التخطي إلى المحتوى
المواطن الليبي والآثار
المواطن الليبي والآثار

يُشاهد المواطن الليبي آثار بلاده ومدى انتشارها على رقعة كبيرة من ارضه الحبيبة سواء عن طريق ما يشاهده في وسائل الاعلام لاسيما ما تبثه القنوات التلفزيونية في شكل برامج وثائقية او صور دعائية او صور منشورة في الصحف والمجلات، ام من خلال تعايشه المباشر مع تلك الآثار عن طريق زيارتها او تعايش الكثير معها بسبب سكناهم قربها مثل سكان شحات وتعايشهم مع آثار مدينة قوريني = كيريني، و سكان الخمس وتعايشهم مع آثار مدينة لبدة، وهذا حال سكان جميع المناطق السكنية التي تربض بجانبها مدن ومواقع أثرية او قد يعيش بعض السكان بين اطلال المواقع الأثرية الصغرى المنتشرة في الارياف (الجبل الاخضر مثلا) او في بعض الواحات والصحاري ايضا، وهولاء في تعامل مباشر مع الآثار سواء سلبا ام ايجابا فالآثار تصادف الفلاح عند زراعته الارض والراعي عند رعايته لقطعيه او عند البناء والتشييد او مشاريع البنية التحتية وحتى صائد السمك احيانا يصادف بعض المقتنيات الأثرية المغمورة في مياه البحر، فالمواطن الصالح (الايجابي) هو من يعرف اهمية الآثار فيحافظ عليها ولا يدمرها او يعبث بها بل ايضا يُبلّغ الجهات المسؤولة عندما يعثر بالمصادفة على بعض المقتنيات او موقع من المواقع، وهذا حال كثير من الليبيين في سنوات مضت، بينما يتحصل بعضهم على بعض المقتنيات الصغيرة مثل العملات الأثرية واوانٍ فخارية وتماثيل وغيرها ثم يعرضها للبيع على الاجانب الذين يزورون المناطق الأثرية ويبيعها لهم بابخس الاثمان وكانت هذه بداية لظهور سوق لبيع المقتنيات الأثرية.

وهنا المواطن السلبي الذي لا ينظر للآثار الا من زاوية انها تلك الاشياء التي تحقق ربحا ماديا وفيرا لو باعها ليس داخل بلاده بل الافضل خارج ليبيا، فهو يعمد للبحث عنها بالتنقيب العشوائي مخترقا القانون في غياب حراس الآثار والجهات الامنية وهذا ما يشاهد في جل المواقع الأثرية ويتحصل من خلال اعماله المشينة على مقتنيات يبحث عمن يشتريها، وهنا يظهر دور السمسار الذي يشتريها ليبعها لبعض الاجانب او آخرين يهربونها خارج البلاد، وبهذا ضاعت الى الابد، وقبضوا ثمن تاريخهم وحضارتهم التي كان الاولى المحافظة عليها، مواطن آخر غير صالح او سلبي يكتشف اثناء حرثه لأرضه وجود قبر من القبور او بقايا مبنى فلا يتصل بالجهات المسؤولة انما يحفر ليتحصل على المقتنيات التي تكون عادة في حالة جيدة عند التعامل مع المقابر القديمة ليعرضها للبيع، اما اذا كانت بقايا مبنى فانه يزيله ليزرع الارض مكانه او يحيل الموقع الى قطعة ارض سكنية يعرضها للبيع، وبهذا ضاع هذا الأثر الذي لا تعرف ماهيته وقد يكون له دلالة حضارية كبيرة. وللأسف كل شيء اصبح مباحا في ظل الانفلات الامني والوجود الامني الباهت وانعدام ضمائر الكثير، وظهرت فئة من المواطنين متشددة دينيا لا تقدر الآثار بل دمرت بعض المعالم والأضرحة التاريخية بحجج مشكوك في صحتها، وما دمروه كان يشكل جزءا من هوية هذا الشعب وتاريخه.

وفي المقابل هناك المواطن الصالح الذي يحمل قلبا مفعما بالحياة والطيبة، قلبه على وطنه وتاريخه لا يدمر الآثار ان وجدها و لا يبيعها و لا يسمسر فيها اذا عثر عليها، بل يقوم بتبليغ جهات الاختصاص للتعامل مع ما عثر عليه، وهذا جيد وغاية في الحرص و الامثلة على ذلك كثيرة. ومن المواطنين الصالحين المحبين لتاريخهم العاشقين لآثار بلادهم الغيورين على ارثهم الحضاري يدركون قيمة المقتنيات الأثرية وان مكانها الصحيح في المتاحف او في مخازن الآثار حيث المتخصصين يستفيدون منها ويحولونها من مادة جامدة الى تاريخ مفعم بالحياة يعتبر منها الاخرون وتكون مكعب في فسيفساء الحضارة الليبية خاصة وتراث الانسانية عامة، وإدراكهم هذا جعلهم ينفقون الاموال من اجل استعادة تاريخهم من خلال المقتنيات التي تباع هنا وهناك بواسطة سماسرة التاريخ، وفي هذا الصدد فقد تعرفت على الكثير مما يشترون المقتنيات من شذاذ الآفاق ليحتفظون بها حتى تحين الفرصة وتسليمها الى جهات الاختصاص، فهذا احد الاصدقاء يخبرني انه اشترى تمثال رخامي بمبلغ كبير حتى يمنع تهريبه خارج ليبيا وهو مدفونا عنده في أمان ليسلمه الى مصلحة الآثار، وهذا جاري المهندس سعيد علي بوحلفاية يشتري مجموعة كبيرة من المقتنيات الأثرية ويسلمها بتنسيق منا الى مراقبة آثار بنغازي في غرة يناير 2014 خوفا من ضياعها وتسربها الى الخارج لو بقت في ايدي من كان يملكها ويتاجر بها.

وفي الواقع هناك بون شاسع بين المواطن الصالح الغيّور على آثار بلاده الذي يجب ان نشجعه ونكرّمه ليكون انموذجا يحتذى من المواطنين الآخرين الذين لا ينظرون للآثار إلا انها مجلبة للثروة، والمواطن السلبي هو الذي هنا أعني حيث يجب ان نهتم به فنقوم بتوعيته بآثار بلاده وأهميتها وانه لا يجب ان يكون عنصر هدم لها، كما يجب نعرّفه بمواطن الخير حيث ان العبث بالآثار يعد حرام لأنه مال عام تملكه الدولة لا يحق لأحد التصرف فيه بغير وجه حق إلا للمتخصصين، وتوعية هولاء يقع على عاتق الأثريين والمثقفين ووسائل الاعلام وعلى المناهج التعليمية التي ينقصها الكثير لتربط بين التلاميذ وتاريخ بلادهم من خلال توعيتهم بذلك التاريخ وتعايشهم معه بزيارة المواقع والمتاحف الأثرية والإسهام في المحافظة عليها بالقيام بأعمال تطوعية بها. وصحيفة افاق أثرية تحاول ان تكون منبرا لتوعية جميع المواطنين بتاريخ بلادهم وحضارتهم وآثارهم التي يعبث بها عبث شديدا فهل من مستجيب؟، وقيل “أُمُّةٌ لَا تَعْرِفُ تَاَرِيِخَهَا، لَا تُحْسِنُ صِياغَةُ مُسْتَقْبَلُهَا”.

التعليقات