التخطي إلى المحتوى
إيزيدورا
إيزيدورا

بین أطلال جبانة تونا الجبل یقبع منزل مقبرة “إیزیدورا” ویظهر هذا المنزل طرازاً جدیداً من العمارة الجنائزیة لم یكن مألوفا فى مصر خلال العصر الفرعونى ، ویتمیز بأهمیة خاصة لأن الباب الداخلى المؤدى من الصالة الأمامیة إلى حجرة الدفن نقش الفنان على جانبیه الأمامیین مرثیتین طویلتین باللغة الیونانیة لم نألف مثلهما من قبل فى أي من المبانى الجنائزیة . المنزل مبنى من الطوب اللبن (المحروق) ولونه قاتم ، وفى معظم الأجزاء مطلى باللون الأبیض من الخارج والداخل.

والمدخل یفتح على الناحیة الغربیة ویمكن الوصول إلیه بدرج یكاد یكون رأسیاً. وینتصب أمام المدخل مذبح یعلوه تاج هرمى بما یشبه قمة المسلة ولیس من النوع الشائع أمام المعابد فى تونا الجبل . یتكون المنزل من حجرتین متتالیتین متساویتان في الأبعاد إذ یبلغ عرض كل منهما ٤٦٠ سم وطولها ٢٦١ سم ، الأولى للاستقبال والصلاة إلى الیمین یوجد بها على الجدار الجنوبى وبالقرب من الجدار الغربى كوة (مشكاة) داخل الجدار مستطیلة الشكل .وبالجدار المقابل توجد كوتان متجاورتان بنفس الشكل ، ویفتح بالجدار الجنوبي باب یحف به عمودان یؤدى إلى حجرة الدفن وقد نقش على كل عمود مرثیة نصفها بالحبر الأسود ، وفى الجدار الشرقي من حجرة الدفن یوجد السریر الجنائزي فى هیئة أسد ومثل هذا الطراز معروف فى مصر منذ عصر الدولة الحدیثة وقد شاع أستخدامه أیضاً خلال العصر الرومانى فنراه ممثلاً بالنحت البارز فى مقبرة كوم الشقافة وكذلك أیضاً نراه ممثلاً بالرسم فى مقبرة تیجران في الإسكندریة من القرن الثاني كما یظهرفى المناظر التى تزین أغلفة المومیاوات المقواة.

يقوم السریر على عمودین حلزونیین إلى جانبیه وتعلو السریر كوة مستطیلة یعلوها جزء شبة قبوي شغلت مساحته بصدفة كبیرة الجزء العلوي متهدم ولكن الجزء الباقى یبین أنها الطراز المروحى وهى تماثل الطراز الموجود فى مقبرة كوم الشقافة وتتفق مع بالنسبة لزخرفة الصدفة فى الأقالیم Vegand تقسیمات الرومانیة. فى الطرف الأیمن من الصدفة توجد رسومات فلكیة ترمز وهى عبارة عن نجمتان فوق هلال طرفاه إلى أسفل والمعروف ارتباط إیزیس بالفلك كما هو مصور فى سقف معبد أبیدوس.

تعرض المنزل للسلب حیث هبط اللصوص عن طریق السقف . وقد أعید ترمیم هذا المنزل فى عام (١٩٣١) ورمم السقف خطأ مسطحاً بدلاً من طرازه الأصلي القبوى. ومما هو جدیر بالملاحظة أن مخطط المبنى یتجه من الشرق إلى الغرب وهو غیر منتظم الشكل فزوایا الجانب الشمالي غیر قائمة وهذا غیر مألوف فى العمارة مما یرجح أن صاحب المنزل هو أحد الفقراء ولم یكن فى مقدوره أن یستخدم أحد المعماریین المحترفین فاستخدم أحد الهواة ومما یؤكد ذلك عدم انتظام سمك الجدران ، ومخطط المدخل بسیط یماثل مخططات مداخل المعبد رقم (١٢) الأمامى والأوسط والداخلى ، وقد یبدو الأمر محیراً بالنسبة لصاحبة المقبرة تلك الفتاه التى أختطفها الموت فى ریعان شبابها وتسمى “إیزیدورا” أي هبة الآلهة إیزیس. وهو أسم مصرى خالص .. وهى قد حنطت ودفنت فوق سریر مصرى الطراز. بینما المنظومتان المكتوبتان على الباب الأوسط سطرتا بالأحرف الیونانیة ، وقد جاءت المرثیة الیسرى بخلیط من الآلهة المصریة والیونانیة تعاونوا فى بناء وتجهیز المقبرة لإیزیدورا ویبدو أن الذى كتبها هو الأب المكلوم إذ یقول:

“… حقاً أنهن العرائس بنات الماء اللاتى قمن ببناء هذه المقصورة. أن نیلو بكر بنات النیل هي التى بدأت بصیاغة القوقعة (الصدفة) كالتى یضمها فى أعماقه …..” والأوریادیس هن اللاتى إخترن المكان ورفعن فیه محراباً هدیه فخمة لك وإلى الیمین توجد المرثیة الثانیة ویقول فیها:
“أي ابنتي سوف لا أقدم لك بعد الیوم قرابین مصحوبة بالأنین بعدما عرفت أنك فى عداد الآلهة . الوداع طفلتي فأنت الآن حوریة”. و ها هى الفصول من كل عام تهدى إلیك الماء الطهور الخاص بشعائرك الشتاء یقدم لك اللبن وزیت الزیتون ویتوجك بزهر النرجس الذكي الربیع سیرسل رضاب النحل والوردة المتفتحة والزهرة التى تحبینها والصیف المحرق سیقدم لك العصیر الذى تنتجه معاصر باخوس ، ذلك سیربط عناقید العنب ویجعل منها تاجاً لك . تقدم لك كل هذه التقدمات كل سنة وتقلم هذه الطقوس للغیر فانیین (أي الخالدین) ، مرة أخرى یا ابنتى سوف لا تصاحب تقدماتى من الآن فصاعداً التأوهات والزفرات.
هكذا تعبر المرثیة عن أن الوالد الملتاع یرثى أبنته الصغیرة التى أختطفها الموت وهو یعلن لها أنه لن یتألم وهو یزور قبرها ویقدم لها القرابین لأنه یعتقد أنه صارت من الحوریات بنات الماء ومن خلال العناصر المعماریة والزخرفیة فى المنزل بالإضافة إلى السقف المقبى الذى كان یغطى المنزل فى الأصل ومن خلال ما ورد فى المرثیتین عن الحوریات وني لوس وبأخوي یمكننا أن نرجح أن هذا المنزل قد شیده أحد الأجانب المقیمین فى مصر والذین تمصروا إلى حد ما فتقبلوا الفن المصرى و الطقوس الجنائزیة المصریة والمعتقدات المصریة مما جعل نتیجة هذا التأثر بمصر هو ذلك المنزل الجنائزي الذى یفتقر إلى قوة البناء والأصالة المعماریة ویبدو أنه كان على والد هذه الفتاه أن ینخرط فى المجتمع المصرى حیث نلاحظ أن أسم أبنته مصرى وأنه أصر على كتابته على قبرها دون أن یشیر إلى أي أسم أخر.
ولما كانت اللغة یونانیة والعناصر الزخرفیة الأخرى یونانیة إلى جانب عناصر مصریة فلا شك أنه یمثل لنا نموذجاً فریداً من العمارة الممتزجة العناصر فى العصر الرومانى ربما من عهد الإمبراطور “هادریان” ١١٧ – ١٣٨. حیث أنه عثر على قطعة عملة برونزیة علیها صورة الإمبراطور هادریان ومن المعروف عنه تشجیعه للعمارة والفن ، ولاشك أن هذا المنزل جاء معبراً عن ثقافة وعمارة هذه الفترة ، خاصة العمارة الجنائزیة للعامة داخل مصر – أي فى المدن والقرى المصریة.

التعليقات