التخطي إلى المحتوى
بحث عن أنواع الرقص فى مصر القديمة
الرقص فى مصر الفرعونية وتصنيف الرقصات فى مصر القديمة

يجمع علماء الحضارة و الأجتماع و الأنثروبولوجى على ان الرقص كان من أقدم وسائل التعبير عن المشاعر الإنسانية لدى الإنسان البدائى وان الرقص منذ بدايته كان مرتبطاً بما كانت تعتقده المجتمعات الإنسانية البدائية فى عالم السحر والمعتقدات الدينية. وليس هناك جدال ان مصر القديمة قد عرفت الرقص منذ عصور ما قبل التاريخ وقد تم العثور على العديد من الشواهد الآثرية التى تدل على ان الرقص فى تلك العصور كان مرتبطاً بالعقائد الدينية التى كانت سائدة فى تلك العصور وانه كان يؤدى لتحقيق أغراض سحريـة.

ولكن بعد ان دخلت مصر القديمة عصورها التاريخية بدأت الحضارة المصرية ترتقى سلم التطور لتبلغ قمة ما وصلت إليه من رقى فى عصر الدولة الحديثة و على وجه الخصوص فى عصر الأسرات 18 و 19، و كما وصلت الموسيقى المصرية القديمة إلى مستواها الرفيع فى ذلك العصر فقد كان من الطبيعى ان الرقص – و هو فن مرتبط بالموسيقى والغناء – أن يرقى إلى ذلك المستوى ويصبح فناً عريقاً راسخاً ذا قواعد ومناهج تحكمه فى كافة أنواعه وأشكاله (1).

أسبـاب لجـوء المصرى القديم للرقـص كوسيلة للترفيه عن نفسه

1- ليشيـع حول نفسه جواً من البهجة والسرور وكان الرقص من أهم واسائله فى هذا السبيل.

2- أتخذه سبيلاً للتقرب من الخالق وعبادته وأصبح وسيلة من وسائل التعبير عن سرورهم وامتنانهم بما انعم الله عليهم من نعم.

3- أستخدموه عند وفاة عزيز عليهم لإدخال السرور على قلب المتوفى و طرد الأرواح الشريرة التى قد تؤرقه.

4- أستخدمه على جدران المقابر حتى يسعد بها المتوفى فى حياته الثانية.

5- أعتبر فناً راقيـاً مقدساً تزاوله الآلهة و تستمتع بمشاهدته ويمارسه الملك أو من يمثله فى الإحتفالات والأعياد و يقبل عليه العديد ويستوى فى ذلك العامة والخاصة.

نجـد ان المصرى القديم أكثـر من تصويـر مناظـر الرقص ضمن ما صوره من مظاهر الحياة اليومية على جدران مقابرهم مما اتاح لنا تكوين فكرة عن انواعه وحركاته ومظاهره المختلفة (2).

وقد صورت الآثار المصرية سلسلة كاملة من الرقصات المختلفة فى أشكالها و فى أغراضها فهناك رقصات ذات إيقاعات معقدة مثل رقصات الحروب حيث يقوم الراقصون أو الراقصات بقفزات فى الهواء، كما ان الرقص كان جزءاً أساسياً من الطقوس الدينية قبل ان يصير تسلية دنيوية، فقد أقيمت حفلات الرقص المقدس فى كثير من المناسبات والأعياد الدينية مثل العيد الثلاثينى (hb sd) ورقصة الـ muu، كما كان الرقص ايضاً ملازماً للأعمال الشاقة مثل الزراعة وصناعة النبيذ.

ظهرت مناظر الرقص فى الفن المصرى القديم منذ أقدم العصور فى عصر ما قبل الأسرات فى كهف وادى الحمامات فى الصحراء الشرقية، اما اول ظهور للرقص على مقابر الأفراد فى الدولة القديمة كان فى مقبرة “دبحـن” فى الجيزة من الأسرة الرابعة وتميزت النساء اللاتى يرقصن فى مناظر الرقص المختلفة بقصر شعورهن فى معظم هذه المناظر حتى تبدين كالرجال لكن فى منظر الرقص الأكروباتى تتدلى ضفائرهن منتهية بكرة من الشعر إلا فى مقبرة “كاجمنى”(3).

أنواع الرقص فى مصر الفرعونية

الرقـص الأكروبـاتـى

و فيه تأتى الراقصات بأوضاع حركية صعبة حيث انها تقف على قدم واحدة و ترفع الأخرى لأعلى و تميل الجذع لأسفل إلى الخلف (4)، و حملت منافسة و رغبة فى التفوق على الأخرين و قام بعض الراقصين على زيادة رشاقة الحركات و تهذيبها فى حين عمد البعض الأخر على اختيار حركات اكثر صعوبة و اكثر إجهادا لا يقدر كل فرد على ممارستها لأنها تتطلب مرونة جسمانية كبيرة و تحتاج إلى تدريب طويل شاق (5).

و كان من المتع الشخصية لصاحب المقبرة ان يشاهد مثل هذا الرقص كما ان الفنان كان يفخر أنه يستطيع رسم مثل هذا النوع صعب الحركات الجسدية من الرقص بإتقان شديد و ذلك طبقاً لنص يرجع إلى عصر الأسرة الحادية عشر وهذا النص موجود فى متحف اللوفـر(6)، ونجد ان المصرى القديم قام بتمثيل هذا النوع من الرقص، والتى منها:

نرى حركة رقص بديعة فالراقصة تقف على ساق واحدة و قد رفعت الثانية لأعلى ويميل جذعها إلى الخلف فى حين تمتد ذراعاها إلى الأمام فى وضع موازى للساق المرفوعة، فهذا الوضع يمثل فى الواقع جزء من حركة وهو بالغ الصعوبة نظراً لتضمنه تحريك أعضاء الجسم فى مستويات قائمة ورفع الساق إلى أعلى دون ان تعتمد على سند. وعلى كل حال فمن الممكن للراقصة ان تقرب ما بين يديها و قدميها حتى تأخذ وضع القنطرة المقوس أو تباعد بين يديها و قدميها لتسير على أربع.

فهناك مناظر تمثل وضع الفتاتين نوعاً من الإنبطاح فبالأتكاء على اليدين فوق الأرض و بتقويس الجسم تمكنتا من رفع الجزء الأعلى من جسديهما مع أنعطاف الرأس ورفع السيقان وثنيها فى محاولة للمس رأسيهما بها.

ومنظر أخر تبدو الراقصة فى وضعية على جانب كبير من الغرابة فهى إما تقفز إلى أرتفاع بسيط مستخدمة اللحظة التى يتأرجح فيها مركز ثقلها ما بين الإرتفاع و الإنخفاض فى سحي ساقيها بسرعة نحو جسمها ثم بسطها ثانية و بذلك يخيل للناظر ان الجزء الأعلى من جسم الفتاة ظل ثابتاً والساقين فقط هما اللتان تسحبان بالتناوب نحو الجسم او بعيداً عنه، او انها تثب إلى الأمام.

الرقص التوقيعى بقامة منتصبة من ضمن أشكال الرقص الأكروباتى , فهو لم يكن بالأمر السهل، و قد تمكن المتفرجون من بعث الحياة فى هذا النوع من الرقص حين حاولا بحركات الأقدام و الأيدى تشجيع الراقص على أداء قفزاته على أحسن وجه.

وقد كان من الصعب التفرقة بين “الرقص الأكروباتى” و “الألعاب الأكروباتية” و قد سجل الفنان فى بعض المناظر ثلاثة أوضاع لدور معقد تقوم به راقصتان و يمكن تخيل القصة الكاملة لذلك الدور فيما يلى:-

تتخذ فتاتان متماثلتان فى الطول و القوة وضعاً تقف فيه الواحدة خلف الأخرى و قد إنفرجت سيقانهما، ثم تشكل الأولى جسدها على هيئة قنطرة و تحتضن زميلتها من الوسط، و تنحنى الثانية بدورها فوق الأولى قابضة كذلك على وسطها ثم تأخذ الثانية فى الوقوف رافعة القتاة الأولى بطريقة تجعل رأسها متجهة إلى أسفل فى حين تمتد ساقاها إلى أعلى فيما بين رأس زميلتها.

ثم تنحنى الفتاة الثانية إلى ان تمس ساق الفتاة الأولى الأرض و هكذا تعودان إلى الوضع الأصلى بعد ان تبادلتا مواقعهما وأدوارها، وتتمكن الفتايات بمواظبتهن على التمرين من اكتساب براعة تسمح لهن بممارسة سلسلة كاملة من هذه الحركات بإيقاع منتظم (7).

الرقـص الحركــى الخالــص

كان الرقص أصلا بمثابة تصريف سهل لطاقة زائدة تكمن فى شخص مستريح و لكنه غير معتاد على الخمول , و يحصل كل من الراقص و المتفرج على المسرة من تلك الحركات التى يساعد ضبط إيقاعها على توفير الطاقة و طرد التعب و إطالة إمكانية الحركة، و قد تحولت الحركات اللاشعورية و غير المنتظمة إلى حركات شعورية منظمة عندما ابتدأ النظارة فى الإهتمام بالرقص و مصاحبته بتصفيق الأيدى أو بصيحات تنظم الإيقاع، و من المؤكد كذلك ان محاولات التفوق على الراقصين و الراقصات الآخرين يرجع إليها فضل كبير فى تطوير الرقص الحركى الذى كانت تعوزه بعض العناصر الجوهرية، و يمكننا ان ندخل تحت هذا النوع من الرقص(8) الرقـص سريـع الحركـات هذا النوع من الرقص عبارة عن حركات سريعة و قفزات إلى أعلى متباينة من الراقصات على نغمات المصفقات و ظهر هذا النوع من الرقص فى سقارة فى مقبرة نفـر و مقبرة مرى روكـا [ الزوجـة ].

الرقـص الهادئ

هذا النوع كبقية أنواع الرقص يتم على إيقاع المصفقات من النساء و تقوم بالرقص أيضاً سيدات و تكون فيه الحركة هادئة للغاية حيث ترفع الفتاة كلتا يديها لأعلى و ترفع إحدى يديها قليلاً لأعلى، و هذا النوع من الرقص هو الأكثر إنتشاراً حيث ان معظم مقابر الأسرة الخامسة التى ظهر بها منظر الرقص يكون هذا النوع هو الموجود بها كما هو الحال فى مقابـر [نن خفتكـا – تـى – بتاح حتـب] أما فى مقبرة رع شبسس فإن الراقصات ترفع يد واحدة فقط لأعلى و ظهر هذا النوع من الرقص فى عدد قليل جدا فى الأسرة السادسة حيث ظهر فى مقبرة مرى إف نب إف إلا ان الراقصات فى هذه المقبرة صورن و كأنهن يجرين(9).

الرقـص بالمرآه

تقوم بالرقص فى هذا النوع فتيات صغيرات و عرف ذلك من ضفيرتهن، و فيه تمسك كل فتاة مرآة بيد و باليد الأخرى يد مصفقة و تواجه كل فتاة قرينتها كما فى مقبرة مرى روكـا (10). والمـرآه تعد من اهم العناصر التى حرص المصرى القديم على إصطحابها معه، و هى من العناصر التى كانت غالباً ضمن مجموعة قرابين او فى يد صاحبتها و هى عبارة عن قرص مستدير مصقول يسمـى أحيانـاً [أتـــون] و أحياناً أخرى [رع]، وقد عملوا على أختيار معادن تتفق مع لون الشمس عند صناعة المرآة مثل [النحـاس، الذهـب، الإلكتـروم] و كانوا إذا قاموا بتلوينها إختاروا لها اللون اللأحمر أو الأصفر أو البرتقالى، أما الجـزء السفلى من المرآة و هى المقبض فكانت تنتهى برأس حتحـور او تمثالها أو زهـرة اللوتس أو رأس صقـر أو حيتى كوبـرا فى الطرفين المحيطين بالقرص المستدير، ومن هنا ترى Lilyquist ان المرآة تعد من رموز المعبودة حتحور وهى بجزئيها – القرص و المقبض – تجسد العلاقة بين حتحور و رع والتى اعتبرها Westentdorf من الرموز الخاصة بعملية الولادة والخلق هذا بالإضافة إلى انها تحرك حاسة الإبصار فالمتوفى ينظر فيها و يرى فتلك إذن حياة، حتى ان أسمها فى اللغـة ” عنخ ” و هى تشبه بالفعل علامة عنـخ (11).

الرقص الزوجى

لم يكن الرقص الزوجى بالمعنى المتعارف عليه الآن معروفاً لدى الصريين القدماء على الإطلاق و لم نعصر حتى الآن على صورة مصرة قديمة واحدة تصور رجلا و إمرأة يرقصان و قد إحتضن كل منهما الخر , او حتى أمسك كل منهما بيد الأخر , فأزواج الراقصين فى مصر القديمة كان تتكون إما من رجلين و إما من إمرأتين(12)، حيث يواجه كل إثنين بعضهما البعض و لا مانع فى هذا النوع من الرقص ان يجلس الراقص على إحدى ركبتيه على الأرض كما فى مقبرتى مرى روكـا , تـى , عنخ خنم و خنم حتب.

و لدينا مثل من الأسرة الخامسة لمجموعة من الفتايات يرقصن ازواجاً و تواجه كل منهن الأخرى وقد تماسكن بالأيدى تقف كل على ساق فى حين ترفع الساق الأخرى مع ثنيها عند الركبة بحيث تلتقى أصابع القدمين، و توضح أوضاع الرقص الزوجى كيف اخذ مصرين الدولة القديمة فن الرقص بصورة جادة، فنجد ستة أوضاع معينة يحمل كل منها إسماً خاصاً، و من المؤسف اننا لا يمكننا الجزم بالمعنى الدقيق لتلك الألفاظ لأن كل لفظ منها يحتمل تفسيرات عديدة. حيث قد تفيد التعبيرات الواردة فكرة الأشتياق، والانطـلاق، والذهب الذى يجب الحصول عليه، والإختطاف السرى، والأسر، وسرقة حسناء أو البحث عنها.

الفنان المصرى القديم لم يكن الرقص بالنسبة له رقص مجرد و إنما كان لكل رقصة معنى يعبر به عما يريد سواء كانت فكرة عامة أو إحساس او شعور معين(13). ويكشف لنا أحد مناظر الدولة الحديثة عن إستمتاع مصر بالرقص المتماثل الحركات بالدرجة نفسها التى استمتع بها اجدادهم فى أيام الدولة القديمة. و هنا على أية حال لا يقبض الراقصان على أيدى بعضهما كما كان الحال ايام الدولة القديمة بل يضمان قبضتى اليدين على ان تتلامسا بالإبهام فقط(14).

وكان الرقص الذى تمارسه الفتاتان بالمصفقات الخشبية فى احد المناظر من النوع متماثل الحركات دون شك، و نظراً لعدم تماسكهما بالأيدى فقد حصلتا على حرية حركية تفوق تلك التى حصل عليها اقرانها، وفى أحد المناظر الأخرى نجد أربعة أزواج من الراقصات و تواجه كل راقصة الأخرى فى ثلاث من هذه المجموعات، بينما ادارت إحدى الفتاتين ظهرها لزميلتها فى المجموعة الثانية “من اليسار” مما قد يؤدى إلى الظن بأن الفتايات كن يدرن أثناء تادية هذا النوع من الرقص، و يبدو بوضوح مدى الجمود الذى يصاحب حركات الراقصات فى هذه الصورة إذا ما قارنها بالحركات الممثلة فى الصور الأخرى، فهل يهدف الفنان إلى رسـم صورة “كاريكاتيرية” للرقص تشتمل على حركات وأوضاع غير منسجمة !!؟ (15). فإذا دققنا النظر نجد ان الفنان كان يريد ان يرسم صورة كاركاتورية للرقص و ذلك لعدم تناسق و تناغم حركات الراقصات مع بعضهن بالإضافة إلى جمود الحركات و عدم إحتوائها على الحيوية (16).

رقـص المحاكــاة

الذى يحاكى فيه الراقصون حركات الحيوانات او الظواهر الطبيعية و من خير أمثلة هذا النوع من الرقص ذلك يمثل على جدران إحدى مقابر بنى حسن حيث رمز فتاة واقفة باسطة ذراعيها إلى حركة الريح بينما ترمز الفتاتان الماثلتان امامها بإنثناءاتهما إلى النباتات المتمايلة بفعل الريح(17).

الرقـص الجنائـزى

يمكننا ان نميز فى صور المصريين القدماء ثلاثة انواع للرقص الجنائزىحسب الفكرة الكامنة وراء كل نوع، فالنوع الأول هو “الرقص الطقسى” الذى يكون جزءاً لا يتجزأ من الطقوس الجنائزية، والنوع الثانى يتمثل فى تلك الحركات المعبرة عن الحزن التى يمارسها أشخاص يشتركون فى الجنازات، والنوع الثالث “الرقص الدنيوى” الذى يمارس للترفيه عن روح الميت(18).

كما ان هناك رقص جنائزى كما فى رقصة الـ muu* كما فى مقابر بتاح حتب п , كما ان المصرى القديم كان يهتم برقص الجنائز حيث كان يوصى قبل وفاته بالرقص فى جنازته(19).

و أهم هذه الأنواع هو الرقص الجنائزى الطقسى الذى كان فى الأصل نوعاً من الرقص الدنيوى و قد نال قدراً خاصاً من الإعتبار نظراً لقدمه حيث اننا نجده فى صور عصور ما قبل التاريخ بالإضافة إلى إستمراره فى العصور التاريخية، و يقوم به عادة عدد كبير من الراقصين والراقصات يصاحبهم زملاء يصفقون تصفيقاً إيقاعياً و تتحرك النساء او الرجال فى خطوات راقصة حرة وهم منتصبوا القامة و قد رفعوا ايديهم لأعلى.

و قد اقتصر تعبير المصريين القدماء عن الحزن على اوضاع و إيماءات و من الطبيعى ان تعدل هذه الحركات و تمارس بطريقة إيقاعية و هكذا نشأ الرقص الجنائزىمن تعبيرات الحزن الطبيعية التى لم تكن تمارس فى الجنازات براقصين و راقصات مدربين بل يسهم فيها كل الأفراد و ربما كان ذلك بعد تدريبهم على يد بعض الرجال او النساء الذين يتخذون من الرقص حرفة.

و قد امكن معرفة هذا النوع من الرقص من صور عديدة ترجع إلى عهد الدولة القديمة أما عهد الدولة الوسطى فليس لدينا منه سوى صورتين فقط وهما من مقبرتى الأميرين “باكتى” و “خيتى” من بنى حسن، و قد اختفت هذه الرقصة تماماً كما يبدو فى عهد الدولة الحديثة او بعبارة اخرى ليس لدينا اى صورة لها من ذلك العهد، ثم بعثت مرة اخرى فى العهد الصاوى مع كثير من العادات القديمة الأخرى التى كان قد عفا عليها الزمن.

ووفقاً لوجهة النظر المصرية القديمة فيما يتعلق بالحياة الأخرى كانت روح المتوفى تعيش فى مقبرته بعد الموت بنفس الصورة التى كان يعيش عليها آثناء حياته على الأرض و تشعر بنفس مشاعر السرور و الحزن و الحنين التى كان يشعر بها فى حياته الدنيوية، و يحدثنا جزء باق من نص مهشم فى هرم الملك “پيپي نفركارع” بما يلى (و قد رقص لك الحرس، و غنى لك ….) ولذا ليس بمستغرب ان يمارس فى المقبرة نفس الراقصين و الراقصات الذين كانوا يرقصون له فى بيته أثناء حياته الرقصات التى كان يفضلها و هو حى للترفيه عنه.

وهذا هو السبب فى ان المصريين القدماء قد صوروا تلك الرقصات فوق جدران المقبرة معتقدين ان الأشخاص المرسومين سيتحولون بمجرد سماعهم التعاويذ السحرية إلى احياء حقيقيين يلبون طلبات سيدهم ويسرون عنه.

وتدل النقوش الآثرية التى تصور الرقصات الجنائزية فى مصر القديمة على ان حركات الرقص بالأيدى والأذرع والسيقان او بالجسم البشرى كله كانت ذات طابع خاص يختلف تماما عن حركات انواع الرقص الأخرى التى عرفتها مصر القديمة الأمر الذى يؤكد ان حركات الرقص الجنائزى كانت نابعة من فكرة الموت للتعبير عن المشاعر الإنسانية الخاصة بها(20).

رقـص الأقـزام

يعتمد عنصر التأثير فى رقص الأقزام* بلا شك على المحاكاة الهزلية بحركات غير متزنة وقد اصبحت رقصة الأقزام منذ بداية الدولة الوسطى رقصة طقسية جنائزية مع انها كانت فى الدول القديمة مجرد رقصة ترويحية عادية، و مع اننا نقابل عددا لا بأس به من صور الأقزام التى ترجع إلى عهد الدولة القديمة فإنها لم تكن بالكثرة التى تفى بحاجة جميع الذين يرغبون فى رؤية رقص الأقزام، ولذا كان الراقصون ذو النمو الطبيعى يقومون بتقليد رقصات الأقزام.

وقد صورت رقصة الأقزام هذه على جدران مقبرة أحد معاصرى “سنوهى” و هو الوزير “انتف إكر” و يقوم بالرقص هنا أربعة رجال يافعون أنحنت أيديهم اليمنى قليلاً و أمتدت إلى الأمام فى حين ان ايديهم اليسرى تتدلى بجانب الأجسام و قد أطلق عليهم أقزام.

وقد مثل رجلان كالسابقين فى وضع هادىء و أطلق عليهما كذلك “أقزام” فى قبر پاحـرى حيث لا يختلف الراقصون إلا فى أوضاع أيديهم، و قد خلط المصريون القدماء فى الإشارة إلى الرقص الزوجى و كأنه رقص الأقزام و ذلك فى المناظر الموجودة فى قبرپاحـرى و لكنها كانت إشارة خاطئة إذ ان مصريي الدولة الحديثة كانوا يعرفون تماماً ان رقصة الأقزام هى رقصة طقسية دينية منذ العهود المبكرة وكما ان المصريين من ناحية أخرى ألموا بالرقص الزوجى من قبور الدولة القديمة (21).

وفى نصوص الأهرام كان يقال للبحار لكى يسمح لروح الملك المتوفى بالعبور فى قاربه للعالم السفلى، ان الملك ليس الا القزم الذى سيرقص للآله رع ليبعث البهجة فى قلبه امام عرشه العظيم، وقد حفظت لنا الآلاف من التماثيل والنقوش والصور للإله ” بــس” الذى كان يطرد برقصه الأرواح الشريرة.

الدلالة الرمزية للإله بـس:- كان مكلفاً بتأدية نوع معين من الرقصات تتميز بطابعها القتالى العدائى العنيف بأستخدام السكاكين بغرض إبعاد الثعابين والحشرات و الزواحف و غيرها من المخلوقات المؤذية والأمراض والشرور العامة، وكانت لديه القدرة على تهدئة غضب الألهة و الترويح عنهم برقصاته المرحة و عزفه للموسيقى ومن هنا أصبح ضمن الألهة المرتبطة بالرقص والموسيقى والبهجة والمتعه والسـرور (22).

الرقـص الحربــى

كان الرقص الحربى وسيلة مألوفة من وسائل التسلية للقوات العسكرية فى وقت راحتها وقد انعكس الطابع القومى للجنود على تلك الرقصات، ويمثل رقص الجنود الملونين مزيجاً سازجاً من حركات غير منظمة تصحبها صيحات التحدى ويحاول قارع الطبلة الكبيرة – التى لاتزال تستعملها بعض القبائل الزنجية فى أفريقيا حتى الأن – توجيه حركات الراقصين و تغطية الصيحات عن طريق صوتها التوقيعى، أما الجنود الليبيون فإنهم ينظمون الإيقاع بطرق قطع معكوفة من الخشب (بومورانج*) بعضها ببعض فى حين يمارس زملاؤهم المزودون بقطع خشبية معقوفة ايضاً رقصاً يمثل فى أغلب الظن لونا من ألوان المبارزة (23).

الرقـص التمثيلـى

هو فن يهدف إلى تمثيل الحوادث التاريخية أو قصص الحياة ومظاهرها المختلفة (24) و من اهم المشاهد الراقصة التى سجلتها النقوش الآثرية المصرية القديمة هى المشاهد التمثيلية، حيث الراقصة التى تصور لنا رقصة بعنوان “تحت قدميك” تقوم بها إمرأتان تمثل إحدامها ملكاً مصريا منتصرا على ملك او امير من الأعداء حيث نرى المرأة التى تمثل دور الملك المصرى التى تمسك بشعر المرأة التى تمثل دور العدو و تهم بالضرب على رأس العدو الجاثم تحت قدميها تعبيرا عن الإستسلام و طلبا للعفو والنجاة، ويصور لنا الفنان فى هذا المشهد الراقص مضمون هذه اللوحة التقليدية التى ظهرت فى بداية عصر الأسرة الأولى و التى تصور الملك مينا و هو يقبض على شعر عدو راكعا تحت قدميه و يهم الملك بضرب هذا العدو على رأسه و هو المشهد الذى اصبح تقليديا واستمر تصويره مئات المرات طوال حقبات التاريخ المصرى القديم (25).

ونلاحظ ان الفنان المصرى القديم فى هذا النقش الآثرى الذى رسم تصوير هذه اللوحة قد اكتفى بتصوير النتيجة النهائية التى تنتهى بها الرقصة التمئيلية و لنا ان نتخيل هذه الرقصة منذ بدايتها و نرى الراقصة التى تمثل دور الملك و هى تطارد الراقصى التى تمثل دور العدو كما نتخيل مشاهد المبارزة او الصراع الذى نشب بينهما حتى القى العدو سلاحه و أرتمى على الأرض مستسلماً تحت قدمى الملك المصرى المنتصر اما الإقاعات و الألحان الموسيقية التى كانت تصاحب هذا النوع من الرقص فإن تخيلها يعتبر ضرباً من المستحيل.

يذكر هيرودوت الذى زار مصر خلال القرن الخامس قبل الميلاد فى وصف الصراع الذى دار بين انصار حورس و أنصار ست الذى اشترك فى تمثيله على قرع عنيف من الطبول عشرات من الممثلين يحملون عصى و اسلحة رمزية و أنهمكوا فى الرقص الحربى العنيف و هو رقص ظنه هيرودوت انه صراع حقيقى بين الطرفين سقط فيه عدد كبير من الجرحى و القتلى رغم ان المصريين اكدوا له ان الأمر لم يعدو ان يكون تمثيلا متقننا لتأكيد أنتصار الخير على الشر و فكرة تجديد الحياة إلى أبد الأبدين.

الرقـص الموسيقـى

هو الرقص المصاحب بالفرق الموسيقية و كان الجنك و المزمار يؤلفان المصاحبة الموسيقية و هو نوع من رقص السمـر الذى تتمايل فيه الفتيات فى رشاقة و دلال و هن يقمن بحركات بارعة بالأذرع و الجذع و السيقان فى حين تصفق اخريات مع وقع اقدام الراقصات و كان هذا اللون من الرقص يمارس عادة فى المآدب و الحفلات لتسلية الضيوف (26)، و يؤكد على ذلك وصف الإغريقى من (سيراكيوز) للمأدبة التى اقامها احد ثراة مصر فى منـف و نذكر من وصفه ما يلى:

ووقع نظرى الأن على مجموعة من الموسيقيين مقبلين نحونا و فى أيديهم آلات موسيقية متنوعة تبينت من بينها الجنك و القيثارة و الكنـارة و المزمار المفرد و المزدوج و الدف و الصنج و قد غمرونا بفيض من الأغانى كان النظارة يصفقون إستحساناً لها، ثم استقر فى وسط القاعة – عند اشارة معينة –راقص و راقصة مزودين بالمصفقات* و قد رقص هذان الراقصان منفردين حيناً ومعاص فى شكل متناسق حينا أخر و كانا ينضمان معاً ثم يتباعدان ثم لا يلبثا ان يقتربا من بعضهما مرة أخرى و قد جرىالراقص الصغير وراء زميلته متتبعاً لها و قد بدت عليه تعبيرات رقيقة تنم عن الرغبة، اما الفتاة فكانت تهرب بإستمرار وهى تدور وتلف وكأنها ترفض محاولاته بعد هذه المطارحة الغرامية، وقد تمت هذه التمثيلية بشكل متناسق وبخفة ونشاط فبدت لى ممتعة للغاية (27).

كما اننا نجد ثلاث راقصات ترتدى إحداهن الملابس العادية للمرأة وقد مثلت فى وضع هادىء فى أحد المناظر الأخرى، اما الأخريتان فقد أرتدتا نقب الرجال ووضعت كل منهما – على غير العادة – نقبة تختلف عن نقبة الثانية حتى يتمكن الناظر من تمييز إحداهما عن الأخرى بسهولة وتتخذ كل منهما وضعاً متماثلاً يرمز إلى مخاطبة الفتاة التى تقف فى سكون أمامهما وهناك رأى ان الفتاتان فى زى الرجال غريمين يتنافسان على رضاء الفتاة.

الرقـص الجماعـى

إذا قصدنا بالرقص الجماعى تلك الرقصات التى تعوزها افكارا كامنة والتى يمارس الراقصون أثنائها حركات مختلفة تتصل ببعضها اتصالا وثيقا فيمكننا أن نميز فى المكان الأول تلك الرقصة التى يطلق عليها ” الدوران المـرح ” والتى يقوم بها صبيان وفتاتان هذا إذا اعتبرنا الدوران المرح اساساً نوعاً من الرقص.

و قد صور كذلك مجموعة من خمس راقصات تمارس كل منهن حركة مخالفة لما تمارسه الأخرى ويظهر على كل حال ان هذه الحركات مستقلة عن بعضها وترقص كل راقصة دون ان تكترث بالأخريات ولا يربط بين رقصاتهن سوى توقيت النغم.

وفى أشكال أخرى فالأمر مختلف تماما حيث تقوم صبية صغيرة بالرقص – مستعملة الصنوج* غالباً – بين راقصتين تلعب بأحدهما على الطنبور* وتعزف الثانية بمزمار مزدوج* وبينما قيدت الآلات الموسيقية حركة الفتاتين الناضجتين كان لدى الصبية الصغيرة مطلق الحرية فى حركتها ولا شك ان رقصها كان اكثر حيوية من رقص زميلتها اللتين اتاحتا لها وسطاً هادىء الحركة نسبياً.

وإذا كنا نقصـد بالرقص الجماعى – بمعناه الواسع – رقص اشخاص يمارسون حركات متماثلة فيجب علينا عندئذ ان ندخل ضمن هذا النوع من الرقصات الجنائزية الطقسية، التى لم تكن فى الأصل رقصات جنائزية ولكنها اضحت كذلك فيما بعد نتيجة لقدمها وتخلب مجموعات الراقصين بهذه الطريقة (28).

الرقــص الدينــــى

كان الرقص فى مصر القديمة جزءاً لا يتجزأ من الخدمة الدينية، كما كان فى بيقية الأمم القديمة، فقد كانت للآلهة القديمة كافة خصائص البشر ولذا لم يكن بالغريب أن يسيروا بالرقصات الجميلة، و قد قال الحكيـم آنـىفى تعاليمه*:- [الغنـاء والرقص والبخـور هى وجبـات الإله. وتقبل العبادة هى من حقوقه. أعمل على ان يبـارك اسـم الإله].

وطبقاً لتعاليم ” آنـى ” كان البخـور يحرق و الرقص و الغناء يمارس تكريماً للآلهـة وبالتالى فقد كان الرقص جزءاً لا يتجزأ من الخدمة الدينية و ليس لدينا اى تسجيلات تدل على ما كانت عليه تلك الرقصات، و لكن بما ان القزم الراقص الذى جلب لذلك الملك ” پيپى نفركارع ” قد مارس رقصات مقدسة فيمكننا أفتراض ان الرقصات التى كانت تقام لعبادة الإله لم تختلف عن تلك التى كانت تمارس لتسلية الملك الذى كان يعد فى مصاف الآلهة كذلك وغيره من الأشخاص المبرزين (29).

المراجع

1- مختار السويفى: ام الحضارات ملامح عامة لأول حضارة صنعها الإنسان، القاهرة 1999، صــ 243.

2- ايرينا لكسوﭬـا: الرقص المصرى القديم , ترجمة محمد جمال الدين مختار، مراجعة عبد المنعم ابو بكر ،القاهرة 1961 صـ 5.

3- هانى عبدالله الطيب: مقابر الأفراد فى الأسرتين الخامسة والسادسة بسقارة (دراسة مقارنة بين مناظر الحياة اليومية)، رسالة ماجستير، الجزء الأول، القاهرة 2007، صـ 425.

4- هانى عبدالله الطيب: المرجع السابق، صـ 425.

5- ايرينا لكسوﭬـا: المرجع السابق، صـ 24-25.

6- هانى عبدالله الطيب: المرجع السابق، صـ 427.

7- ايرينا لكسوﭬـا: المرجع السابق، صـ 25-26.

8- إيرينا لكسوفـا: المرجع السابق، صـ 24.

9- هانى عبدالله الطيب: المرجع السابق، صــ 428.

10- هانى عبدالله الطيب: المرجع السابق، صــ 428.

11- عائشة محمود عبد العال : لوحات افراد الدولة الوسطى (مجموعة المتحف المصرى بالقاهرة)، رسالة ماجستير، القاهرة، 1995 ، صـ 236.

12- ايرينا لكسوﭬـا: المرجع السابق، صــ 29.

13- هانى عبدالله الطيب: المرجع السابق، صــ 428 و شـرح الطالب.

14- ايرينا لكسوﭬـا: المرجع السابق، صــ31.

15- إيرينا لكسوفـا: المرجع السابق، صـ 31.

16- شرح الطالـب.

17- رمضان عبده على: حضارة مصر القديمة منذ اقدم العصور حتى نهاية عصور الأسرات الوطنية، الجزء الثالث، القاهرة،2005، صـ 184.

18- ايرينا لكسوﭬـا: المرجع السابق، صــ 40.

* رقصة الـMuu :- هى رقصة يلبس فيها الراقصون تيجان من الغاب غريبة الشكل و يقومون برقصة متوارثة منذ اقدم العصور.

19- هانى عبدالله الطيب: المرجع السابق، صــ 428.

20- مختار السويفى: المرجع السابق، صــ 253.

*هناك نوعان من الأقزام عند القدماء المصريين :-

الأول: و كان معروفاً منذ الأسرة الأولى و هم من المصريين الذين أصيبوا بتشوهات خلقية و كان هؤلاء يكلفون بحرف أو أعمال معينة مثل الحياكة و الصياغة و النحت أو تربية الحيوانات الأليفة او تسلية السادة فى حين عمل البعض فى الحقول.

الثانى: فكان من الأفارقة و كانوا يعملون فى المعابد و لقبوا براقصى الآله , و هذا هو النوع المذكور بالبحث.”راجع عبد العزيز صالح ’ مصر و الشرق الأدنى القديم ’ القاهرة ’ 1960 ’ صـ 230.”

21- ايرينا لكسوﭬـا: المرجع السابق، صــ 39, 40, 41, 42, 43, 44.

22- منى زهير احمد: الرموز المقدسة فى ادوات الزينة فى مصر القديمة حتى نهاية عصر الدولة الحديثة، رسالة ماجستير، القاهرة، 1999، صـ 80.

* هـو نوع من العصى المعقوفة كان يستخدم فى قنص الطيور.

23- ايرينا لكسوﭬـا: المرجع السابق، صــ 32, 33, 39.

24- رمضان عبده على: المرجع السابق، صــ 185.

25- مختار السويفى: المرجع السابق، صــ 247, 248, 251.

26- رمضان عبده على: المرجع السابق، صــ 185.

* تتكون من قطعتين مستديرتين و جوفتين من الخشب توضعان فى الكفين فتنتظم خطوات الرقص على دقاتهما.

27- ايرينا لكسوﭬـا: المرجع السابق، صــ35’ 36.

* مجموعة من ألات العزف المصاحبة للراقصين وسوف نتعرف عليها فيما بعد.

28- إيرينا لكسوفـا: المرجع السابق، صـ 31-32.

* تحوى تعاليم آنى مجموعة ممتعة من النصائح والحكم دونت على أوراق البردى المحفوظة الأن بالمتحف المصرى.

29- ايرينا لكسوﭬـا: المرجع السابق، صــ 45’46’47.

التعليقات