التخطي إلى المحتوى
لماذا إهتم المصري القديم بالماضي؟ ثقف نفسك
لماذا إهتم المصري القديم بالماضي؟ ثقف نفسك
لم تكن العلاقة مع الماضي في الحضارة المصرية القديمة تقتصر على مجرد أحداث عظيمة وقعت في زمان عتيق ، بل هي تختص بفكرة التذكر المستديم لما قام به الأسلاف بهدف تأطيرها في ( نموذج مستقبلي ) يتعلق بالتخطيط و بعث الأمل ، بمعنى أن تذكر الماضي المجيد يؤدي التخطيط الجيد في المستقبل و لعل التساؤل الذي يفرض نفسه في هذا المضمار : هل الماضي كماضي موجود بذاته ؟ و ما هو مفهوم الماضي ؟إن الماضي في أي حضارة قديمة ( و ليس فقط الحضارة المصرية القديمة ) ليس موجودا بذاته ! و إنما ينشأ في المقام الأول في اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بربط نفسه و مصيره بما وقع أو حدث . و مثل ذلك الأمر قد يثير الدهشة لدى القاريء ، فما من شيء في الوجود أكثر طبيعية مثل نشأة الماضي : فالماضي ينشأ ببساطة عن طريق أن الوقت يمضي ، و لهذا يحدث مثلا أن اليوم يصير في الغد ماضيا و يصبح جزءا من الماضي ، فاليوم يصبح عندئذ أمس و هكذا ينشأ الماضي على نحو واضح.

و هنا ينبغي لنا أن نشير لأمر هام : أن المجتمع المصري القديم بذل كل ما في وسعه و قام بتسخير كل ما لديه من طاقات و قدرات لكي يجعل الماضي في معظم الأحيان في حالة دوام مستمر و هكذا بدت جميع خطط هذا المجتمع المستقبلية متسقة مع مبدأ الخلود و لذلك السبب وضع الملوك في مصر القديمة ( الغد نصب عينيهم ) كما كانوا يروون بأنفسهم . إن من ينظر بهذه الطريقة إلى ( الغد ) و هو لا يزال يعيش في ( يومه ) لابد أنه سيسعى للحفاظ على ( الأمس ) من النسيان و الضياع و لابد أنه سيحاول تخليده عبر الذكرى التي ستنشأ مع الأجيال اللاحقة في المستقبل.

و لكن هل يصل لنا الماضي بنفس صورته التي حدثت في أول مرة ؟

إن الماضي في أي حضارة بشرية قديمة ( و لا نستثني الحضارة المصرية القديمة من ذلك الأمر ) أثناء تذكره تتم إعادة تركيبه و إعادة صياغته من جديد و يظل هذا ( الماضي المركب ) في ذكرى الأجيال اللاحقة و بهذا المعنى قصدنا ما كنا نتحدث عنه في البداية بأن الماضي ليس موجودا بذاته و إنما ينشأ بالقدر نفسه الذي ينسب الإنسان نفسه إليه و يتصل به.

و لكن كيف يتصل الإنسان في الحضارة المصرية القديمة ( و في أي حضارة بشرية قديمة ) بهذا الماضي ؟

ينبغي قبل أي شيء أن يكون هذا الماضي باقيا في الأذهان و حيا في الشعور و لكي يتحقق ذلك لابد من وجود شرطين هامين هما :

1 – ينبغي أن لا يكون الماضي الذي نتناوله قد إنمحى تماما أو بمعنى أدق لابد من وجود شواهد معنوية و دلائل مادية من هذا الماضي

2 – أن تكون هذه الشواهد و الدلائل في حالة إختلاف ظاهر و مميز مع كل ما يقع في الحاضر ( اليوم )

و لكي نفهم النقطة الثانية جيدا نقول أن الماضي المجيد لن يظهر لنا كنموذج طيب و يحتذى به إلا بعد ( حدوث قطيعة غائرة ) تعيق عملية ( التواصل ) داخل المجتمع نفسه بين ( ما كان ماضيا ) و ما هو ( كائن اليوم ) و هذكا ينشأ الماضي . و لذلك فقد كانت البدايات الجديدة لبعض فترات التاريخ المصري القديم تأخذ دائما شكل العودة و الرجوع إلى الماضي و بقدر ما كانت هذه البدايات المصرية متجهة نحو المستقبل و تسعى لكي تفتح آفاقه بقدر ما تنتج الماضي في الوقت نفسه و تعيد تركيبه و مونتاجه لأجل إكتشافه من جديد . ألم ينظر ملوك الدولة الوسطى لأنفسهم بوصفهم من أعادوا إحياء ماضي الملوك القدماء ؟ ألم ينظر ملوك الدولة الوسطى لعصرهم بأنه عصر النهضة ؟ فالإسم البراجماتي ( النفعي ) الذي أطلقه مؤسس الأسرة الثانية عشرة على نفسه هو ( آمون إم حات ) و يعني وفقا للترجمة الأدق علميا و منهجيا ( آمون في العهد الأول ) و المقصود بآمون في هذا السياق هو الملك نفسه ، الأمر الذي يؤكد إنتهاج سياسة العودة إلى الماضي و لعل أهم الأمثلة العملية التي تعكس عودة هؤلاء الملوك لماضي مصر القديمة هي :

1 – قام ملوك الأسرة الثانية عشرة بإستعارة صورا فنية و أشكالا معمارية و مناظر طقسية من ملوك الأسرتين الخامسة و السادسة.

2 – أقام هؤلاء الملوك شعائر تخليد الذكرى و عبادة أسلافهم من ملوك العصور السابقة .

3-إهتم هؤلاء الملوك بتدوين مجموعة من الموروثات و الحكم الأدبية وزعموا أنها ترجع لأسلافهم الذين عاشوا في عصر الدولة القديمة و عصر الإنتقال الأول.



4-إتخذوا من شخص الملك سنفرو مثالا لأنفسهم يحتذى به و هو ملك عاش في بدايات الأسرة الرابعة و أطلقوا عليه ألقاب (الملك الفاضل) و (الملك العادل) و (الملك الطيب).

و بكل هذه الأنماط و السياسات المختلفة إستطاعوا أن يقيموا الملكية المصرية بمفهوم الماضي الذي لا يزال حيا في أذهان الناس و هو ماضي طيب و يحمل ذكرى عطرة لدى القوم و من هنا تتأسس الثقة بين الملكية و الرعية و يتم إضفاء الشرعية على سياستهم المستقبلية.
ولكن ما الذي جعل المصري القديم يهتم بمفهوم الإهتمام بالماضي وعدم نسيانه أبدا ؟
مما لاشك فيه أن ذلك الإهتمام إرتبط بفكرة الموت ، فهي التجربة العملية التي تفصل بين التذكر و النسيان و بين الإحتفاظ و الزوال ، فالموت هنا بمثابة المشهد الأول لتجربة الإنفصال و القطيعة بين ( ما كان أمسا ) و ( ما هو كائن اليوم ) و لهذا السبب إهتم الإنسان في مصر القديمة بإستدامة ذكراه بعد موته لدى ذويه و الآخرين و كانت القاعدة المتبعة هي :

أن الميت يعيش في ذكرى الأجيال اللاحقة كما لو كان لا يزال يعيش فعليا بين الناس و على الأرض.

فلا ينبغي أن يتم نسيانه أبدا و يجب أن يظل إسمه يتردد في الأفواه و عالقا في الأذهان . و لكن من جانب آخر نجد أن عملية إحياء و إنعاش حياة هذا الميت تتم من خلال الأجيال اللاحقة ، فالميت هنا يدين بالفضل لعزيمة الخلف الذين لم يتركوه يقع في أغوار النسيان و الضياع . فالخلف هنا يسعى لكي يحافظ على إنتماء ذلك السلف إليهم كعضو في جماعتهم عن طريق تذكره و إقامة طقوس عبادته و هكذا ينتقل السلف دائما إلى حاضر الخلف و بشكل مستمر و لا إنقطاع فيه.

و يجدر بنا هنا أن نشير أن أهم ما تميزت به الحضارة المصرية القديمة عند إستحضار ماضي السلف هو عدم الإكتفاء بذكرى الميت و تبجيله بعد موته بل السعي لتأسيس هذه الذكرى بينما لا يزال الإنسان على قيد الحياة فقد كان الموظف في الدولة المصرية القديمة يبني مقبرته بنفسه و يأمر بنقش سيرة حياته فيها ، و لكن ليس بغرض كتابة مذكرات أو بهدف كتابة تاريخ و إنما بمغزى تأبين و إستحضار سابق لذكرى ميت قبل أن يموت.

التعليقات