التخطي إلى المحتوى
الملكة نفرتيتى (بحث كامل بالصور)
الملكة نفرتيتى (بحث كامل بالصور)

نفرتيتى “ها قد أتت الجميلة”

مقدمة

لا أخفيكم سرا فإن الملكة نفرتيتي تعنى الكثير للمصريين على وجهة العموم ولأهل المنيا على وجه الخصوص، فهي الشعار الرسمي لمحافظة المنيا، وهى جزء من تاريخ المنيا التي كانت عاصمة الإمبراطورية المصرية في يوم من الأيام، وأيضا لم يخلوا منتجا في المنيا أو منتجع سياحي إلا وعليه اسم الملكة نفرتيتي أو اخناتون أو حتى المعبود آتون نفسه، وذلك لتعلق أهل المنيا بتلك العائلة المُوحِدة إلى الآن، من هنا أردت أن نجول سويا في حياة الملكة العابدة الموحدة نفرتيتي، والتي أخلصت لمعبودها إلى ابعد الحدود، حدا فاق اخناتون نفسه كما سنرى فى البحث.

فمن خلال البحث سنتعرض لجمال نفرتيتي وحسنها الذى فاق الوصف، وأيضا ألقابها وأسماؤها، ونسبها وحسبها، ونثبت أيضا فى البحث أن نفرتيتي مصرية 100%، وزواجها من اخناتون ،ونذكر بناتها مع التعرض لكلا منهن بنبذة قصيرة للتعرف على جزء من حياتها ودورها فى الحياة السياسية، وحياتها فى القصر، وعلاقتها بالمعبود آتون، والصراع الذي دار بين اخناتون ونفرتيتي إلى حد أن اعتزلت فيه نفرتيتي اخناتون فى أخر حياته، وأيضا الصراع مع سمنخكارع وكيف لهذا الأخ الشقيق لاخناتون استولى على الملك اخناتون لدرجة انه أخناتون أعتبره زوجته ومثل معه فى مشاهد تقشعر لها الأبدان، والتى أيضا من خلال البحث سوف نعرض كل الآراء حول تلك الحادثة، فسنذكر من أدان أخناتون وسمنخ كارع ومن قال أن هذا افتراء عليهما، وأيضا سنذكر كيف سارت الأمور من بعد موت اخناتون وأيضا المكر والحيلة التي استخدمتها الملكة نفرتيتي فى الحيلة ما بين سمنخكارع وحكم مصر.

وأيضا لم نغفل دور تل العمارنة ومكانتها وازدهارها في فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز العشرون عام تقريباً وصلت فيه مدينة آتون (أخت آتون) إلى حد فاق الخيال، نافست به طيبة ومنف وهليوبوليس، وكما يقول أدولف أرمان عالم المصريات الشهير:

حين نلقى نظرة بعد آلاف السنين على مملكة تل العمارنة فنتجه نحو رؤية عالم تظله السعادة وتباركه أشعة الشمس، وزوجان ملكيان مع بنات صغيرات لطيفات، ومدينة مليئة بالمعابد القصور ومساكن وبحيرات، كل هذا محاط بهالة من الأيمان المرح الذي لا يعرف إلا الصلوات لشكر الخالق المملوء طيبة، ولا يعرف إلا العدل نحو الغير وكان هذا شئ عجيب ونادر فى العالم من قبل، ولم يكن الفقر والهموم بعيدين عن تل العمارنة فكان مثل أي شئ آخر.

وصف وشكل الملكة نفرتيتي :

كانت نفرتيتي فتاة تصغر اخناتون ببضع سنوات حين تزوجها ،اقصر منه قامة وأجمل تكوينا ،وكان رأسها يرتفع فوق عنقها النحيل مثل زهرة اللوتس، وكانت ملامحها ونسب جسمها غاية في الجمال، لها عيون واسعة مستطيلة وأنف مستقيم وشفتان مكتنزتان تطوقان فما رقيقا، وذقن بديع المثال، وكانت كاملة التكوين لدرجة نراها في التمثال الشهير والذي يمثل الجزء الأعلى من جسمها كامرأة متقدمة في السن وهو التمثال الذي عثر علية المستكشفون الألمان ضمن أنقاض مرسم أحد النحاتين في الخرائب التي كانت تعلوها الرمال بتل العمارنة.(1) حتى بالرغم من أنها كانت تضع على رأسها التاج الطويل البسيط دون أن تنفلت من تحته خصلة واحدة من شعرها لتزيد من جمال خطوط وجهها، فإنها تعتبر من أجمل حسناوات العالم الشهيرات.(2)

وما من شك في أن جمال نفرتيتي أصبح أسطورة لأن الناس كانوا يحتشدون في جماعات لرؤيتها أينما ذهبت مع زوجها. إنها ايزيس الأم العظمى نفسها، جاءت إلى الأرض متجسدة في صورة فتاة، وكانت عقود الزهر تلقي عند قدميها الصغيرتين، وكانت أجمل الفتيات يسكبن العطور النادرة على رأسها ويعطرون العقد المكون من قطع على شكل أوراق الزهور والمرصع بالجواهر التي كانت تطوق به جيدها.(3)

أسماؤها وألقابها :

Nfertii.ti

كما كتب بطرق أخرى في أخر عهد اخناتون مثل

Nfr-nfrw-itn-nfrtii.ti

نفر-نفرو- آتون –نفرتيتي والاسم يدل على اعتناقها لديانة الإله آتون

ويري الدكتور سيد توفيق أن كتابة اسم نفرتيتي بهذه الطريقة لم يكن بمحض الصدفة، وان هناك أسباب لكي تفضل كتابته بهذه الكيفية، ويمكن ملاحظة هذا السبب إذا لاحظنا النقوش الدينية الخاصة بالملكة سواء وحدها أو برفقة زوجها عندما تتعبد للإله آتون تحت قرص الشمس، أو في المناظر تحت الأشعة المتدلية من قرص الشمس والتي ترسل إلى أسفل رمز (الحياة والسلطة “السيادة”) إلى الملك والملكة فقط وليس لأحد من أفراد العائلة، ولقد حرص الفنان المصري –تعبيرا لرغبة الزوجان الملكيان – أن يعبر عن العلاقة الوطيدة بين الملك والملكة والإله آتون الذي هو دائما فوقهما، ومن هنا حرصت على إظهار اعتناقها لتلك الديانة، وفى معظم النقوش فهي تقدم القرابين من الملك اخناتون للإله آتون.

أما اسم نفرتيتي فيعنى حرفيا (الجميلة قادمة)، ولقد ذهب البعض إلى التدليل عن أصلها الأجنبي استنادا إلى معنى الاسم، بينما يرى البعض أن الاسم مصري ولا يوجد سبب أن نفترض أن الاسم يعنى أنها من أصل أجنبي وخاصة إذا عرفنا أن أسماء الإناث المصريات قد اتسمت بطابع العذرية والطرافة مثلما الحال اسم الملكة نفرتيتي.(4)

أمما الألقاب الملكية التي أغدق بها عليها اخناتون والتي تظهر في نقوش مقابر تل العمارنة فهي:

سيدة الحسن

الزوجة الملكية العظمى

سيدة مصر العليا والسفلى

سيدة الأرضيين

الأميرة الوراثية

نفرتيتي تقدم الورد لاخناتون

نفرتيتي تقدم الورد لاخناتون

وفى نهاية حكم اخناتون، أشير إليها بلقب جديدة أمكن ملاحظته في مقبرة مري رع الثاني بالعمارنة وذلك فى خمسة مناظر باقية واللقب هو (الزوجة الملكية العظمى)(5).

عائلتها ونسبها :

لا نعرف شئ عن والديها حيث أنهما لم يردا في أي نص، وهناك الكثير من الآراء والاستنتاجات عن أصلها، فالبعض يعتبرها أميرة وراثية باعتبارها ابنة لأمنحتب الثالث والملكة (تى) أو أن أباها أمنحتب الثالث بزواجه من ابنته (سات آمون) قد أنجب الوريثة نفرتيتي، والتي تزوجت من أخيها أمنحتب الرابع سوف تدعم حقه في وراثة العرش تبعا للتقاليد.(6)

بمعنى أن أباها أمنحتب الثالث وأمها لم تكن الزوجة الرئيسية، أي أنها أخت غير شقيقة لأمنحتب الرابع، غير أن علماء المصريات لم يعثروا بين ألقابها أي دليل إلى أنها كانت تحمل لقب الابنة الملكية أو الأخت الملكية وهو اللقب الذي كان لابد وان تحمله إن كانت حقا ابنة ملكية أو أخت ملكية.(7)

يبدو أن نفرتيتى كانت ابنه احد كبار النبلاء وكان يدعي “آي” والذي سوف يحمل لقب فيما بعد اسم (آى حمى الملك)، أما عن أمها فقد توفيت وكانت الزوجة الثانية لـ “آى”، وتسمى “تى “ويطلق عليها “المرضعة الكبرى” أو “الأم المرضعة الملكية”(8).

ويذكر عالم المصريات نيقولا جريمال فى كتابة تاريخ مصر القديم أن اخناتون قد تزوج ابنة خاله نفرتيتي، وهى ابنه “آى” و”تى الثانية”، بمعنى أنها حفيدة “يويا”و”تويا”.(9)

نفرتيتي مصرية 100%:

يعتقد البعض أن الملكة نفرتيتي من أصل آسيوي، وأنها تنتسب إلى أسرة أجنبية غير معروف موطنها الأصلي، وكما جرى العرف في مصر القديمة اختارت لنفسها اسما مصريا ًبعد أن استقرت فى البلاد، أو أنها أميرة ميتانية أرسلت إلى البلاط الملكي للفرعون من غرب آسيا، وربما كانت فيما يري البعض هي نفس الأميرة الميتانية (تادخيبا) ابنة (توشراتا) والتي أرسلت لتتزوج من أمنحتب الثالث ثم ورثها الابن عن الأب، ويعتمد أصحاب هذا الرأي على ما يرونه من أن ملامح نفرتيتي أجنبية ، والى أن اسمها (الجميلة قد أتت) ومن ناحية أخرى على تعصبها الديني للعبادة الأجنبية التي تزعم أصحاب هذا الرأي أنها عبادة من أصل أسيوي.(10)

ولكن يقف ضد هذا الرأي ثلاث قرائن هي :

أولا) أن زواج الفراعين بالأميرات الأجنبيات كان يحدث لأمور سياسية.

ثانيا) أن اسمها الذي يعنى الجميلة قادمة اسم مصري ولا يمكن أن يكون من ميتانى أو أصل أجنبي.

ثالثا) أن مرضعتها مصرية.

رابعا) أن لنفرتيتي أخت مصرية هي (موت نجمت) زوجة حور محب الذي أصبح فرعونا فيما بعد نهاية الأسرة الثامنة عشر.

زواجها من أخناتون :

كان الزواج أولى المشاكل للملك أمنحوتب، فنظراً للتقاليد فكان يجب عليه الزواج من أخته (سات آمون) الوريثة الملكية الكبرى، ولكنه كان يحب ويثق بنفرتيتي، وقد أيدته الملكة (تى) في ذلك، حيث رغبت فى أن يكون سعيدا كما كانت هي سعيدة مع والده، ذلك الزواج القائم على الحب فقد رأت الملكة تى فى نفرتيتي وفاءاً سيحتاجه ابنها ليحفظه ثابتا خلال سيره فى الطريق الثوري القاسي والإصلاح الديني.

إلا أن (سات آمون) كانت هي أيضا ابنتها وكان يجب أن لا تضار أو تشعر أنها نحيت جانبا، وربما أستطاع الزمان أن يحل المشكلة كما يفعل أحيانا، فلتستمر”سات آمون” في لعبها لفترة من الزمان ويمنع الحديث عن زواج فرعون لمدة عام أو عامين.(11)

وبمرور الوقت حُلت المشكلة ولكن بطريقة قاسية، فقد مرضت “سات آمون” وتوفيت، وقبل أن يكون أمام حزب الكهنة فرصة لإقرار زواجه من أحدى أخواته الثلاثة الباقيات، وهى الأميرة (تاخعيت) التي أصبحت الوريثة للعرش فقد أعلن أمنحوتب رغبته فى أن يتخذ نفرتيتي زوجة له وقد أيدته أمه الملكة (تى) وأحتفل بزفافه وهو في السادسة عشرة من عمره.(12)

تمثال لاخناتون ونفرتيتى فى فترة الشباب

تمثال لاخناتون ونفرتيتى فى فترة الشباب

وبذلك أصبح الفتي والفتاة اللذان كان طوال حياتهما يلعبان معا زوجا وزوجة، واستبدلا بملابسهما التي كانت لا يعنيان بها ملابس رسمية، وغطى شعرهما الأسود أمام الناس بالتاجين وبأغطية الرأس التي ترمز إلى وضعهما نصف الإلهي، كما ترك زورقهما الصغير المصنوع من سيقان البردي، وأصبح الآن يضجعان على الأريكة المريحة في السفينة الملكية المسماة (آتون يضئ)، التي كانت تنساب أمام مياه بركة القصر ويقوم الأرقاء بتسييرها والتجديف فيها. ما أجمل زوجته الصغيرة وما أجمل عينيها اللتين يشعان بالسعادة، ولم يكن يحس بالخجل وهو يمسك يدها أو يقبلها أو يلمس وجنتيها ويظهر حبه للدنيا كلها.(13)

أبناء نفرتيتي :

كانت أسرة اخناتون قبل أن ينتقل إلى تل العمارنة مكونة من الملك والملكة نفرتيتي والأميرة” ميرت اتون”، وبعد ذلك ولدت الملكة بنتين آخرتين هما “مكت اتون “و”عنخ اس ان با آتون”.(14) ولكن يتفق معظم علماء المصريات بأن أمنحت الرابع لم يكن له من زوجته الرئيسية نفرتيتي أبناء ذكور، فقد أنجب الزوجان بنات بلغ عددهن 6 وهن:

1- الأميرة ميرت آتون:

ويعنى اسمها محبوبة آتون وتظهر فى النقوش طفلة تتدرج فى عامها الثاني من حكم والدها، عندما بدأ فى بناء معبد آتون بالكرنك حيث ظهرت في النقوش المبكرة مصاحبها لأمها الملكة نفرتيتي باعتبارها ابنة الملك من صلبة التي تحبه (مريت آتون) المولودة من الزوجة الملكية العظمي نفرتيتي لها الحياة.(15)

مريت اتون (متحف ملوى)

مريت اتون (متحف ملوى)

2- الأميرة (مكت آتون):

ويحتمل ولادتها في طيبة في العام الرابع من حكم أبيها، حيث ذكرت “مكت آتون” وأختها الكبرى “مريت آتون” على ثلاث من لوحات الحدود التي يرجع تاريخها إلى تلك الفترة، ويبدو أنها قد توفيت في العام الثاني عشر من الحكم حيث ظهرت مع والديها وإخوتها فى العام الثاني عشر في احتفال الوفود الأجنبية، وقد دفنت في المقابر الملكية بالعمارنة.(16)

3- الأميرة عنخ اس ان با آتون:

الأميرة الثالثة (عنخ اس ان با آتون) حياة آتون وقد ولدت نحو العام الثامن من حكم أبيها، ولدينا نقش من نصوص لوحات الحدود المؤرخة بالعام السادس من حكم اخناتون، أضيفت إليه دباجة مؤرخة من العام الثامن عليها صورة واسم الأميرة (عنخ اس ان با آتون) مما يشير إلى ولادتها في تلك الفترة وأنجبت منه طفلة ربما في العام العاشر من حكمة سميت على اسم أمها (عنخ اس ان با آتون تاشرى الصغرى) ويبدو أنها قد تزوجت من أبيها أخناتون ثم من توت عنخ آتون.(17)

4- الأميرة نفر نفرو آتون تاشرى:

ويعنى أسمها جميلة جميلات آتون الصغرى. ولا نعلم عنها شئ، وكل ما نعلمه ان ملك بابل أرسل خطابا إلى اخناتون نفهم منه أن إحدى بنات الفرعون كانت زوجة لأحد أولاد هذا الملك، ولكنها كانت تسكن فى قصر والدها، ولابد أن هذا الزواج كان بالوكالة، ولم يكن فى بنات اخناتون ما هى فى سن الزواج إلا كبراهن، ونحن نعلم أنها تزوجت من سمنخكارع، فمن المحتمل أن هذا الأمير البابلي قد تزوج من احد صغيرات بنات الفرعون ولكنه فى الوقت نفسه أبقاها عند والدها.(18)

5- الأميرة نفر نفرو رع:

ويعنى اسمها (جميلة جميلات رع).

6- الاميرة ستب ان رع:

ويعنى اسمها باللغة المصرية القديمة (المختارة من رع).

ويمكن القول من أن بنات نفرتيتي التسعة قد ولدوا أثناء السنوات التسعة الأولي من حكم أبيهن وذلك اعتمادا على اسم المعبود آتون، والذي يبدو أن اعتراه التغيير حوالي العام التاسع من حكمه، ولقد تميز الثلاثة الأوائل منهن بأهمية اكبر، بينما الثلاث بنات الأخريات الصغار فلسنا نعرف عنهن كثيرا.(19)

مكانة نفرتيتي :

تعد الملكة نفرتيتي – بإستثناء زوجها – من أهم الشخصيات في عصر العمارنة، واقترن اسمها غالبا باسم اخناتون على النقوش، ومثلت بوجهها معه في اغلب المناظر سواء الأسرية أو الرسمية، وقد ظهرت نفرتيتي على بعض بقايا نقوش معبد الكرنك (أحجار التلاتات).(20)

وقد مثلت مثل زوجها تقريبا تقدم القرابين إلى قرص الشمس، وظهرت في لوحات حدود مدينة (أخت آتون) مع زوجها بنفس حجمه –وأحيانا خلفه- وهما يتعبدان للإله آتون ويعتقد أنها كانت تمتلك على الأقل ثلاث معابد في طيبة تظهر وحدها بدون اخناتون تقدم القرابين لآتون.

دورها فى العاصمة الجديدة :

أصبحت نفرتيتي تكره بيتها (بسبب الصراعات التي كانت تدور من حولها) وتاقت الرحيل إلى أي مكان أخر حيث لا تكون هناك أشباح ولا نظرات مؤنبة، ولا معابد مغلقة، وسوف يشب الأولاد في جو من البهجة حيث يحكم آتون وحدة بكل عظمته، ولا تكون للآلهة القديمة قوة تسبب لها الكآبة، وقد بحثت الأمر مع اخناتون، يجب أن يكون المكان الذي ستقام فيه المدينة الجديدة ،بم يفسده إنسان، ولم يعيش فيه أحد من قبل.

ولكن أين هذا المكان ؟

وفجأة تذكرا الهلال الواسع من الأرض الخصبة البكر الذي كان قد رأياه من السفينة في شهر العسل ،والذي كان ربان السفينة قد وصفة بأنه (عالم صغير مستقل) هذا هو المكان الذي ستقام فيه مدينة آتون الجديدة. (في مكان لا يملكه أي إله أو إلهة أو أمير أو أميرة) كما قال اخناتون فيما بعد.(21)

كانت نفرتيتي مخلصة لهذا الحلم الكبير وهو بناء مدينة جديدة لم يلوثها عبادة إلهة من قبل، كانت نفرتيتي تحمل كل صفات الأنوثة الرقيقة والعاطفة الجياشة والوجه الجميل ومع كل ذلك كانت تحمل صفات ورثتها من الملكة (تى) وهى الصبر والدهاء وقوة الإصرار، فعملت على تهدئة الزوجات الثائرات بسبب إجلاء اخناتون لأكثر من عشرون ألف من المواطنين والعمال والعلماء إلى مدينته الجديدة للعمل فيها وتشييدها، ووعدتهم بان اخناتون سوف يغدق عليهم من نعمة الكثير بعد الانتهاء من أعمار المدينة الجديدة.

وسوف يكون في استطاعة كل أسرة أن تبنى بيتا رائعا وتنشئ بركة وحديقة لزراعة أزهار اللوتس الجميلة ليلعب أولادهم فيها بسلام كما كانوا في طيبة ،وهواء الصحراء أنقى وأجف من الهواء فى طيبة التي كانت محاطة بمساحات واسعة من الأراضي الزراعية والأراضي التي تغمرها مياه الفيضان ،وسوف تقوم هى شخصيا بإنشاء حديقة نباتات طيبة تنمو بها كل الأخشاب  الطبية المعروفة لعلم الطب.(22)

وإذا ظللنا بعد كل هذا متذكرات بوجوه عابسة فإنها سوف تقول لهن ببرود: ((أولئك الذين يأتون بمحض رغبتهم إلى (أخت آتون) فسوف يلاقون الترحيب ويحمد لهم عملهم ولكن أولئك الذين لا يأتون بمحض رغبتهم فأنهم يستطيعون البقاء في طيبة الصامتة التي سوف يتحول عنها تيار الحكم والقوة والإدارة والتجارة، وحيث لا يكون لهم اتصال بفرعون ، الم يفهموا أمرة الملكي ؟ أن كل أهل البد سوف يأتون إلى هنا لأن العاصمة الجديدة أخت آتون ستصبح عاصمة أخرى وسأمنحهم المثول بين يدي سواء كانوا من الجنوب أو الشمال أو الشرق أو الغرب)).

ومن هذا النص يتضح لي شيئين هامين جدا ًهما :

أولهما: دور الملكة نفرتيتي في ترغيب الشعب وتهدئة الزوجات الثائرات بسبب فرق طيبة والذهاب إلى مدينة في الصحراء عرفوا أنها قريبة من منف والتي يسود جوها في الشتاء البرد القارص مما يعرض أولادهم للخطر والموت كما كانوا يعتقدون، هذا الدور في الترغيب ومن بعدة الوعود الجيدة عمل على زيادة عدد الراغبون في القدوم إلى أخت آتون وأن بم يكونوا بالكثيرين فان هذا العمل أعطى الطمأنينة لقلوب من سيذهبون إلى آخت آتون وهو دور هام جدا لا يقل بأي حال من الأحوال عن دور أخناتون نفسه.

ثانيهما: ذكر في التاريخ المزور والذي لفقه كهنة آمون أن اخناتون قام بأجلاء أكثر من عشرون ألف من سكان طيبة بدون رغبه منهم وتحت جبروته وقوته ساقهم إلى القتل في المدينة الواقعة في الصحراء والتي تسكنها الوحوش الضارية والذئاب كما كان يروج لها كهنة آمون، فمن خلال هذا النص يتضح لنا أن عملية الأجلاء كانت بمحض أرادت العمال والفنانين والعلماء أنفسهم وليس أجباراً من اخناتون أو جنوده.

وهنا لابد لنا أن نشير إلى مدينة أخت آتون سريعا، فقد أظهرت لنا الحفائر وجود بقايا جذوع الأشجار والنباتات، ويقص علينا احد سكان تلك المدينة “أنها كانت كبيرة ولها سحرها، تبهر العين بجمالها وتشبه الحلم”.(23)

أطلال القصر الكبير

وعلى الرغم من أن الحفائر الحديثة والتى بدأت فيها منذ عام 1892والتى لم تظهر إلا أساسات المباني الرئيسية، إلا أننا يمكننا أن نقدر أن تلك المدينة قد شيدت بذوق رفيع جدا، ويحميها من الشرق الوديان الصحراوية، وأقيمت بها ثلاث قصور، وفى سفح الجبل نحتت مقابر الأشراف وكبار الموظفين، وعلى الشرق حفرت مقبرة كبيرة للملك وعائلته، ودفنت فيها الأميرة “مكت اتون”، ونرى على حوائط تلك المقابر مناظر للبيوت والقصور، وتلقى الضوء على التواجد فى ذلك المكان المحبب، وزين الملك عاصمته بلوحات ورسومات نرى فيها قرص الشمس التى تخرج منه أشعتها، وكان يوجد إلى الشرق من المدينة مبنى للمراسلات الخارجية، ويبلغ مجموع ما وجد من تلك الرسائل 337 رسالة.(24)

صورة بالقمر الصناعى توضح تل العمارنة والمناطق الآثرية بها

وهى تلقى الضوء على العلاقات الخارجية بين مصر ودول آسيا فى تلك الفترة وهى عبارة عن المراسلات التى كانت بين الملك أمنحتب الثالث والرابع وأمراء سوريا وفلسطين وبابل وغيرهم من المواليين لمصر.(25) وقد ذكر اخناتون أن الفضل فى اختيار موقع كعبة التوحيد (أخت آتون) كان للإله الواحد رب السموات والأرض الذى اختار موقعها على ارض مقدسة لم يدنسها بشر، أرض يشرق عليها وجه الإله كل يوم، أرض تتوسط الشمال والجنوب.(26)

تقع بقعة الأرض التى أختارها الإله لإقامة كعبته المقدسة (أخت آتون) على مقربة من مدينة ملوى بالهضبة الشرقية لشاطئ النيل (نهر الحياة) فى مركز متوسط بين الشمال والجنوب على بعد متساويين كل من (اون) “هيليوبوليس” فى الشمال و”طيبة في الجنوب.(27)

وقد أشترك اخناتون وزوجته نفرتيتي فى تخطيط مدينة “أخت آتون” بتوجيهات من رب السماء الذى اختار موقع كعبته المقدسة بأن انزل حجرا من السماء وأمر اخناتون أن يبنى المعبد حوله.(28) وأحتفل اخناتون ونفرتيتي بوضع حجر الأساس للمعبد والمدينة احتفالاً عظيماً، سجلاه على أحدي لوحات أحجار الأساس التى أقامها فى حرم مدينته المقدسة، وقد أبقت الأيام من تلك اللوحات أربعة عشر لوحة كتبت تاريخ المدينة وإنشاءها.(29)

جانب من حياتها في القصر:

كان اخناتون ونفرتيتي يستيقظان كل يوم على أنشودة من المديح، ترتل في هدوء حتى يكون استيقاظهما رقيقاً، ثم يتفرقان بعد ذلك فيذهب هو إلى سكنه الخاص وتذهب نفرتيتي إلى حجرتها في جناح الحريم ليغتسل كلا منهما ويتزين. وكانت خادمات نفرتيتي يقمن أولا بغسل جسدها بالماء المعطر ثم يدلكونها ويعطران جلدها الزيتوني اللامع بالزيوت المعطرة المحفوظة في أواني مرمرية عظيمة القيمة فإذا كانت تتأهب للذهاب إلى احتفال خاص أو إلى وليمة كبرى كانت تجلس إلى جوار نار من خشب الصندل والصمغ الذكر الرائحة لتتبخر وتعطر كل جسدها. وكانت تخصب كفيها وقدميها بالحناء ذات اللون الأحمر الوردي، وعندما يجفان كانت ترتدي ملابسها الكتانية البيضاء الشفافة تقريبا والتى تضيق عند الخصر، ثم تضع صندلها الرقيق الجميل فى قدميها.(30)

وكان شعرها يقص قصيرا جيدا طبقا لموضة العصر، ويعطر بمشط جميل له صفان من الأسنان، فإذا كانت تستعد للظهور في مناسبة رسمية فأنها كانت تغطية بغطاء الرأس الملكي الطويل ذو اللونين الأحمر والأزرق الذي تعلوه رأس الحية (سيدة الحياة) لتحميها، وعندما تنتهي من كل شئ تلحق باخناتون للإفطار، وكانت المربيات يأتيهم بالأطفال ليدللهم ويلاعبهم، ويتمتع بهم والداهما العطوفان.(31) وبعد ذلك يأتي دور ظهورهما أمام الشعب من نافذة خاصة حيث كانت الشمس تضئ في بهاء وتجعل حليهم الذهبية ومجوهراتهم تتلألأ، ويرمي اخناتون بالزهور والعقود الذهبية إلى أتباعه الأوفياء الواقفين تحت النافذة وكان هذا الذهب لا يزال يأتي إليه من جزية الجهات النائية من إمبراطوريته.(32)

علاقتها باخناتون أخر حياته

كانت نفرتيتي تحب اخناتون، وكانت تغفر له الشئ الكثير كما حدث عندما أتخذ زوجه أقل مرتبة كما جرت العادة أو عندما أخذ يوجه انتباها أكير لابنتهما الكبرى (مريت آتون) أكثر منها نفسها، ولكن ضعفه في عقيدته لم تغفر له أبداً، لقد كرسا كل حياتهما من أجل تلك العقيدة التي قامت على إيمانه بوحدانية الإله حدث عندما اتخذ زوجة اقل مرتبة كما جرت العادة أو عندما أخذ آتون وعليه ألا يفشل في ذلك.

فمن الممكن أن ثورة أمنحتب الرابع كان لها أصول سياسية ،دون أن يعنى ذلك أن “أمنحتب الرابع “لم يكن صادقاً فى موقفة الديني، وربما كان صوفي النزعة ولكننا نفتقر إلى المستندات الموثوق بها للفصل في هذا الشق من المشكلة، فقد قام بعمل ثوري حقيقي سعى من خلاله القضاء على ثورة آمون فأغلق معابده وشتت كهنته.(33)

وكان اخناتون يتكتم عنها بعض الأمور أيضا ، وبدأت هي تشك في الأمور، وتشك في تلك المراسلات المتبادلة بينة وبين كهنة آمون في طيبة، وساورتها الشكوك في أنه كان يحاول سرا أن يصل إلى اتفاق مع حزب آمون ومع أعدائه الكهنة يشرط أن يتركوه وشأنه وأن يسمحوا له بالاحتفاظ بعرشه.(34)

نحن نعرف من نتائج الحفائر في تل العمارنة أن اخناتون ابتعد عن نفرتيتي في السنتين الأخيرتين من حياته وانفصل عنها، وتركت (عظيمة الأفضال، سيدة السعادة، التي يبتهج من يسمع صوتها) القصر وذهبت لتعيش وحدها في الضاحية الشمالية من المدينة، ولم يكن معاها إلا الأمير الصغير توت عنخ آمون والذي كان في حوالي الثامنة من عمره.

فهل نفيت إلى هناك ؟

ام أنها حددت إقامتها لمعارضة الملك ؟

ام أنها ذهبت بإرادتها ؟ قائله لنفسها انه غدر بها عندما ساوم على عقيدته وعطل (فكرة الحياة في الحقيقة) وأنها سوف تبقى مخلصة لآتون إلى آخر حياتها، وربما ستظهر يوما ماء بعض الوثائق الضائعة التي ستقدم لنا الحقيقة، وكل ما نعرفه أنها ظلت تعبد آتون إلى النهاية.(35)

وقد اختلفت آراء علماء المصريات وخاصتا بعد زيارة الملكة الأم (تى) لمدينة (أخت آتون) عن العلاقة التي كانت تربط الملكة نفرتيتي بزوجها وكذلك عن الفترة المحددة لوفاتها، فالبعض يرى أن الملكة نفرتيتي قد توفت مباشرتا بعد هذا الحادث وان ابنتها (مريت آتون) قد أخذت مكانتها، وذهب البعض بان خلافا حدث بين الملك والملكة فى نهاية حكم الأول وربما كان تحت تأثير الملكة الأم (تى) مما جعل الملك يتراجع عن ديانته نهاية حكمة، وحاول أن يتراضى مع كهنة آمون مما أوغل صدر الملكة –كما سبق واشرنا – واعتكفت في القصر المسمى (قلعة آتون) في الطرف الشمالي من المدينة.(36)

الملكة تى

الملكة تى

هذا ويعتقد البعض الأخر أن سبب الخلاف بين اخناتون ونفرتيتي، مرجعه زيارة أمه (تى) للعمارنة ومدى التقدير والاحترام التي حصلت عليه، مما سبب نوعا من التنافس السياسي بين الاثنين، لكن يحول دون ذلك الرأي القائل أن (تى) قد توفيت في طيبة ومن ثم ارتأت نفرتيتي إنقاذ مصر والبلاد عن طريق إعلان توت عنخ آمون بمساعدة الأب الإلهي (آى) وزوجته (تى).(37)

وهناك رأى يرى أن نفرتيتي قد ملت الوضع الذي كان فيه اخناتون وخاصتا بعد موت ابنته في العام الثاني عشر من حكمة مما جعل اخناتون يقبل على الشراب بطريقة شرسة هذا مثل ولادة الملك أمنحتب الثالث، وأيضا محاولات كهنة آمون في محاولة الإطاحة باخناتون ونفرتيتي بالذات ولذلك لعدم وريث شرعي للبلاد من يعد اخناتون إلا نفرتيتي والتي حاول كهنة آمون من التخلص منها، في كل تلك الظروف بدأت نفرتيتي تمل تلك الحياة المليئة بالصراعات وخاصتا بعد أن ساءت الأمور في خارج المملكة المصرية ومحاولة بعض الممالك في الاستقلال عن مصر وكل هذا واخناتون غارق في تأملاته مما جعل الملكة نفرتيتي تمل الحياة معه، وتفضل العزلة عنه .

وهناك رأي أخر يراه الدكتور سليم حسن :

حيث يرى أن اخناتون كان متورطا مع أخيه (سمنكارع) فى أقبح عدة عرفها الناس (الشذوذ الجنسي) ثم لا يحجل اخناتون فى أن يطلق عليه لقباً نسويا من ألقاب الملكة (نفرتيتي) وهو “فائق الجمال لآتون” ولا يخجل في أن يطلق عليه لقب “محبوبة”، ولا يخجل فى أن يمثل علي لوحة موجودة الآن فى متحف برلين تدل على منتهى الاستهتار بالأخلاق والأدب يبدو فيها اخناتون ملاصقا لأخيه سمنكارع ويطوق خصره بأحدي يديه، ويداعب بالأخرى ذقنه فى حب وتدليل، ولا شك فى ان تلك الصورة تبعث فى النفس لمن يراها معانى كثيرة عن العلاقات الجنسية الشاذة بين الأخوين.(38) وتعيد إلي الأذهان العلاقة الجنسية التى كانت بين الإمبراطور (هدريان) بغلامه (أنطونيوس).

من هنا لم تطق الملكة نفرتيتي الجميلة صبرا على ذلك، فقام نزاع بينها وبين الملك فهجرت قصرها طوعاً أو كرهاً، وتركت قصرها الأول لاخناتون وأخيه المحبوب “سمنكارع” وزوجته، وهى الابنة الثانية له المسماة “مريت آتون”، من هنا أمر الملك فى أن يمحو اسم الملكة نفرتيتي من كل مكان فى القصر ونقش بدل من “مريت آتون” و”سمنكارع”، ولأمر ما أثبت اخناتون اسم مريت آتون على قصر والدتها نفرتيتي مع ذكر نسبتها إليه دون أمها مخلفا بذلك التقليد الملكية التى كانت متبعه، على إن هناك أمرا أخر ربما زاد النفور بين نفرتيتي واخناتون ذلك وان اخناتون لم يقتصر فى ضلاله على ما سبق، بل انه تمادى وتزوج من ابنته الثالثة “عنخس ان با آتون” ووضعت منه أنثي سميت بهذا الاسم، فأي صلاح يرجى منه بعد ذلك ولم يكن زواج الملوك من بناتهم شائعا حتى ذلك الوقت ولا نعف منها إلا ثلاث حالات هما:

1- زواج أمنحتب الثالث من ابنته “ست آمون” ويقول بعض المؤرخين أنها أخته بنت تحتمس الرابع وليست ابنته.

2- الحادثة الثانية ما نحن صددها.

3- الحادثة الثالثة زواج رمسيس الثانى من اثنين من بناته على أقل تقدير.(39)

بعض العلماء يبرءون اخناتون :

يري بعض العلماء أن كل هذا الكلام عن اخناتون قام بتلفيقه ودسه على اخناتون كهنة آمون، والذين كانوا يبغضون ويكرهون اخناتون بسبب ما فعله بهم وبمعبودهم، الذى حرم عبادته فى مصر، مما جعل فائض المعبد وخله يقل بشكل ملحوظ، ومن هنا قامت ثورة الكهنة على اخناتون، بل ولم يكفيهم كل هذا فعمد السفاح حور محب والذي هو فى الأصل زوج أخت الملكة نفرتيتي على محو اسم اخناتون من على كل اثر يراه أمامه ويضع اسمه مكانه أو يقوم بهدمه بالكلية وتحطيمه، والأصلُ من كل هذا أن كهنة آمون أرادوا أن يشوهوا صورة اخناتون أمام العامة، حتى لا يتعلقوا به ويجعلوه بطلا بعد وفاته، فعمدوا على رسم لوحات وتماثيل للملك اخناتون فى أوضاع الشذوذ، منها ما ذكرناه فى تمثاله مع أخيه سمنكارع، ولوحة أخرى مع كبير كهنته فى وضع غير أخلاقي، وصور ونقوش أخرى لا تدل بالكلية على أن اخناتون هذا الملك الفيلسوف المتأمل المنشد لأناشيد آتون التى بها من القيم والأخلاق والرقى ما يعجز عنه كل جيله ومعاصريه.

اخناتون

فأناشيد اخناتون للإله كانت ذات أثر مباشر على المزامير وان المزمور 104 يكاد يكون منقولا عن النشيد الكبير وليس من قبيل توارد الخواطر.(40)ىأما كيفية وصول هذا النشيد إلى العبرانيين ؟ فمن المحتمل أن يكون قد حفظ فى آسيا وبقى فى آدابها تتناقله الأجيال حتى جاء الوقت الذى بدأ فيه العبرانيون بتدوين التوراة فى القرن 8 ق .م وما تلاه من قرون.(41)

الشاهد هنا أن اخناتون كان رجل ذو رأي وفكرة فلسفية لحتة تناقلت عنه التوراة بعض أناشيده ممل يدل على صفاء وطهر هذه الأناشيد وإنها تدعوا إلى الفضيلة، والأكثر من ذلك أن بعض العلماء قالوا أن اخناتون نبي من السماء أرسله الله إلى الأرض برسالة التوحيد، وانه رفع إلى السماء كما رفع إدريس وعيسى عليهما السلام ولم يمت ،فكيف به أن يمارس تلك الرزيلة التى لا يقبل بها عقل بشرى، وهى صفة تنفر منها حتى الحيوانات، وأعتبر هؤلاء العلماء أن كل الصور التى ظهر اخناتون فى وضع لا أخلاقي هى من صنع كهنة آمون، لكى يمحو تاريخ رجل قال ربى الله لا شريك له.

ويري عالم الآثار الأستاذ ولف أن ما يدعيه ويخمنه المؤرخين عن العلاقة بين اخناتون وأخيه “سمنكارع “مجرد خيال، ولا يبعد أن يكون هذا الرأي صحيحا لأن اخناتون كما يقول الدكتور “غليونجى” قد طفا على جسمه التحنث فى آخر أيامه، حتى تحول.

صراع نفرتيتي مع “سمنخكارع” :

بعد أن توفي اخناتون والذي لا ندرى كيف مات هل اُغتيل من كهنة آمون؟ ام أنه مات على فراشة؟ وكيف كانت نهايته؟ وما فعل به الثوار وكهنة آمون بالتحديد؟ ربما ستجيب عن كل تلك التسؤلات الحفائر فى تل العمارنة وفرق العمل هناك على رأسها الدكتور بارى كيمب والذى لم ارى عاشق للعمارنة مثله، ربما فاق عشقة للعمارنة من ساكنيها وأهلها نفسهم والذى يعرفهم الدكتور بارى بالاسم.

على كلا فقد تولى “سمنخكارع ” واستقر هو وزوجته “مريت آمون “ببنت اخناتون في طيبة وأراد بعض الرجال وعلى رأسهم الكاهن “آي” الذي كان أكبر مشجع لاخناتون على نشر مذهبه الجديد أن تستقر الأمور، ولكن نفرتيتي كانت لهم بالمرصاد، دفعها الحقد على سمنخكارع، والحسرة على الهناءة التي سلبتها في كنف زوجها الراحل أن تنتقم فلم تبايع “سمنخكارع” بالعرش، ولم تعترف بأي حق فيه، واستمالت نصيرة الأول “آي” ثم استنجدت بملك “خيتا” وطلبت منه أحد أبنائه زوجا لها وليكون وريثا لعرش مصر، وهكذا كادت “لسمنخكارع” وسببت له متاعب كثيرة، ولما تأكد (شبيليوليوما) ملك “الخيتا” من صدق رغبة نفرتيتي أرسل لها نجله إلى مصر، ولكن الأمور تجرى سريعة فى تل العمارنة وفى طيبة فقد مات الملك سمنخكارع وهنا وثب الثوار على ابن ملك خيتا وقتلوه فى الطريق، فتعقد الموقف ثم انفرج باعتلاء توت عنخ آمون ابن أمنحتب الثالث عرش البلاد ومعه زوجته “عنخس ان با اتون “بنت اخناتون من نفرتيتي.(42)

نفرتيتي وآتون :

حيث أن آتون لم يتخذ زوجة ولم يكن للنساء شأن أو حتى كهنوته، كما أن نفرتيتي لم يقرن أسمها بأي وظيفة فى معبد آتون ،ولم يكن لها أي شأن خاص أكثر من أنها زوجة أخناتون العظيم.(43) وقد أقتصر دور نفرتيتي لخدمة آتون على الدعوة والعبادة الخاصة بها لمعبودها المحبوب آتون والتى ظلت مخلصة له إلى أن وافتها المنية بعد موت اخناتون، فهى الإنسان الوحيد الذى أخلص للمعبود آتون حتى النهاية.

الملك والملكة يقدمان القربين لآتون

الملك والملكة يقدمان القربين لآتون

وكما قلنا أن من أسباب ابتعادها عن اخناتون هو تفاوضه مع كهنة آمون على حساب المعبود آتون، وهذا ما لم تقبله نفرتيتي الملكة المخلصة لربها الواحد الأحد الذى لم يكن له شريك ولا ولد، وابتعدت ى عزله عن زوجها التى أحبته حبا جما من أجل معبودها آتون، وهذا هو قمة الإخلاص والوفاء من جانب العبد تجاه الرب.

العائلة الملكية تتعبد لآتون

العائلة الملكية تتعبد لآتون

وربما هجرت عبادة آتون فى أيام اخناتون ذاته، ويبدو فى هذا الصدد أن نفرتيتي قد لعبت دورا بارزا فى الثورة التى قادها زوجها. ورغم أنها لم تساعد على إقامة العبادة الجديدة، إلا أنها ظلت على كل وفيه لها، ولفترة أطول من زوجها شخصياً.(44)

مشاهد وصور نفرتيتي فى تل العمارنة :

لم يكاد يخلوا مشهداً من مشاهد الملك اخناتون على جدران تل العمارنة الا وكانت معه الملك نفرتيتي رأس برأس وبنفس الحجم تقريبا، فقد صورت الملكة بجوار الملك أخناتون وهما على أحدى العجلات الحربية التى تجرها الخيول فى أحدى لوحات الحدود التى أقامها الملك اخناتون لتحديد عاصمته الجديدة أخت آتون .

وأيضا ظهرت وهى تقدم القرابين للمعبود آتون مع الملك اخناتون، كما تظهر أيضا جميع النقوش التى تصور الملك والملكة نفرتيتي مع بناته الأميرات الست في حياة عائلية يرفرف عليها الحب والسعادة والسلام.(45)

وظهرت الملكة نفرتيتى مع الملك اخناتون وبناتها وهم يسلمون القلائد الذهبية، وأيضا وهم يقدمون العطايا للشعب وللشخصيات الموالية لهم والتى هاجرت معهم من طيبة إلى أخت آتون. ومشاهد أخرى للملك ونفرتيتي وهما يتعبدان وأخرى وهما يتسامران الحديث، وأخرى وهم يلعبن ويدللن بناتهن.

مشهد للزوجان وهم يتسامران الحديث تحت قرص الشمس آتون

يقٌول عالم المصريات “ديفنز” إن مناظر المقابر فى العمارنة رغم تعددها وما فيها من تفاصيل، تمدنا بمعلومات محدودة عن الناس والأشياء فى مدينة أخت آتون ، فهى فى مجموعها تظهر لنا شخص واحدة وعائلة واحدة وبيت واحد وسيرة واحدة للحياة وطريقة واحدة للعبادة وهذه كلها تمثل الملك وعائلته، وكل مقبرة ندخلها نتصور أننا فى ضريح ملكي، فرسوم الملك وعائلته وحاشيته تسود كل شئ، وبصعوبة تكشف أحيانا بين رهط حاشيته الشخص الذي أقيمت المقبرة من اجله، مميزاً بالقليل من الكتابات الهيروغليفية التى تحدد شخصيته، فمُثل هنا صاحب المقبرة كشخص ثانوية.

وسيطر على معظم المناظر الملك والملكة وبناتهم، أى بمعنى أدق أن البطل دائما فى مشاهد ومناظر تل العمارنة يكون الملك والملكة وأسرتهم، دون النظر لصاحب المقبرة، والتى كان من الجائز أن صاحب المقبرة قد تعمد ذلك عندما أقام مقبرته، وهذا لكي يستميل الملك والملكة ويطلب ودهم لكى يعطوه ما يريده من مال لانجاز المقبرة، ومن المعروف أن عصر العمارنة كان عصر سخاء وطرف، ويظهر هذا جليا على مشاهد الملكة والحلي التى كانت ترتديه هى وبناتها، وأيضا الأموال التى كانت تنفق على المنشئات، وتعطى أيضا للخاصة لكى يساعدوا اخناتون فى أعمار مدينته الجديدة والتخلي عن العاصمة القديمة طيبة مركز الحكم ومجمع كهنة آمون فى الكرنك العدو الأول لأخناتون والملكة نفرتيتي .

ومن أجمل ما خلفت لنا الملكة نفرتيتى تمثالها النصفي الموجود فى متحف برلين الآن، والذى أن دل فإنما يدل على مدى تفوق الفن الآتوني وما وصل إليه من جمال ورقة فاقت الحدود والعقول.

تمثال نفرتيتى الشهير فى متحف برلين

هذا إلى جانب ما تركة لنا وخلفه فنان العمارنة ونحتيها من تماثيل غير مكتملة الصنع للملكة نفرتيتي، وتظهر في بعضها برأس غير مستوية وجمجمة كبيرة قيل أن الفنان لم يكن قد هذبها بعد، وقيل أنه من مميزات فن العمارنة وهو أبراز العيب وتضخيمه لحد فاق العقل أحيانا.

تمثال غير مكتمل الصنع فى متحف بروكلين لنفرتيتى

تمثال غير مكتمل الصنع فى متحف بروكلين لنفرتيتى

وفاتها :

أما عن وفاة الملكة نفرتيتي فلازالت الأدلة غير قاطعة في ميعاد وفاتها، فالبعض يرى أنها عاشت حتى تولى توت عنخ آمون عرش البلاد بتأييد من نفرتيتي وحاشيتها، والبعض الأخر يرى أنها كانت حية على الأقل حتى وفاة زوجها، واحتمال أنها دفنت فى المقبرة الملكية بالعمارنة الخاصة انه تم العثور على بعض الاوشابتى لا يتناسب مع مكانة نفرتيتي، وربما يرجح عدم العثور على أشياء ثمينة من أساسها الجنزى بان توت عنخ آمون قد نقلها إلى مكان أخر، وربما تعطينا الاكتشافات التى تجرى فى العمارنة وفى منطقة الكرنك أدلة أكثر حول وفاة وظروف نهاية نفرتتي.(46)

المراجع :

1- كانت ملكة على مصر، ونفرد هولمز، ترجمة سعد احمد حسين مراجعة د|احمد فخري

2- الأسرة فى المجتمع المصري، د|عبد العزيز صالح

3- الدور السياسى للملكات فى مصر القديمة، د|محمد على سعد الله ،تقديم د| محمد جمال الدين مختار

4- تاريخ مصر القديم الجزء الثاني، د|رمضان عبده

5- تاريخ مصر القديم، نيقولا جريمال، ترجمة ماهر جيوجاتى الطبعة الثانية مراجعة زكية طبوزاده

6- موسوعة مصر القديمة، د|سليم حسن، الجزء الخامس

7- مصر الفرعونية، د|احمد فخرى

8- اخناتون طبعة 1997، د|سيد كريم

9- مصر القديمة ، جان فيركوتير ترجمة ماهر جويجاتى، الطبعة الأولى 1993،ص 117

10- تاريخ وحضارة مصر القديمة د|سمير اديب، طبعة 1997، ص194

11- مصر القديمة ،دراسات فى التاريخ والآثار، مختار السويفى ص214، طبعة 1997

للإطلاع على الهوامش أكتب رقم الهامش المطلوب فى التعليق على البحث وسيرد عليك كاتب المقال الآثارى محمود مندراوى

التعليقات