التخطي إلى المحتوى
أنصار المعبود حورس ومحاولات تعزيز عقيدته في عصر الدولة القديمة
أنصار المعبود حورس ومحاولات تعزيز عقيدته في عصر الدولة القديمة
مما لاشك فيه أن الملكية المصرية القديمة و منذ عصر الأسرة صفر على أقل تقدير إرتبطت بشخصية المعبود حور في إطار إنتساب معظم زعماء الأسرة صفر لهذا المعبود و خلال مراحل كفاحهم المختلفة عبر السنين لتوحيد البلاد سياسيا مما ترك أثره في إعتبار الملك هو التجسيد الأرضي للإله حورس خلال العصر العتيق و إستقر ذلك الموروث الديني حتى نهايات العصور التاريخية . و من جانب آخر كانت هناك بعض المحاولات لمنافسة ذلك المعبود سياسيا و دينيا و لاسيما في العصر العتيق من خلال ما ظهر في عصر الملك ( بر إيب سن ) في النصف الأخير من عصر الأسرة الثانية عندما إنتسب للمعبود ( ست ) عند صعوده على عرش مصر و قام بتصويره بدلا من حورس على واجهة القصر الملكي ( السرخ ) و هو ما يجعلنا نرجح بعض النتائج التالية :1 – تم تأليف مذهب تاسوع عين شمس الذي يتناول فكرة الخلق و لأول مرة في النصف الأخير من عصر الأسرة الثانية حيث لا وجود للإله حورس – الرب الذي إنتسب إليه ملوك الأسرة صفر و ملوك الأسرة الأولى و معظم ملوك الأسرة الثانية فحورس لا يظهر في التاسوع الشمسي القديم كأخ للإله ست بل لا وجود له على الإطلاق في تلك الفترة و ما يؤيد ذلك مقصورة تورين التي ترجع لعصر الملك زوسر و التي لايظهر فيها رب الملكية القديم كواحد من أعضاء التاسوع .

2 – ظهور ست في مقصورة تورين التي تؤرخ ببداية الأسرة الثالثة و هو جالس على العرش مثله مثل جميع أعضاء التاسوع الشمسي القديم في هيئة ملك آدمي يرتدي رداء الحب السد الشهير و يكاد يتطابق كل شكل من أشكال أعضاء التاسوع الشمسي القديم مع هيئة تمثال الملك زوسر في المتحف المصري مما يشير لهذه النتيجة : أن مصر قد حكمها مجموعة من المعبودات في زمن سالف و أن المعبود ست واحد من الحلقة الأخيرة لهذه المعبودات التي تولت مقاليد الحكم في البلاد .

3 – إزدياد نفوذ كهنة و أتباع الإله ست في الجنوب و الشمال و لاسيما في منف و عين شمس و تمكنهم من إستقطاب أحد ملوك الأسرة الثانية ( بر إيب سن ) بشكل كامل و إقناعه بالإنتساب لربهم و أخذ الشرعية من ذلك المعبود الأمر الذي يكشف عن وجود بذور أولى للصراع الأسطوري بين الربين حورس و ست .

كما كشفت ألقاب بعض كبار رجال الدولة خلال عصر الأسرة الثالثة مثل ( خع باو سكر ) عن وجود عبادة منتظمة لحورس و ست خلال تلك الفترة و رغم عودة ملوك الأسرة الثالثة للإنتساب للمعبود حورس مرة أخرى إلا أن دلائل تقديس ست و بشكل واسع في البلاد لا يمكن تجاهلها بل و إحتفاظ الزوجة الملكية العظمى بلقب قديم و معروف منذ عصر الأسرة الأولى و هو ( التي ترى حورس و ست ) حيث إستمر هذا اللقب حتى عصر الأسرة الرابعة على أقل تقدير مما يكشف عن واحدة من أهم النتائج المتعلقة بعقيدة الصقر حور في ذلك العصر و هي :

لم تكن عقيدة المعبود حورس و إنتساب الملك إليها هي العقيدة المهيمنة في البلاد و لاسيما منذ النصف الأخير من عصر الأسرة الثانية فضلا عن غيابه التام من التاسوع الشمسي القديم ( رغم أنه رب الملكية القديم ) و قبل ظهور الأسطورة الأوزيرية التي ستجد له دورا أسطوريا كمحاولة لرفعة شأنه كإبن لأوزير كوريث شرعي للحكم في مقابل وضع حد لكهنة الإله ست و إبطال أي محاولة لإضفاء الشرعية على حكمه إلا أن ذلك الأمر لم يتحقق إلا في النصف الأخير من عصر الدولة القديمة و ليس قبل ذلك العصر .

و هناك من يرى أن الملك و حورس قد إستمرا في الإلتحام ببعضهما البعض من خلال النموذج الشهير لتمثال الملك خع إف رع في عصر الأسرة الرابعة و المعروض حاليا في المتحف المصري إلا أن الدارس يختلف مع هذا الطرح و لاسيما و أنه قد تناول شرح ذلك التمثال في معظم الجروبات من خلال مقاله و تحت عنوان ( المغزى الديني لتمثال الملك خع إف رع ) حيث أن الصقر الذي يفرد جناحيه خلف الملك هو غالبا رب الشمس القديم الذي ورد ذكره في متون الأهرام تحت مسمى ( حور آختي ) أو حورس الذي ينتمي للأفق أما تمثال الملك نفسه فهو يشير بلا شك للملك ببوصفه إله الشمس رع و من خلال إسمه خع إف رع بمعنى فليشرق هو رع و لم يسمي نفسه خع إف حور مما يرجح إنتفاء أي علاقة بين الصقر الذي يفرد جناحيه خلف رأس الملك و بين المعبود حورس كرب للملكية بل هو حورس الشمسي المنتسب للأفق .

و على كل حال نجد بداية إنتساب الملوك لإله الشمس رع صراحة في أسمائهم و ألقابهم منذ عصر الأسرة الرابعة الأمر الذي يكشف عن وجود تزايد ديني و سياسي للعبادة الشمسية بشكل واضح و محاولة البلاط الملكي لربط الملك بالديانة الشمسية مع الوضع في الإعتبار الحقائق التالية و هي :

1 – لم تكن هذه الديانة جديدة على الإطلاق بل نجد إنتساب الملوك إليها منذ عصر الأسرة صفر و من خلال صلايات الشمس الشهيرة و التي قام فيها زعماء تلك الفترة بالتعبير عن إيمانهم الديني بمعبود الشمس و صوروا أنفسهم كأحد الحيوانات المدافعة عن الشمس مثل الأسد و الثور و إبن آوى كما لم يغفلوا إنتمائهم السياسي نحو المعبود حور حيث إنتسب معظمهم لذلك المعبود فيما يعرف باللقب الحوري الشهير خلال عصر الأسرة صفر

2 – ظهرت بعض المحاولات لربط المعتقد الصقري الحوري بمعبود الشمس رع خلال عصر الأسرة صفر و ذلك عن طريق تصوير الزعيم ( بي حور ) فوق ذيل ثعبان دائري في أحد الصلايات و يمثل هذا الذيل الملتف حول نفسه شكل الشمس مما يعكس هنا أن الزعيم بي حور واحد من الكائنات المدافعة عن النظام الكوني و الشمسي في إطار الترويج السياسي لفن الملكية الناشئة خلال تلك الفترة .

3 – ظهور ثاني ملوك الأسرة الثانية و هو ينتب لإله الشمس رع من خلال القب الحوري ( رع نب ) بمعنى رع هو الرب و بمعنى أدق أن الصقر الذي يعتلي السرخ لم يكن سوى الرب رع نفسه و هو الملك الحاكم مع الوضع في الإعتبار أنه الملك الوحيد خلال الأسرات الثلاث الأولى الذي إنتسب صراحة لرب الشمس و في لقبه الحوري مما يعني أنه كان حالة إستثنائية و ذلم على النقيض مما حدث منذ عصر الأسرة الرابعة و معظم ملوك الأسرة الخامسة و بعض ملوك الأسرة السادسة الذين إنتسبوا صراحة لذلك المعبود الشمسي .

و هنا ينبغي لنا أن نشير لإختفاء الشكل المعماري الخاص بمقاصير معبودات الأقاليم في ساحة الحب سد و التي كانت منفذة كشكل معماري خلال الأسرات الثلاث الأولى و إرتبطت بإعطاء و تجديد البيعة لللإله الملك حورس و ذلك في مقابل تبني الشكل الهرمي الكامل و تغير شكل المجموعة الجنائزية خلال عصر الأسرة الرابعة و إرتباط ذلك بمعبود الشمس رع و توحد الملك به دنيويا و أخرويا

و هنا يتبين لنا النتيجة التالية :

تراجع أهمية المعبود حورس في مقابل تزايد نفوذ الديانة الشمسية و بداية ظهور لقب ( سا رع ) – إبن الشمس – و بداية تراجع اللقب الحوري في خلفية المشهد السياسي الأمر الذي يكشف عن وجود تحدي خطير لعقيدة الملك كحورس المقدس و محاولة رد إعتبار الملك و قدسيتها من خلال معبود الشمس رع و إنتساب الملك إليه فضلا عن إحتواء حورس داخل الديانة الشمسية و حتى لا يفقد أهميته و لاسيما بعد ظهور منافس خطير من جانب المعبود ست و أنصاره ، فلم تعد عقيدة الإله حورس كافية لترسيخ و تثبيت قداسة و ألوهية شخص الحاكم على المستوى العملي و من هنا كان لقب ( السا رع ) هو أحد الوسائل الضرورية لربط الملك برع بوصفه حورس و كإبن لإله الشمس رع لأول مرة في عصر الأسرة الرابعة فلم يوصف الملك قبل ذلك العصر بأنه إبن المعبود الشمسي على الإطلاق .

و من جانب آخر زاد نفوذ الديانة الشمسية بشكل واضح في عصر الأسرة الخامسة و من خلال بناء معابد الشمس الملكية في أبو غراب و إلتحام الملك الكامل في رب الشمس بل و تصويره في تلك المعابد في هيئة الصقر الذي يحمل فوق رأسه قرص الشمس مما يشير لبداية الإعتراف الرسمي بالمعبود رع حور آختي في تلك المعابد و بداية تصوير الملك بوصفه حورس الذي يحمل فوق رأسه قرص الشمس .

كما كشفت هذه المعابد عن مفهوم مصاحبة الملك لرع في رحلته عبر السماء في العالم الآخر و هو الأمر الذي أكدته متون الأهرام في مرحلة لاحقة عندما قامت بالتأكيد مرارا و تكرارا على هذه الفكرة و في المتن رقم ( 264 ) نقرأ ما يلي :

” منصات السماء العائمة المصنوعة من أعواد البوص تنزل في الماء لحورس لكي تكمنه من العبور عليها حتى الأفق حيث الإله حور آختي . إن منصات السماء العائمة و المصنوعة من أعواد البوص تنزل للملك كي يتمكن من العبور للأفق إلى حور آختي . إن حقول البوص مملوءة بالمياه و ذلك لكي ينتقل الملك بالمعدية إلى هناك حيث الجانب الشرقي من السماء كي يولد ثانية شابا جديدا و هناك يعرف بإسمه رع حور آختي ” . إن الفقرة رقم ( 264 ) من متون الأهرام تعكس مجموعة من الحقائق الهامة تتمثل فيما يلي :

1 – إن الملك هنا يتوحد بالمعبود حورس الذي يسعى للعبور على أعواد البوص الموجودة في السماء و المليئة بالمياه و لذا ورد في المرة العبارة الأولى إسم المعبود حورس ثم ورد في العبارة الثانية إسم الملك الحاكم و لكي يؤدي نفس ما سيقوم به الإله حورس .

2 – تتحدث العبارة الثالثة عن وصول الملك الحاكم هنا إلى الأفق و حيث يوجد المعبود حور آختي ( حورس الشمسي المنتمي للأفق ) و ذلك حتى يتحد به و بعدما نزلت إليه أعواد البوص .

3 – تؤكد العبارة الرابعة على وجود معدية تقوم بنقل الملك الحاكم من الجانب الغربي للسماء ( و هي هنا لم تذكر صراحة في النص ) و حتى الجانب الشرقي للسماء و ذلك كله يتم عبر حقول البوص المليئة بالمياه حيث يصل الملك هناك و يولد في الأفق الشرقي للسماء بإسمه ( رع حور آختي ) بمعنى رع هو الصقر الشمسي المنتسب للأفق .

4 – إن وجود الصقر الذي يحمل على رأسه قرص الشمس كتصوير فني في معابد الشمس يعكس هيئة الملك الحاكم كرع حور آختي المولد في الأفق الشرقي من السماء شابا و جديدا مثلما ورد في متون الأهرام .

و لعلنا نتسائل في هذا الصدد : هل صالة الأعمدة الموجودة في مجموعة الملك زوسر الجنائزية و التي يرى فيها بعض الدارسين تمثيلا لأعواد البوص و ليس أعمدة البردي هي التجسيد الأول و الإرهاصات الأولى لفكرة أعواد البوص العائمة في مياه السماء و التي يعبر من خلالها الملك نحو الأفق الشرقي حيث يولد من هناك ( عند بوابة المجموعة ) كرع حور آختي ؟

و على أي حال تظهر متون الأهرام تسلسل متطور من الشخصية الملكية و إرتباطها بالمعبود حورس ثم الإنتقال نحو إدماج الملك بإله الشمس رع تارة و إنصهاره بالإله أوزير تارة أخرى الأمر الذي جعل العديد من علماء المصريات يميلون لهذا الطرح التالي :

أن متون الأهرام تعكس مرحلة تاريخية كشفت عن وجود صراع سياسي ديني بين أنصار حورس و أنصار ست ثم سعي كهنة حورس لإدماج معبودهم برب الشمس رع من خلال الإتفاق مع أنصار ذلك المعبود في منف و عين شمس ، فإرتباط الملك هنا برع يهدف لتعزيز العقيدة القديمة لحورس الملكي في مواجة أنصار ست ثم إتخاذ آخر الخطوات بتأليف و صياغة الأسطورة الأوزيرية بإظهار حورس كإبن لأوزير الذي قام بدفن أبيه أوزير و قدم له القرابين اللازمة مما جعله يكتسب شرعية الحكم من جديد ثم إكتسابه للقب المنتقم لأبيه و ذلك لكي ينتزعوا الشرعية تماما من جانب المعبود ست و التأكيد على أن الملك هو تجسيد لحورس و ليس ست و ذلك على النقيض مما نادى به أنصار ست ثم إدماج تلك الأسطورة في الديانة الشمسية و إحلال المعبود أوزير في التاسوع الشمسي بدلا من الإله جحوتي ( الزوج الأول للإلهة إيزيس ) و ظهور ست في شكل سلبي من خلال عدم إبراز أي علاقة له بالمعبودة نفتيس بل و إرتباطها بأوزير بوصفها التي إشتركت مع أختها إيزيس في طقوس البكاء و الندب و العويل و التحنيط أمام جسد الإله أوزير و تهيئة الفرصة لإقحام حورس في ذلك التاسوع الشمسي من خلال أبيه أوزير الذي أوجد له مكانا للظهور بوصفه من ورث حكم البلاد و كآخر حلقة في التاسوع الشمسي و ذلك كله لم يحدث إلا بهدف تعزيز عقيدة حورس القديمة .

التعليقات