التخطي إلى المحتوى
الفشل والتراچيديا
الفشل والتراچيديا

العالم الحديث بأجمعه مولع بالنجاح والاشخاص المتفوقين، لكننا عندنا عدد من الغير ناجحين او “الفشلة” اكتر بكتير، يا تري ايه رد فعل العالم علي الناس دي، او بمعني اصح علينا كلنا نحن متوسطي الحال او العاديين او الفشلة او مهما كان من مسمي بيطلق علينا!!!

دايما بنسمع جمل من قبيل “خليك قوي” و “واجه العالم” و “اقع وقوم من تاني” كنوع من التحفيز للنجاح وترك ما يسميه العالم الحديث “الفشل”، لكن بنيجي عند لحظة معينة من الصراحة مع الذات وانعدام الوهم وبنجد ان الفشل والخسارة لا مفر منهم، مش هنلاقي فلوس لمشروعنا التجاري مثلا، او كنا ارتكبنا خطأ ما بسببه صحيفتنا الامنية بقي فيها نقطة سودة صعب محوها وده هيطاردنا لباقي العمر مثلا، زي ما بيقولوا في الافلام الامريكاني “نحن هالكون لا محالة”

السؤال بقي: اين تقع مسئولية هذا الفشل ؟!

العالم الحديث رده موحد وقاسي جدا: تقع علي الافراد الغير ناجحين انفسهم، الحكم بالفشل مبقاش يصنف من المجتمع والرأي العام حتي ك “مشكلة” ولكن ك “كارثة”!!!

مفيش اي عزاء دلوقتي من نوعية القدر او سؤ الحظ او الظروف، كله علي عاتق الافراد، وده شئ ميخليناش نستغرب معدلات الانتحار اللي بتحصل بمعدلات رهيبة، مجتمعنا المحكوم بالتراتبية القيمية بيحكم علينا في حالات عدم النجاح بحكم وجودي بفساد ارواحنا وذواتنا بالكامل!!!

طب هل دي كانت النظرة الوحيدة طول التاريخ البشري؟

الاجابة لأ قطعا، الحضارة والفلسفة اليونانية الاغريقية كان ليهم نظرة مختلفة تماما احنا احوج ما نكون ليها هذه الايام، النظرة دي بتقول انك ممكن تبقي شخص جيد ولكن برضه تفشل، مفيش ترادف بين كونك شخص “جيد” وكونك شخص “ناجح”، وعشان يأصلوا الفكرة دي في الرؤوس عموما طور الاغريق نوع من الفنون الادبية المسرحية اللي هوا “التراچيديا”.

في المسرحيات التراچيدية اللي كانت بتقام في حضور كبير من الجماهير كان دايما بيظهر الابطال بيعملوا خطأ زي اتخاذ قرار خاطئ او كذبة بيضا مثلا وبينتج عن ده موتهم وهلاكهم بشكل مأساوي، ولكن الاغريق كان بيعزو ده لما يسمي عندهم القدر او الالهة، ودي كانت طريقتهم في انهم يقولوا ان العالم يعمل بطرق وديناميكات فوضوية و غير متوقعة ولا دخل لقيمة الفرد فيها علي الاطلاق، وده اللي بيأكد فكرة “شخص جيد لا تعني بالضرورة شخص ناجح”!!!

في كتابه الرائع “فن الشعر” بيقدم ارسطو الوصفة المثالية للتراچيديا:

في البداية بنجد البطل شخص جيد وغالبا من خلفية اجتماعية مرموقة، بيقوم البطل بخطأ صغير جدا، لكن فجأة وبطريقة غير مفهومة بينتج عن خطأه ده “كارثة مفجعة”!!!

التراچيديا هيا الطريقة العطوفة اللي بتعبر عن فكرة ازاي الناس ذو الطبيعة الجيدة ممكن يقعوا في مواقف كارثية بدون قصدهم، انها العكس التام لطريقتنا في مجتمعنا الحديث اللي بتتعمد وسايل الاعلام فيه تشويه كل من تذل قدماه، ارسطو كان بيشوف ان الناس لازم تشوف المسرحيات التراچيدية بشكل منتظم عشان يقوموا طبيعتهم القاسية في الحكم علي الاخرين والمتعجرفة اخلاقيا، التراچيديا الجيدة عنده يجب ان تحفز احساسين في الناس، الشفقة والخوف!!!

الشفقة للبطل اللي بينتهي بيه الحال نهاية مأساوية رغم كونه شخص جيد، والخوف علي انفسنا من اننا عرضة دائمة اننا نبقي مكانه لاننا لا نملك عصا التحكم في كل الكون والظروف، و عشان كدة لازم نبقي دائمي التعاطف مع الاخرين ونتخلص من شبق الحكم عليهم، في النهاية لا يجب من المنظور الاغريقي ده اننا نعجب بالمتفوقين فقط ويجب الا نلعن الغير متفوقين ويجب الا ندعو “الغير محظوظين” بالفشلة.

العالم الحديث دايما بينفرنا من فكرة اننا ممكن نبقي جيدين لكن غير متفوقين، ده اهون عند المجتمع من فكرة مفادها ان “العالم غير عادل”، لكن في كل الحالات بدون فكر يدعونا للتسامح مع الاخرين ومع انفسنا زي الفكر الفني التراچيدي فالعالم يبدو اكتر قسوة بكتير، يبدو ان الوقت حان اننا ننظر في تراثنا الفلسفي والا نهمل ما يقول لنا بمجمله!!!

التعليقات