك مصر فى زمن يوسف ؟؟. والاجابة عن هذا السؤال سيحل من تلقاء نفسه فى نهاية هذا البحث وبعد التوغل بالتفصيل الموجز فى النقاط الرئيسية التى اخترناها فى هذا البحث والمحيطة من كل الجوانب بفضل الله بشخصية يوسف وزمنه كذلك.

الاحلام والسحر فى زمن النبى يوسف

وهذه نقطة هامة فى بحثنا هذا لنعرف من هو يوسف فى التاريخ المصرى القديم. ونحن نعرف بان ملك مصر انذاك رأى حلما عجيبا وهو حلم البقرات السبع والسنين العجاف. جاء فى سورة يوسف الاية 44 ((قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ)). فلقد طلب الملك مقربيه وكهنته بتفسير هذا الحلم،ولكهنم اخبروا الملك بانهم ليسوا عالمين بتفسير الاحلام. وهذا بدون شك او تردد بان مصر فى تلك الحقبة لم تكن على علم بتفسير الاحلام بصفة خاصة او حتى بالسحر بصفة عامة. فلو كان عندهم علما بذلك لأجابوا الملك، أو على الاقل استدعوا الكهنة لتفسير ذلك الحلم.

ونستنتج من ذلك بان مصر فى زمن وعهد يوسف لم تكن على علم بالسحر او التأويل فى التفسير للاحلام. والسؤال المتوقع هنا: هل كانت حقبة او حقبات مصرية كانت فيها مصر ليست على علم بالسحر او تفسير الاحلام؟؟. والاجابة هى بطبيعة الحال (نعم) ونجد ذلك فى زمن يوسف ويمكن التأكد من ذلك تماما عند دراسة المجاعة والتى لنا معها وقفة فى النقطة القادمة.ثم انه بصفة عامة وكما فى كتابنا ترميم التاريخ هناك نقطة هامة وهى تبحث فى ترتيب ملوك مصر منذ فجر التاريخ،وخاصة انه طوال التاريخ المصرى القديم كله لم يظهر ولا مؤرخ مصرى واحد كتب تاريخ بلده بتسلسل تاريخى وهذا ما احدث ايضا بلبلة كبرى بين المدارس الاثرية المختلفة.

المجاعة فى زمن سيدنا يوسف

يشير حلم الملك بان مصر ستكون على مشارف مجاعة كبرى، وفى التدقيق التاريخى الحق نجد بان مصر لم تشهد فعلا مجاعة كبرى حقيقية بالمعنى المعروف والفضل فى ذلك يعود الى الله جل فى علاه ومجهودات يوسف عليه السلام فى انقاذ ارض مصر من هذه المجاعة. ولكن حدثت فعلا مجاعة حقيقية فى ارض كنعان وكما سنعرف فيما بعد. وان تفسير يوسف لهذا الحلم وهو العمل الدؤب لسبعة سنوات كاملة يكفيها فى المستقبل مواجهة السبع سنين العجاف.

وجاء فى سورة يوسف الايات 47-49 ((قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)).

ونقول لمن يدعى بانه لا اثر فى الدين ولا دين فى الاثر انه من واقع القصص الحق فى القرأن الكريم وبما تشير فيه هذه الايات الكريمة باننا امام حقائق تاريخية مثبتة وقد فندها الله لنا فى هذا القرأن ونستخلص من ذلك أمرين لا ثالث لهما بل وهاميين  أيضاً، وهما:-

  • الأمر الاول:- العمل الدؤوب لسبع سنوات متتايات.وهذا يعنى توسيع القرعة الزراعية والتى تحتاج الى مياه من كثرة الرزع وهناك فروع كثيرة لنهر النيل تساعد على ذلك بخلاف الابار.وهذا الطموح الدؤوب فى الزراعة لسنوات سبع متتالية دون انقطاع،ونجد فى التاريخ المصرى بان ذلك حدث فعلا وبتوثيق كامل وان هذه المنطقة التى شهدت تلك التوسعات الزراعية الكبرى كانت منطقة الفيوم. ومن المؤكد التاريخى انه فى هذه الحقبة قامت مصر بتوسيع رقعتها الزراعية وظهر لاول مرة فى التاريخ المصرى كلمة (بايوم = الفيوم الان) هذا بخلاف مناطق الدلت والتى كانت هى فى الاصل ومنذ القديم رقعة زراعية خصبة.وكان فى الفيوم انذاك فرعا لنهر النيل وهو مازال باقيا فى منطقة الفيوم حتى الان ويطلقون عليه الاهالى بالفطرة (بحر يوسف).ومن الناحية الاثرية ايضا وخاصة فى منطقة (عين السلين) مطحنة غلال مصنوعة من الخشب وقد ارجعها الاثرين وخاصة المدرسة الالمانية الى عهد وزمن يوسف عليه السلام.

    واذا بحثنا فى تاريخ وحضارة الفيوم وثرائها الزراعى نجد ان تلك الحقبة تعود الى عصر الدولة الوسطى او ما قبلها بقليل، ولكن لا يهمنا الان ذلك لتقسيم الاجنبى الذى وضع من المؤرخين وخاصة لا اتفاق مؤكد بين المدارس المختلفة،مع ملاحظة تاريخية هامة وان ظهور منطقة الفيوم كعاصمة لمصر انذاك ايضا او بداية الاهتمام المصرى التاريخى بمنطقة الفيوم.ثم نظم الرى التى عرفتها مصر لاول مرة وغيرها من اساليب زراعية جيدة ومتطورة. بل ان نظم الرى فى الفيوم حتى الان مازالت تسير فى الكثير من المناطق هناط بنفس اسلوب هذه الحقبة،وفى ذلك دراسات متخصصة فى موضوع الزراعة فى مصر القديمة.

  • الأمر الثانى:- وهى السنوات العجاف،وهل هناك فى التاريخ لمصرى اية احداث او تأريخ بالمجاعة او اعوام المجاعة؟؟. وفى هذا الشأن نقول بان الوثائق المصرية القديمة لم تبخل علينا بشىء بهذا الصدد وكلها تعود تقريبا الى نفس الحقبة التاريخية من زمن يوسف نفسه. ونحن نتناول تلك النصوص للدلالة والتأكيد الكامل بان مصر لم تشهد المجاعة الحقيقية بل كانت على مشارفها فقط،وهذا يناقض تماما اقوال التوراة الكاذبة. ثم كيف تحدث فى مصر بهذه الطريقة المبالغ فيها فى التوارة وان مصر كان فيها نبيا من انبياء الله وهو يوسف وخططه لانقاذ مصر من المجاعة والحث على العمل الدؤب لاخراج مصر من هذه الكارثة. ونجد لذلك اشارة فى سورة يوسف الآيه 54 ((وَقَالَ الْمَلِك ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّك الْيَوْم لَدَيْنَا مَكِين أَمِين)). وكذلك فى سورة يوسف الآيه 55 ((قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)). وهذا دليل دامغ على ان مصر لم تشهد مجاعة حقيقية بالمعنى المعروف وكما تقول المغالطات الكثيرة فى التوراة.

النصوص التاريخية فى عصر الإنتقال الأول

ومن اهم النصوص المصرية التاريخية عن تلك الحقبة والتى وضعها بعض المؤرخين فى التقسيم الاسرى باسم (عصر الإنتقال الاول) وهى فترة بداية الدولة الوسطى، نتناول ههنا بالنص الحرفى اهم هذه المواثيق:

(1) نص الحاكم عنخ تفى:- وكان عنخ تفى حاكم ادفو وهيراكونوبليس خلال اواخر عصر الانتقال ويقول بالنص كما فى البردية ((كيف ان الناس وفدوا من الاقاصى شمالا وجنوبا ليحصلوا على الحبوب فى عصر فيه الناس تخشى من المجاعة …)).

(2) رسالة رجل يدعى حقا نخت:- وهو رجل غير معروف ويعود الى عصر الاسرة العاشرة او اوائل الاسرة الحادية عشر؟؟. وهذه الرسالة كان قد ارسلها الى اسرته ويقول فيها حرفيا ((… لقد صار الناس يقتاتون بشراسة هنا على الحبوب خوفا من المجاعة…)).

(3) قصة حاكم مجهول الاسم حتى الان:- وكان هذا الشخص حاكم احدى مقاطعات مصر الوسطى؟؟ ومجهول الاسم ايضا؟؟ وقد وضعه احد المؤرخين الى عهد الملك سنوسرت الاول وهذا غير مؤكد لان هناك مدارس اخرى وضعته فى تاريخ قبل ذلك. وما يهمنا ههنا هو ما كتبه وهو ((عندما ضربت سنى الجوع الارض (اى مصر) قمت بزراعة حقول مقاطعتى كلها حتى حديها الشمالى والجنوبى. وبهذا وهبت الحياة لاهلها بالقوت.فما من امرىء جاع فيها لانى اعطيت الارملة نصيبها مثل نصي المتزوجة، ولم افرق بين العظيم والفقير فى كل ما اعطيتت.ولما جاء فيض عظيم يحمل الخير كله لم افرض ضرائب باهظة على الناس …)).

فهذه النصوص وغيرها تؤكد انها لم تشير قط الى حدوث مجاعة بالفعل بل العمل الدؤب لانقاذ مصر من المجاعة الحقيقية. حتى انه فى العصور التى بعد ذلك مثل العصر الحديث والعصر المتأخر والتى تشير الى احداث سابقة حدثت بالفعل فى البلاد فكلها لم تشير بنصا صريحا الى حدوث مجاعة على الاطلاق.

وبرجوعنا الى تلك النصوص الثلاثة السابقة الذكر نجدها تشير الى زمن يوسف وتثبت كذلك بان مصر لم تشهد المجاعة بل كانت بتحضر البلاد للخروج من مأزق المجاعة. فكفى من مغالطات مكتوبة فى التوراة وهى كلها مغالطات توجع القلب والعقل فى ان واحد، وتثبت بكل الاشكال بان كاتب التوراة لم يكن على علم حقيقى بمصر ولا بتاريخ مصر ولا حتى باللغة المصرية القديمة. وهناك دليل اخر تم ذكره

فى سورة يوسف الآيه 99 ((فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)).

وهذا يعنى بانهم امنين من القحط والمجاعة التى كانت فى ارض كنعان، وكذلك امنين على حياتهم فى مصر لانكم لستم من البدو المكروهين ولا خوف على حياتكم من الملك ولا من دين الملك وما الى اخره. وهذا كله يدل على الامان فى مصر.

فكيف بعد كل ذلك تأتى قصص التوراة المخرفة فى هذا الامر وفيها الكثير والكثير ولكن ما افظع تلك العبارة التى كتبها كاتب التوراة عندما قال ((وفى تلك المجاعة كان اهل مصر يأكلون بعضهم البعض..)). وكيف يحدث ذلك فى ارض مصر انذاك وفيها نبيين من انبياء الله وهما يعقوب ويوسف عليهما السلام.؟؟. هذه هى التوراة التى يسترشد بها الكثيرين من المؤرخين الاجانب فى الكثير من الامور التى تخص مصر.

وهكذا كان الحال بالنسبة لموضوع المجاعة للوصول الى حقيقة يوسف فى مصر، والتى وضحت بصورة مفصلة قوية وكما فى القران الكريم وهو احسن القصص واصدقها على الاطلاق. ولذلك اعاتب على الباحثين المصريين فقط لانهم لا ياخذوا القران كدليل لهم ويصدقون الاجنبى فى كل شىء مع انهم كباحثين دون غيرهم من عامة الناس لديهم اعظم مصدر موثق على الاطلاق وهو القرأن الكريم.هذا القرأن الذى اعطانا مفاتيح الفكر فى كل شىء وامرنا بالبحث والتدبر ولكننا عن كل هذا غافلين.

فلقد تركنا منهج الله فى البحث والتدقيق فتركنا سبحانه وتعالى فى النتيجة. والنتيجة هى التلاطم بين امواج كلام هذا او ذاك، والوصول الى مرحلة ظهور احد المناقين من المسلمين يقول فى بريطانيا بان قصص الانبياء ماهى الا اساطير… ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم.

حادثة القصر فى زمن يوسف عليه السلام

ومن الغموض التاريخى من جانب المؤرخين الحديثون بانهم عندما كتبوا التاريخ المصرى القديم من القدماء أمثال يوسيفوس وغيره، ساروا على نهجهم بدون تحرى الدقة وخاصة فى العقدين الاخيرين من الزمان لانه فى هاذين العقدين حدث التطور الكشفى واللغوى عن تلك الحضارة وما الى اخره.

فتحرى الدقة ههنا موجه الى الاثرين والمؤرخين المصريين لانه هذا التطور الكشفى واللغوى من شأنه تغير معالم التاريخ والتأريخ كذلك، واظهار لبعض ما كان هو مستتر او فيه المجادلات الكبرى التى تدور حول هذه الحضارة القديمة ومنها على سبيل المثال قصة يوسف فى مصر. ولأنهم من ناحية اخرى لم يسترشدوا بكلام الصدق والحق والذى جاء فى القرأن الكريم وخاصة فى قصص لانبياء.

ومن تلك الامور على سبيل المثال لا الحصر ما يعرف باسم (حادثة القصر) والتى ارجعها العلماء والاثريين الى عصر الملك سنوسرت الثانى من الاسرة 12 والعاصمة المصرية فى الفيوم. ونقول ههنا ولماذا لا تكون تلك الحادثة فى عصر اقدم من سنوسرت وخاصة ان بعض المدارس يقولون هذا الراى ايضا!!. وخاصة ان الاحداث فى هذا القصر كانت فى زمن ما كان يعرف بشبه المجاعة فى مصر وهذا ما لم يحدث فى عهد الملك سنوسرت على الاطلاق.

كما انه من ناحية اخرى وكما تكرر القول فان ترتيب الملوك يحوم حولهم حتى الويم شكوك كثيرة وترتيبهم كذلك وما ينتج عن ذلك خطا فى التأريخ وما الى اخره. ولذلك فنحن ههنا فى تلك الحادثة لن نتقيض بملك معين او اسرة معينة حتى نخوض فى تلك الاحداث ثم تظهر الحقيقة جلية للمتمعن لان التاريخ لا يكذب ابدا. وفى هذه الحادثة المعروفة باسم حادثة القصر هناك مؤرخين ارجعوها الى الملك امنمحات الاول واخرون يقولون فى عصر الملك سنوسرت الثانى. ولذلك سنتناول حادثة القصر هذه فى عدة نقاط هامة وهى:-

(1) انه فى حادثة القصر هذه تم اتهام عدد كبير من موظفى القصر والامراء والوزراء بل وعدد من خدم القصر ومن بينهم الطاهى والساقى. اما الطاهى فحكم عليه بالاعدام والساقى اخذ براءة ورجع الى وظيفته كساقى.

(2) ان الساقى بعد عودته لوظيفته سمع عن حلم الملك، فاخبره بانه تقابل فى السجن برجل يعرف تفسير الاحلام واخبرهم باشياء كثيرة فى السجن، وكان يوم دخولهم فى السجن هو نفسه يوم دخول هذا الرجل.

ونجد ذلك فى سورة يوسف الاية 36 ((وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)).

(3) ان المدينة فى احداث القصر حدثت به ثرثرة كبيرة اخرى من الناس وخاصة ان زوجة الموظف الكبير كان لديها فتى جميل الهيئة ورغبت فى الزنا معه. وقد تعجبن النسوة من ذلك الامر وخاصة انها متزوجة من موظف كبير.

ونجد لذلك ايضا اشارة فى القرآن الكريم فى سورة يوسف الاية 30 ((وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)).

(4) ان الملك رغب فى رؤية هذا السجين المظلوم بلا ذنب ارتكبه،وكذلك لسماع تاويل الحلم منه.فارسل الساقى ليحضره من السجن. ونجد لذلك اشارة ايضا فى القرأن الكريم.

فى سورة يوسف الاية 50 ((وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)).

فلقد علم الملك بهذا الامر من شان النسوة وكيف لامرأة رفيعة الشأن وزوجها من كبار الموظفين ان تتجرا على فعل ذلك، وهذا اخذ مجرى اخر فى المحاكمة وتابعة لحادثة القصر وسميت باسم (محاكمة النساء). وان هذه المحاكمة الشهيرة فى التاريخ المصرى تدور حول جريمة الزنا وليس اقتراف الزنا كما كتبت فى التوراة. ويقول النص حرفيا بان تلك الاحداث مدونة فى عهد الملك امنمحات الاول بل هى المحكمة الاشهر فى التاريخ المصرى القديم.

بردية محاكمة القصر والنساء

قد يتسائل البعض الان فى اي بردية توجد مثل هذه الاحداث. واقول بأن هذه البردية توجد فى المعهد البريطانى للحضارة المصرية القديمة والتابع لمتحف لندن وتم معاينة وترجمة هذه البردية من جديد منذ عام 1990، وتم نشر موضوع كبير هناك وكذلك فى ألمانيا وكنت وقتها أقوم بعمل الماجستير هناك، ودار حول هذا الموضوع مناقشات كثيرة مع الاستاذة المتابعين لرسالتى انذاك.

ومن اشهر النصوص فى هذه المحاكمة التى تقول بان احداثها كانت فى عهدج الملك امنمحات الاول وتم تبرئة جميع النساء ومعهم الرماة الموظف الكبير. ولكن من اهم الامور بان المتهم والذى هو كنعانى الاصل تم ايضا تبرئته ورفع الى مكانا عاليا بأمر من الملك، واصبح شهيراً فى المجتمع ومحترما.وكان ذلك حدثا جلالا انذاك فى المجتمع المصرى.

ونستخلص من هذا كله ان هناك حادثة شهيرة موثقة فى التاريخ المصرى تعرف باسم حادثة القصر ويتفرع منها حادثة محاكمة النساء ولا يهمنا هنا الان من هو الملك حتى ولو كان مذكور الاسم.. لماذا؟؟. لان هناك المدرسة الفرنسية قالت بان هذه المحاكمة غامضة فى بعض الامور وقاصرة فى نواحى اخرى وغير مؤكد الملك فى هذه الفترة. اذن حدث جدال اخر حول هذه الورقة وكما هى العادة فى موضوعات التاريخ المصرى القديم.

فلماذا يكون الانسان هكذا اكثر شيئا جدلا؟؟ ولماذا لا نظهر نحن كاثرين بتكملة هذه القصة واثباتها للعالم بما يؤكده لنا القرأن الكريم، وخاصة ان هذا العالم نفسه يسترشد بما كتب فى التوراة.والان وبعد ذلك ندخل فى صلب الموضوع مباشرة وهو من هو يوسف عليه السلام فى مصر من واقع الاثر والتاريخ.

البحث فى يوسف

ان موضوع البحث فى يوسف فى مصر يستلزم منا التدقيق فى حقائق مصرية مغفولا عنها فى عدة حقائق هامة مثل:- من هو عزيز مصر؟؟ وما اسمه؟؟ ومن هو يوسف فى النصوص المصرية على اساس انه كان اشهر شخصية فى عصره، وكيف يغفل التاريخ المصرى شخصية مثل هذه؟؟. فاذا دققنا فى تلك المواضيع سنصل بإذن الله الى حقيقة يوسف الكاملة وكل الملوك الذين عاش فى عهدهم على اساس انه عاش فى مصر 110 سنة كاملة لانه توفى فى عمر يناهز 120 عاما.

من هو عزيز مصر وما هو إسمه؟

وهى من النقاط الهامة جدا فى البحث الان للوصول الى يوسف ولابد من البحث عنه ليس فى الاثر المصرى فقط بل وفى كتب التاريخ والتفاسير.

  • يقول الامام ابن كثير:- عزيز مصر يعنى وزير مصر.
  • يقول الامام ابن العباس:- عزيز مصر كان اسمه قطفير.
  • يقول الامام ابن اسحاق:- اسمه اطفير وهو العزيز على خزائن مصر.
  • يقول كاتب التوراة فى سفر التكوين 37/36:- اشترى يوسف فى مصر موظف يدعى فوطيفار.

ونستخلص من ذلك ولتشابه المسمى وكما فى الاقوال المختلفة السابقة، يجب علينا الا ننسى الفروق الصوتية وكما يقرأها علماء اللغة وخاصة فى حرفى الباء والفاء. فمثلا نحن نقول افلاطون وهو فى الاصل بلاتون، وكذلك نقول سينا وهى فى الاصل سيناء وسنين.. ما الى غير ذلك. ومن هنا جد التشابه فى الاسم بين الاقوال المختلفة ولكننا ههنا سنأخذ باللفظ العبرى لانه مثل المصرى القديم يتكون من مقطعين فى اللفظ.

وفى دراسة اعلام الاسماء فى اللغة المصرية القديمة للعالم الاثرى الالمانى (هرمان رانكه) وكتابه الرائع باسم (اسماء الاعلام) نجد انه وضع فى كتابه قائمة ضمت 27 اسما تبدأ باسماء (با) ومنها 15 اسما ترجع الى ما قبل الدولة الحديثة والى ما قبل الدولة الوسطة او مع بدايات الدولة الوسطى. ولقد بحث هو نفسه فى ذلك للاستدلال عن اسم عزيز مصر فى زمن يوسف. فوجد اسما يقارب ما جاء فى التوراة وهو فوطيفار.

  • فى اللغة العبرية:- فوطيفار = فو طى فار.
  • فى اللغة المصرية:- بو دى با ر = بادى با رع.

ثم قام العالم الاثرى واللغوى الانجليزى (تشارلز النج) وقدم رايا جريئا فى هذا الموضوع بل وهاجم التوراة نفسها ومما قاله ((يجب ان نفهم صيغة اللفظ فوطيفار بانه ليس اسما وانما لقبا وصفيا، وان فوطيفار هو نفسه با دى با رع فى اللغة المصرية القديمة، وهى الاصح وليس التوراة)).

وقام بجرأة شديدة بنقض كاتب التوراة وهاجمه هجوما شديدا لعدة اسباب مما ادخل الحكومة الانجليزية فى مأزق كبير مع الحكومة الاسرائيلية انذاك، ونورد هنا ما قاله وما يناسب هذا الموضوع: هاجم كاتب التوراة لانه وصف وكتب كل شىء عن تلك الحقبة وكما فى سفر التكوين ولكنه اغفل تماما اسم الملك الذى عاش فى عهده يوسف،وهى الشخصية التى ما كان ينبغى ان يغفلها كاتب التوراة تماما.

يقول كاتب التوراة فى سفر التكوين 12/16 وكذلك فى 24/10 ان الجمل قد استخدمه ابراهيم وكذلك يعقوب باعتباره وسيلة نقل وجمل الاقنعة عند دخولهم الى مصر.وهذا يناقض تماما كل حقائق التاريخ المثبت. لان الانسان استخدم الجمل فى الالف الثانية قبل الميلاد اى بعد عصر هاذين النبيين بأمد طويل. فاذا كان خطأ بسيط مثل ذلك يحدث فى التوراة ويذكر فى التوراة،فكيف لنا ان نصدق التوراة ونتخذها مرجعا تاريخيا بكل ما فيها من اخطاء.

ثم قامم العالم الاثرى واللغوى (كيتشن)) وكتب بحثا فريدا واثبت فيه من سفر القضاة فى التوراة رقم 3/13 و 5/6 ((ان النسخة الاصلية القديمة لهذا السفر قد ذكرت اسم الوزير الذى اشترة يوسف وكان هو بالمصرية القديمة بادى با رع وهو الذى ربى يوسف)).وهاجم ايضا كاتب التوراة بشدة وخاصة ذلك الاتهام الجزافى بان هذا الوزير كان خصى ورئيس شرطة كذلك.وان كاتب التوراة هذا لم يكن على علم او دراية بالتاريخ ولا حتى اللغة المصرية القديمة. ولقد تناولنا الكثير من اراءه فى بحثنا السابق بعنوان: هل كان المصرى القديم خصيا؟؟ وانصح جميع المهتمين بقرأته على الفور وخاصة من يهمه الامر.

من هو يوسف فى النصوص المصرية القديمة؟

ان اول ذكر ليوسف فى التاريخ كان فى كتابة المؤرخ المصرى القيدم مانيتون والذى نقله عنه المؤرخ يوسيفوس ولقد كتب عن قصة شهيرة وشخصية شهيرة وقعت احداثها فى ارض مصر. وهذه القصة كما اطلق عيلها مانتون كانت تعرف باسم (اوزارسف) ومما قاله ((كان اوزارسف منكهان هليوبوليس فى عصر الدولة الوسطى ولم يكن مصرى الاصل وكان ذو رفعة ومكانة كبيرة لدى بيت الملك. واقسم ليحطمن اصنام الالهة وليذبح الحوان المقدس ونادى بعبادة الاله الواحد وقد استدعى احلافا من الشرق (ارض كنعان) ولم يستطيع ملك مصر من مقاومتهم عند دخولهم مصر…)).

وما يهمنا فى هذه القصة والتى ادعى الكثيرين من المؤرخين بانها اسطورة مصرية ماعدا عالم اثرى واحد وهو الاثرى الالمانى (ادوراد ماير) الذى قال ((ان هذه القصة واقعية وحقيقية وقد حدثت على ارض مصر فى عصر الدولة الوسطى وان اوزارسف هو نفسه يوسف. وان الملك بعد ان رفع مكانته جعله وزيرا وجعله من المقربين واعطى له لقبا اخر غير عزيز مصر وهو لقب سفناتفنياخ)). وهكذا نجد انفسنا امام ثلاث مسميات ليس بينهما اى ترابط وهم :يوسف – اوزارسف – سفناتفنياخ. فهل يمكن لنا الان حليل هذه الاسماء ودراستها؟؟.

  • يوسف:- وهو الذى جاء فى القرأن الكريم، وهو نفسه الذى يكتب فى الغة العبرية باسم يوسيف او يوساف ومعناهما اضاف يهوا. ومن المعروف بان يهوا هو اله العبرانين وهو اله ارض كنعان وهو الاله الواحد الذى عبده ابراهيم وال ابراهيم، وهو عندنا فى الاسلام هو الله سبحانه وتعالى.
  • اوزارسف:- وهو اسم مصرى مركب كما هى العادة فى الاسماء المصرية القديمة وهو يتكون من مقطعين.
    اوزار:- وهو الاله المصرى اوزير معبود الدولة الوسطى وهو الذى عرف فى اليونانية وحتى الان باسم اوزير.
    سف:- ومعناها يضيف، وهو لفظ غير مصرى على الاطلاق.

والسؤال الهام هنا: هل كان فى الاسماء المصرية انذاك اسما نصفة مصرى والاخر غير مصرى؟؟ ثم هل اخذ احدا فى التاريخ المصرى مثل هذا الاسم؟؟.

ونقول بعلو فم (نعم) وخاصة فى الجزء الثانى من السؤال، اما عن الجزء الاول فتفهم جيدا ومدققا فى الجزء الثانى لان الحقيقة الكاملة ستنجلى بمفردها بعد حل وفك هذا الامر حالا. فلو قرأنا مرة اخرى قصة اوزارسف سنجد ان هذا الاسم قد ذكر فى التاريخ المصرى ثلاثة مرات فقط وكلها فى عصر واحد فقط والذى ارجعه بعض العلماء الى عصر الدولة الوسطة او بدايات الدولة الوسطى. وان تلك المسميات الثلاثة ظهرت فى عهد الملك امنمحات الاول فقط.

وان يوسف عليه السلام اخذ هذا الاسم من عزيز مصر الذى تربى فى بيته ومعناه اضاف اوزير،وخاصة ان الاله اوزير كان له شأن عظيم فى هذه الحقبة وكان اعظم الالهة فى عهد الدولة الوسطى. وهذا الاسم لايتخلف كثيرا لغويا عن اسم يوسف،ولكن بدلا من اضاف يهوا اصبح اضاف اوزير. وكان يوسف لا يهتم بهذا الاسم على الاطلاق وخاصة ان اسمه مرتبط باحد الالهة المصرية. ونجد فى ذلك اشارة كبرى فى القرأن الكريم

فى سورة يوسف الايات 37-40 ((.. ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (38)  يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39).مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)).

  • سفنات فنياخ :- وهو ما تم ذكره فى سفر التكوين وتكتب كذلك بالصاد صفنات فنياخ.
    ويقول العالم الاثرى والغوى (هرمان رانكه) فى كتابه الممتع اسماء الاعلام ((ان كلمة سف تعنى يزيد وهى فى حقيقة الامر دخيلة على اللغة المصرية القديمة ولقد جاءت الى مصر مع الكنعانين واصلها فى المصرية القديمة سب..ويكون الاسم المصرى الاصيل اوزارسب وليس اوزارسف)).

ومن هنا نقترب اكثر واكثر من الواقع والحقيقة الغائبة وخاصة ان الاسماء المصرية القديمة مركبة، وان اللفظ العبرى له مرادف فى المصرية القديمة وخاصة لولع العبرانين وبنى اسرائيل بمصر، وهكذا يمكننا ان نعقد المقارنات اللفظية مثل:-

  • اللفظ الكنعانى او العبرى:- سف نات فنياخ
  • اللفظ المصرى القديم:- سب نيوت اوف عنخ.

وان كلا من اللفظين واحد ومعناهما هو (حكيم المدينة يعيش).

والسؤال الهام ههنا:- هل اخذ احدا هذا اللقب فى تاريخ مصر كله او بالاخص فى عهد الدولة الوسطى؟؟.

والاجابة هى بعلو فم (نعم) ونجد الاشارة لذلك فى الاثر المصرى والتاريخ المصرى، وان هذا اللقب او الاسم ظهر لمرة واحدة فقط وخاصة فى منطقة الفيوم عاصمة مصر انذاك.ونقول كذلك نعم هناك الاثار التاريخية عن تلك الفترة والقابها وشهرة هذا الحكيم المدينة وليزيد فى عمره ويعيش، ومن ذلك:-

  • فى حفريات الدلتا وفى حفريات الفيوم وبالاخص فى منطقة الشت والتى هى ليست ببعيد عن هرم امنمحات
  • صومعة الغلال التى أنشأها يوسف وهى مازالت شاهدة حتى الان على مقربة من ادفو بصعيد مصر ومازالت تعرف حتى الان باسم (صومعة يوسف). وان طريقة بناءها واحجارها تناسب تماما الفن فى عصر الدولة الوسطى كذلك.
  • هذا اللقب (حكيم المدينة يعيش) يعتبر من ابرز الالقاب فى التاريخ المصرى وخاصة انه لقب مفرد،بل لا يتعدى ذكره ثلاثة مرات فقط وكلها فى عهد اسرة واحدة فى الدولة الوسطى وفى عهد الملك امنمحات الاول. وان هذا اللقب تم توريثه لبنين لهذا الحكيم وبعد موتهما لم يظهر بعد ذلك على الاطلاق فى التاريخ المصرى.

خاتمة بحث يوسف فى مصر القديمة

ونستخلص من واقع الاثر والامر بان يوسف حقيقة وهو نبى من انبياء الله، وكيف لبشر ان يطفئوا ايات الله او حتى يحجبون ايات الله وهو المظهر لآياته ولو كره الجاحدون.

وقال تعالى فى سورة يوسف الاية 8 ((لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ)).

ونقول مرة اخرى بان التاريخ المصرى القديم قد واجه مدارس متعددة وكل مدرسة لها افكارها وتقسيماتها. وكل مدرسة تدعى الصدق والتحرى والدقة، وكثيرا من تلك المدارس من ناحية اخرى استرشدت بالتوارة وهذا من الاخطاء الكبرى لهذه المدارس عند تحليل التاريخ المصرى القديم. ونحمد الله بان هناك اناس عادلين ومن اوروبا نفسها كانوا هم من يهاجمون التوراة وكاتب التوراة واثبتوا زيف كل هذه الكتابات.

واقول ايضا فى بحثى هذا بأن هناك موضوع خطير جدا جدا وهو لابد من اعادة ترميم التاريخ والتأريخ لانه بهذه الطريقة يمكن الوصول الى الحقائق الكاملة فى التاريخ سواء المصرى او غير المصرى وهذا مجهود كبير يقع على عاتق علماء ومؤرخى هذه الامم. وفيما يخصنا هنا من التاريخ المصرى القديم فانه لا مجال للشك على الاطلاق بان زمن يوسف كان فى بداية الولة الوسطى ولكن من المؤكد انه توفى عن عمر يناهز 120 عاما فى عهد الدولة الوسطى، وبالاخص فى عهد الملك امنمحات الاول.. والله هو العليم الحكيم.

بردية خيتى بن دوا اوف: وملخص هذه البردية الهامة ((نصائح اكتبها لابنى والتى اتخذتها عن والدى وفيها نبؤة تظهر بان الملك امنحمات الاول سوف يظهر فيما بعد فى المنام لابنه سنوسرت ويعلمه هذه التعاليم ويلقى عليه نصائحه وتجاربه فى الحياة..)).

ولقد ظل لعلماء الاثار وعلى راسهم الاثرى (ادولف ايرمان) نفسه يعتقدون ان هذه التعاليم قد كتبت فى عهد الملك امنمحات الاول وخاصة لاحداثها ولكن الواقع الكشفى والترجمى الجديد عن طريق الاثرى ادولف ايرمان اثبت عكس ذلك تماما ومن ذلك نقول:-

(1) ان خيتى نصح ابنه بالكثير وروى عن حادثة القصر ومحاكمة النساء وكذلك تولى احد الكنعانين مكانة مرموقة فى بلاد مصر،وهذا عنى بانه عاصر الاحداث كلها وما بها من عبر ومعانى.

(2) ان الحكيم خيتى من اصل الاسرة 11 ووصلت تلك التعاليم والنبؤات الى الملك منتوحتب الرابع.وكان وكما هو معروف بان اشهر وزراء عهد الوزير امنمحات وهو نفسه الذى سيكون ملكا على مصر باسم امنمحات الاول فيما بعد.

(3) ولذلك اقول من وجهة نظرى الخاصة ان هذه البردية وبعد ترجمتها الحديثة والتدقيق فيها، دليل قاطع على احداث القصر ومحاكمة النساء وهى كلها احداث مرتبتة بعهد وزمن سيدنا يوسف عليه السلام.

(4) انه فى عهد الملك منتوحتب الرابع كان هناك وزيرا شهيرا فى عهده يدعى بادى با رع، ومن المؤكد الان انه هو الذى اشترى يوسف فى مصر ورباه فى بيته.

(5) ان يوسف هو نفسه حكيم المدينة يعيش عندما كبر وطعن فى السن ومات، وكان ذلك فى عهد الملك امنمحات الاول، وهو الملك الذى ظهر فى عهده هذا اللقب (حكيم المدينة يعيش = سب نيوت اوف عنخ). ومما لاشك فيه بان يوسف مات عن عمر يناهز 120 عاما. ولقد دخل مصر وهو عنده عشرة سنوات وعاش فى مصر مائة وعشر سنين توفى عن عمر يناهز 120 عاما… والله اعلم…

المراجع البحثية فى بحث النبى يوسف

  • القرأن الكريم.
  • تاريخ مصر القديمة. د. سليم حسن.
  • قصص الانبياء الامام اسماعيل بن كثير.
  • اسماء الاعلام فى مصر القديمة. الاثرى الالمانى هرمان رانكه.
  • الدولة الوسطى. الاثرى ادوارد ماير.
  • بردية خيتى دوا أوف، ترجمة الاثرى ادولف ايرمان.

التعليقات