التخطي إلى المحتوى
نبات البردي وعبقرية المصريين القدماء في صناعة الورق
نبات البردي وعبقرية المصريين القدماء في صناعة الورق

تطلق كلمة البردي على نبات البردي وكذلك على الورق المصنوع منه. وكلمة البردي في اللغة العربية (بَردي) وكذلك (بُردي) بفتح الباء وضمها. أما في اللغة المصرية القديمة فكلمة البردي كانت (با بِر عا) والتي تعني (المنتمي للقصر)، وأصبحت في القبطية “با بِرو” وفي اليونانية “با بِروس” والتي جاءت منها الكلمة الانجليزية “papyrus” التي تعني البردي.

وكان نبات البردي ينمو بكثرة في مستنقعات الدلتا في العصور القديمة ، ولقد استفاد المصري القديم من هذا النبات في حياته اليومية في عدة مجالات ؛ ومنها أنه توصل إلى إحدى الصناعات المهمة التي تعتبر من أعظم ما قدمته مصر للحضارة البشرية ألا وهي “صناعة الورق” والذي يضاف إلى أياديها البيضاء على الحضارة الإنسانية . وقد اخترع المصري القديم ورق البردي منذ عصور سحيقة القِدم منذ بداية التاريخ المصري؛ حيث تم العثور على بردية (ورقة بردي) في مقبرة تعود للأسرة الأولى الفرعونية.

وعلى الرغم من انقراض نبات البردي من مصر في الوقت الحاضر إلا من بعض الأنواع الضئيلة إلا أننا نستطيع أن نكون فكرة عن النبات الذي استخدمه المصريون وذلك من البردي المنتشر في بعض مناطق السودان حتى الآن، وهو نبات طويل ممشوق يتراوح طول الساق فيه من مترين إلى ثلاثة أمتار، وقطر الساق 4سم وهو مكون من غلاف خارجي صلب بداخله نسيج رخو.

طريقة صناعة ورق البردي:

وتتلخص طريقة عمل ورق البردي في قطع السيقان إلى قطع ونزع الغلاف الخارجي وتقطيع الجسم الرخو الداخلي للنبات إلى شرائح وتوضع هذه الشرائح على سطح مستو جنباً إلى جنب بحيث تغطي حواف القطع بعضها البعض، وفوق هذا توضع طبقة ثانية من الشرائح في اتجاه متعامد على اتجاه الشرائح السفلية (خلف خلاف) وبعد أن تغطي الطبقة العليا الطبقة السفلى تُضغط الطبقتان معاً ويتم دقها بمطارق من الخشب وذلك على السطح المستوي.

وربما كان الصانع يضع تحت هذه الشرائح وفوقها قِطعاً من القماش لتمتص العصارة الزائدة من الشرائح. وبعد أن تندمج الشرائح معًا تترك لتجف وبذلك تصبح صالحة للكتابة عليها. ولما كانت الحاجة تستدعي باستمرار استعمال أكثر من صفحة بردي واحدة لذلك كان العامل يلصق الصفحات معاً لعمل ملف طويل منها بعد تهذيب القطع الزائدة (لفافة بردي).

وقد يبلغ طول هذه الملفات نحو 45 مترًا حيث يستعملها الكتبة باستمرار في تسجيل مراحل العمل الحكومي في إدارات الدولة المختلفة وتخزن بعد كتابتها في أوانٍ خاصة بعد طَيِّها في شكل لفافة، وعند الحاجة يتم استخراجها وفردها للقراءة والرجوع لمحتوياتها. وهكذا فإن المصريين القدماء هم أول من اخترع الورق للكتابة عليه في العالم.

أهمية واستخدام ورق البردي:

1ـ وباختراع الورق البردي قدم المصريون خدمة جليلة للعالم. فلولا اختراع ورق البردي لظل الناس يكتبون على الفخار والحجر؛ فهو وسيلة جيدة للكتابة عليه،كما أنه سهل التنقل والمراسلة به.

2ـ و كان ورق البردي يستخدم في سد مطالب الجهاز الحكومي في مصر القديمة في إدارات الدولة المختلفة، ثم في عمل الكتب الدينية وخاصة ما يسمى بكتاب الموتى وهو عبارة عن ملف من ورق البردي يحوي بعض الأدعية والصلوات التي كان الناس يحرصون على وضعها مع الموتى لنفعهم في العالم الآخر. وكانت هذه الصناعة من أروج الصناعات وخاصة في العصر المتأخر حيث كانت هذه الملفات البردية تكتب وتُهيأ بالصلوات وصور الآلهة ويترك اسم صاحبها خاليًا حيث يُكتب بعد شرائها.كما كان الكهنة والأطباء يكتبون رشتاتهم وعلاجاتهم ووصفاتهم الطبية على أوراق البردي.

3ـ وأصبح ورق البردي بالنسبة لمصر القديمة مصدرا من مصادر الاقتصاد القومي حيث كانت مصر تصدره لدول العالم القديم. ومن الجدير بالذكر أن مصر اعتبرت مركزاً لهذه الصناعة الهامة وأخذت تصدر جزءًا كبيرًا من إنتاجها إلى بلدان العالم القديم وظلت محتفظة بهذه المكانة في صناعة الورق لمدة طويلة.

طريقة الكتابة على ورق البردي:

كان الكاتب يكتب على البردي بواسطة فرشاة يغمسها في المداد الأسود أو الأحمر ويخط على البردي. وكانت الكتابة على ورق البردي تتم في أعمدة أفقية أو رأسية. كما كانت الكتابة أحياناً بالخط الهيروغليفي وكثيرًا بالخط الهيراطيقي.

أهم البرديات التي عثر عليها من مصر القديمة:

تم الكشف عن كثير من البرديات من مصر القديمة ؛وكانت أول بردية تم العثور عليها من عصر

الأسرة الأولى و ليس عليها كتابة، وكانت هذه البردية من مقبرة المدعو (حماكا).

ومن الأسرة الخامسة عثر على قطعة بردي مكتوبة،وتوالت الاكتشافات وتم العثور على مئات البرديات من مختلف عصور الحضارة المصرية القديمة. وتزخر معظم المتاحف في مصر والعالم بمجموعة كبيرة من أوراق البردي المخطوطة من مصر القديمة؛ منها برديات تجاوز طولها 45 مترا منها برديات دينية تتحدث عن الموت والحياة الأخرى والثواب والعقاب ،ومنها برديات طبية تحوي تشخيص للأمراض وأدوية لها ، وبرديات أدبية تحوي قصصا وأساطير وأشعار، وبرديات تتحدث عن الإدارة والقضاء والعمارة وأخبار الحروب وحدود الأقاليم والمدن وما يعبد فيها من أرباب، وبرديات في العلوم والفلك والحساب والهندسة والطب…ألخ. ومن البرديات الشهيرة بردية تورين من عصر الرعامسة وهي موجودة في متحف برلين بألمانيا مكتوبة بالخط الهيراطيقي وهي بردية هامة حيث تسجل أسماء الملوك المصريين القدماء وفترات حكم كل واحد منهم بالأعوام والشهور والأيام وبالتالي فهي مصدر هام للتأريخ المصري القديم وكتابته.

وبردية (إيبرس) الطبية وهي من المراجع الهامة لمعرفة الأمراض الباطنية والعلاج من عهد الملك أمنحتب الأول (الأسرة 18 دولة حديثة) حيث أنها عبارة عن مجموعة مؤلفات وبحوث في مواضيع طبية مختلفة من أمراض باطنية وأمراض العيون وأمراض جلدية وعلاجها وأمراض القلب والشرايين وعلاجها وأمراض الأورام والخراريج وعلاجها جراحيا وبالأدوية.

وهناك بردية أو قرطاس (كاهون) في أمراض النساء والولادة والطب البيطري، وبردية برلين الطبية وبردية إدوين سميث في أمراض النساء وعلاجها، وبردية تشستربيتي.
وهناك بردية سنوهي الرائعة التي تحكي لنا قصة واقعية مصاغة في قالب أدبي راقي مؤثر.وبردية إيبو ور بمتحف ليدن بهولندا والتي يحدثنا فيه إيبو ور عن أحداث الثورة الطبقية التي حدثت في مصر نهاية الدولة القديمة.
وغير ذلك من البرديات التي كشفت لنا تواريخ وأحداث هامة عن حياة أجدادنا المصريين القدماء. ولعل الاكتشافات الأثرية المقبلة ستجود علينا بالكثير من البرديات التي تقدم لنا الكثير في شتى مناحي الحياة بمصرنا القديمة.

صناعات أخرى تقوم على نبات البردي في مصر القديمة:

وإلى جانب صناعة الورق استعمل المصري القديم نبات البردي في أغراض أخرى وأولها صناعة القوارب الصغيرة التي كانت تصنع من سيقان البردي المحزومة والمربوطة معاً على شكل قارب بسيط كان يستخدمه المصري لركوب متن النيل أو البحيرات (هذا على جانب المراكب الضخمة التي شيدها المصريون من خشب الأرز الذي كانوا يستوردونه من لبنان وجابوا بها البحار). كذلك استخدم المصري القديم البردي في صناعة السلال والحبال والحصير والفرش شأنه شأن بقية النباتات ذات الألياف.ولا يخفى علينا أن المصري القديم استخدم أعواد البردي المحزومة جيدا في عمل أعمدة بعد غرسها في قاعدة طينية لتحمل أسقف معبده المشيد بأعواد النبات في عصور ما قبل التاريخ وبداية عصوره التاريخية.

ومن الجدير بالذكر أنه في الوقت الحاضر و حتى عهد قريب نجد الفلاحين المصريين البسطاء يقلدون أجدادهم في استخدام أعواد البردي المتراصة بطريقة كثيفة بعد ربطها ببعض في عمل أسقف بيوتهم الطينية حيث يطلق فلاحو الصعيد على السقف المعمول من أعواد البردي اسم (السَّـبَـاتَـة). كما أن المصريين المعاصرين أيضا قاموا بتقليد أجدادهم في إتباع طريقتهم في صناعة ورق البردي للرسم عليه كتراث جميل لبيعه للزائرين الذين يعشقونه أيضا، وكنوع من الاعتزاز بأجدادهم وحضارتهم العبقرية الخالدة.

التعليقات