التخطي إلى المحتوى
التبشير بزمن الخلاص و قيام دولة الإله آمون بنهاية عصر الدولة الحديثة
التبشير بزمن الخلاص و قيام دولة الإله آمون بنهاية عصر الدولة الحديثة

إتسمت نهاية الدولة الحديثة بالكثير من الأزمات السياسية و الإقتصادية التي شهدتها البلاد و كشفت عن عجز السلطة الملكية في نهاية عصر الرعامسة في السيطرة على مقاليد الحكم و في العام التاسع عشر من حكم الملك رمسيس الحادي عشر (حوالي 1080 ق.م) إتخذ (حريحور) والذي لا نعلم عن أصله الكثير  لنفسه ألقاب الكاهن الأول لآمون و الوزير والقائد الأعلى للجيش ثم إتخذ لنفسه لقب ( الملك ) في خطوة مفاجئة و لا نعلم حتى الآن كيف تمت بهذا الشكل . لم يكتفي الكاهن الأول لآمون بتلك الخطوات السابقة بل بدأ يتجه لوضع لقب جديد يكشف عن التبشير بميلاد عصر جديد يختلف تماما عن العصر السابق القديم و هو لقب ( وحم مسوت ) بمعنى تكرار أو إعادة الميلاد – و لاريب أن هذا اللقب يعكس عدد من الحقائق الهامة التي ينبغي أن نلقي عليها مزيدا من الضوء و هي :

1 – كانت هذه هي المرة الثالثة التي يتم إستخدام هذا اللقب في تاريخ الحضارة المصرية القديمة بعد عصري الملكين ( أمنمحات الأول ) و ( سيتي الأول ) و كلاهما كانا مؤسس لأسرة جديدة .

2 – لم يكن لقب ( وحم مسوت ) عمل روتيني أو إجراء سياسي عادي بل كان يهدف إلى الإعلان عن بداية زمن جديد يتميز بتنفيذ أحكام عرفية طارئة لوضع حلول جذرية للأزمات التي نشأت في العصر السابق .

3 – من يتولى عرش مصر و يتخذ هذا اللقب كجزء رئيسي من برنامج ألقابه الملكية يسعى لعمل إنقطاع حضاري شامل مع عصر سابق و وصفه بزمن الفوضى و طمس جميع معالمه من ذكرى مصر الحضارية ، فقد أشار أمنمحات الأول – مؤسسس الأسرة الثانية عشرة – بهذه الصيغة إلى عصر الإنتقال الأول و وصفه بزمن الكوارث و الفوضى كما إستخدم الملك سيتي الأول نفس الصيغة لكي يشير إلى أزمات عصر العمارنة و ما تسببت فيه و طمس ذكراها من الهوية الحضارية المصرية .

4 – إن تعبير ( وحم مسوت ) لا يعني على الإطلاق العودة إلى العصر الماضي السابق فكل ما مضى يتسم بالإنهيار و الضياع و على الجانب الآخر فإن ما سيأتي في الحاضر و المستقبل هو زمن الخلاص و عهد السعادة الأبدية .

5 – يشير هذا اللقب إلى ( إعادة ميلاد الآلهة ) أو بمعنى أدق ( إعادة خلق الكون من جديد ) بعد فترة إتسمت بوجود مياه نون ( الفوضوية ) و التي كانت تغمر العالم قبل بدء الخلق و لذلك فإن إستدعاء هذا اللقب من الذاكرة الحضارية المصرية يعني خلق الكون مثلما تم خلقه لأول مرة في زمن الإله الخالق الأول و هو العصر الذهبي لمصر حيث كان الإله بنفسه يباشر حكم هذه البلاد .

من هنا ندرك أن ما قام به الكاهن الأول لآمون في مدينة طيبة – حريحور – عندما إتخذ لنفسه هذا اللقب كان يعني : إنقطاع حضاري شامل و كلي مع الزمن السابق و هو عصر الرعامسة و التنكر التام لسياسة ملوك الرعامسة التي أدت إلى ظهور الأزمات السياسية و الكوارث الإقتصادية وفقا لأيدولوجيا هذا اللقب الذي إتخذه حريحور الذي أراد أن يتنصل من جميع الواجبات التي ألزمت بها سلطة الرعامسة نفسها نحو الشعب المصري القديم و إتخاذ إجراءات جديدة للإعلان عن إلتزامات عملية جديدة نحو البلاد .

إن ما قام به حريحور لم يكن شيئا إعتياديا ، فإتخاذه ألقاب الكاهن الأول لآمون و القائد الأعلى للجيش و الوزير ثم إعلانه عن نفسه كملك و التبشير ببداية جديدة في التاريخ من خلال لقب الوحم مسوت يكشف عن خطوات طارئة و ثورية ، فقد كان النظام السائد قبل عصره يفصل و بشدة بين االسلطة الملكية و بين المناصب الإدارية ، فلم يكن ممكنا على الإطلاق أن يكون حاكم مصر وزيرا و كاهن أول و وقائد أعلى للجيش في نفس الوقت . فقد كانت السلطة الملكية خلال عصر الدولة الحديثة تقوم بتفويض موظفين لهذه المهام ، و لم تشترك عائلة ملوك الرعامسة في إعتلاء أكبر المناصب الإدارية ، و نستثني هنا فقط منصب القائد الأعلى للجيش الذي إرتفع شأنه كثيرا و زادت أهميته خلال عصر الدولة الحديثة لدرجة أن ولي العهد في عصر الرعامسة أصبح يشغل هذا المنصب . أما مناصب الوزير المتمثلة في وزير الجنوب و وزير الشمال بالإضافة إلى الكاهن الأول لأمون و المشرف على جميع كهنة الآلهة فكانت دائما في حوزة عائلات أخرى منفصلة عن عائلة السلطة الملكية و من هنا ندرك أن ما قام به حريحور هو توسيع لمدى سلطاته في خطوة طارئة و ثورية داخل البلاد و قد أصبح حريحور بهذه الخطوات السياسية الجديدة ديكتاتورا يسعى لإستعادة العصر الذهبي الأول للإله الخالق الذي حكم بنفسه مصر في زمن ماضي أول و من أجل إستعادة ذلك العصر كان و لابد من تبرير هذه الديكتاتورية التي لم تدعم خطواتها من ( أسفل ) أي من عامة الشعب فلم يسعى حريحور لإقامة علاقة شعبية وطيدة بينه و بين الناس و لم تتحدث نصوصه عن ولاء شعبي يتجه نحوه مثلما تحدثت نصوص ملوك الرعامسة التي كشفت عن هدف إسترضاء شعب مصر ، فلم يكن حريحور يهدف إلى ذلك ، بل قام بتدعيم خطواته من ( أعلى ) أي من سلطة إلهية تتمثل في صدور قرار من المعبود آمون رع بتوليته لجميع هذه المناصب من خلال ظاهرة الوحي الإلهي التي كانت معروفة في عصر الدولة الحديثة . و بالرغم من أن ملوك الدولة الحديثة قد عبروا عن أنفسهمو سلطتهم بأنها قرار إلهي صادر من ( أعلى ) إلا أنهم لم يتجاهلوا على الإطلاق بأن الآلهة وضعتهم في هذا المنصب لإرضاء الشعب ولذلك فإن ما قام به حريحور و إعلانه عن ان الإله الفعلي الحاكم لمصر هو آمون رع كان بمثابة إعلان عن قيام دولة الإله في طيبة و قيام سلطة ثيوقراطية كهنوتية إعتمدت على أنه لا خلاص من الأزمات سوى بالعودة لزمن الإله الخالق آمون رع و الذي كان يحكم مصر بنفسه في الزمن الأول و هو ما عبر عنه صراحة لقب الوحم مسوت .

و لعل التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا الصدد : ما هي محاسن و مميزات هذا الحل الطاريء و الثوري و الديكتاتوري الذي إعتمد عليه حريحور ؟ ….

لا يمكن أن تقوم أيدولوجيا حريحور دون الإعتماد على تنفيذ برنامج عملي يسعى لإنتشال البلاد من عثرتها و لهذا يمكن نستشف ما سعى حريحور لتنفيذه من خلال إدراك أهم المعطيات و الأحداث التاريخية التي وقعت في نهاية عصر الرعامسة و تمثلت فيما يلي :

1 – كان أحد الأسباب الرئيسية لإنهيار سلطة ملوك الرعامسة الأواخر هو تكرار إنخفاض فيضان النيل و ما تبعه من إرتفاع لأسعار جميع المنتجات في البلاد و عدم قدرة هذه السلطة على تموين مختلف المدن و الأقاليم المصرية بما تحتاجه .

2 – لم تعد الضرائب الملكية المفروضة على جميع المعابد الإقليمية و أهمها معابد آمون في طيبة تصل إلى مخازن الدولة في العاصمة الشمالية ( بر رعمسو ) .

3 – ظهور طائفة من كبار الموظفين و الكهنة إحتكرت لنفسها جميع المواد التموينية في البلاد فعلى سبيل المثال تتحدث إحدى برديات متحف تورين عن كاهن في إلفنتين ( أسوان ) إحتكر نصف ما تحتويه مخازن معبد خنوم لنفسه بل و رشوته لموظف الدولة المبعوث من الشمال في عصر رمسيس الملك السادس حتى لا يكتب في تقريره المساويء التي إرتكبها هذا الكاهن.


4-نتج عن ذلك الوضع السيء و الفاسد حدوث أزمات و مجاعات و إضرابات و شكاوي مستمرة و لاسيما و أن المعابد أصبحت تعمل لحسابها بعد إنفصالها العملي عن سلطة ملوك الرعامسة الأواخر في الشمال .

5- كان عاقبة ما حدث هو تفكك السلطة الملكية المركزية التي لم تعد ميهمنة أو مسيطرة على مختلف الأقاليم و المدن المصرية ، و لم يكن هناك حل عملي سوى وضع جميع السلطات الإدارية و المدنية و العسكرية و الدينية في ( يد واحدة ) و إذا كانت ( هذه اليد ) لها القدرة على أن تمد سلطتها في ( أكثر من مكان ) ، فلا مانع أبدا طالما أنها ستتولى حل جميع الأزمات ، فإذا لم تتمكن ( هذه اليد ) من حل الأزمات في ( مناطق أخرى ) ظهرت ( يد أخرى ) لها القدرة على حل الأزمات في ( تلك المناطق الأخرى ) و ذلك يعني : تقسيم البلاد إلى مناطق و أقاليم متعددة تخضع لرقابة مباشرة لمن يتمكن من فرض و تجميع سلطاته في ( يد واحدة ) تحل جميع الأزمات .

و قد كان ذلك هو ما قام بفعله كاهن آمون الأول – حريحور – الذي وضع جميع السلطات في يده بالإتفاق مع رجل آخر في الشمال يدعى ( سمندس ) و الذي كان وزير الملك ( رمسيس الحادي عشر ) و إتخذ نفس الخطوات التي إتخذها حريحور و لكن في مقر العاصمة الشمالية ( بررعمسو ) .

ينبغي لنا هنا أن نشير إلى ان حريحور في الجنوب لم يقحم نفسه في صراع مع سمندس في الشمال ، فلم تكن هناك أي علاقات عدائية بينهما على الإطلاق حتى و بالرغم من إعلان سمندس عن نفسه كملك مصر العليا و السفلى في مقره في الشمال بسبب زواجه من بنت الملك رمسيس الحادي عشر ، بل العكس هو الصحيح ، فقد قام كلا من حريحور و سمندس بالسيطرة على البلاد جنوبا و شمالا من خلال أتباع سياسة قوية تمثلت في قيام أكبر عائلتين في البلاد بعمل شبكة من الإتصالات مع كبرى عائلات البلاد و إقامة علاقات نسب و مصاهرة بين الجميع بل و قامت عائلة سمندس و عائلة حريحور بعمل ( إتفاق بابوي ) تمثل في زواج إبن الكاهن حريحور من بنت الملك سمندس فيصبح هناك حق من خلال هذا الزواج أن يعتلي عرش مصر كهان آمون و بشكل شرعي في حالة خلو البيت المالك في الشمال من وجود خط ذكوري يرث الملكية كما يصبح لأبناء ملوك تانيس في الشمال الحق في تولي زعامة و رياسة كهنوت آمون في الجنوب في حالة خلو البيت الكهنوتي في الجنوب من وجود خط ذكوري يرث هذا المنصب و ذلك هو ما حدث فعليا خلال بداية عصر الإنتقال الثالث و لاسيما في الأسرة الحادية و العشرين .

و لعل هذا ( الإتفاق البابوي ) يشير من جانب آخر إلى الدرس التاريخي العظيم الذي تعلمته مصر خلال عصر الدولة الحديثة و هو أن ( حدود العالم المنظم الذي خلقه الإله الأول ) لا تنتهي عند ( حدود مصر ) فهناك بلاد أخرى أجنبية تقع خارج حدود مصر من الممكن التعامل معها و إقامة علاقات سلمية معها فمهارة السياسة الخارجية لملوك الدولة الحديثة تمثلت في إقامة السلام في أكثر من حالة تاريخية خلال عصر الدولة الحديثة ، فلم تكن الحرب العسكرية هي الطريق الوحيد لعلاج جميع الأزمات مع العالم الخارجي و قد أجاد ملوك مصر في إقامة سياسة السلام و سياسة الحرب عند الضرورة خلال عصر الدولة الحديثة و من هنا لم يكن غريبا على مصر أن لا تقع في صراعات عسكرية مسلحة في الداخل و ذلك من خلال إقامة سياسة سلام بين الجنوب و الشمال طالما كان من الممكن الوصول لحلول عملية تضمن الحفاظ على المميزات و السلطات التي يتمتع بها الجميع .

و لعلنا هنا نتناول قصة أدبية في غاية الأهمية تتحدث عن هذه العلاقة التعاونية التضامنية بين ( حريحور ) في الجنوب و ( سمندس ) في الشمال و هي قصة بردية موسكو الأدبية التي إكتشفت في قلعة ( الحيبة ) العسكرية عند منطقة بني سويف . و يشكل نص هذه البردية حالة تاريخية فعلية وقعت خلال نهاية عصر الرعامسة حيث تسلط قصة البردية الأضواء على لقب ( الوحم مسوت ) الذي إتخذه حريحور و بلوغه العام الخامس من حكم ( الوحم مسوت ) بمعنى أدق العام الخامس من حكم ( الإله آمون ) الذي قام بتعيين حريحور كملك لكي يقوم بخدمته ككاهن أول في معبده و هو العام الذي يتوافق زمنيا مع العام الرابع و العشرين من حكم الملك رمسيس الحادي عشر الذي لا يزال يحكم بشكل صوري في الشمال .

يشير نص هذه البردية إلى إتفاق حريحور و سمندس على إرسال كاهن آمون الرابع المدعو ( ون آمون ) إلى جبيل في لبنان للحصول على أخشاب الأرز اللازمة لبناء مركب آمون المقدس في طيبة و يظهر في هذه القصة أن الآمر الفعلي لهذه المهمة هو المعبود آمون رع بنفسه و الذي يتولى حكم البلاد ! … إلا أن الغريب في هذه القصة أنه لم يتم تجهيز ( ون آمون ) بأي مقابل مادي لدفع ثمن أخشاب الأرز اللازمة ، و عندما وصل ( ون آمون ) لتانيس قادما من طيبة و قبل ذهابه لجبيل في لبنان قاما بتجهيزه بما يحتاجه من زاد و مؤن و لكن دون أن يتم تزويده بأي مقابل مادي يدفعه نظير حصوله على أخشاب الأرز و يظهر في نص البردية أن آمون قام بإعطاء سمندس الملكية في الشمال – على الرغم من سمندس حتى تلك الحظة لم يصبح ملك فهو وزير رمسيس الحادي عشر – حتى يقوم بخدمته في معبده الأمر الذي يعني أنه قام بإنتهاج نفس سياسة حريحور في الجنوب .

و عندما وصل ( ون آمون ) إلى جبيل ، لم يقبل حاكم جبيل فكرة منح أخشاب الأرز لكاهن آمون الرابع ( ون آمون ) دون مقابل ، فقد تحدث ون آمون لحاكم جبيل بأن المقابل هو : مكافأة آمون الإلهية له بمنحه عمرا طويلا و صحة طيبة خلال حياته … و كان ذلك في حد ذاته شيئا جديدا لم يظهر من قبل ، و إقترح الكاهن الرابع لآمون ( ون آمون ) على حاكم جبيل أن يسجل على لوحة حجرية كشاهد أبدي أنه منح آمون أخشاب الأرز و ذلك في مقابل أن يطيل آمون عمره لخمسين عاما و ان هذا الشاهد الأبدي كاف لتحقيق رغبة الحاكم اللبناني في إطالة عمره بمجرد تسجيله لهذا النص عليه . لكن حاكم جبيل يرفض هذا الطلب و يخبر الكاهن ( ون آمون ) بما كان يتم دفعه من كمية كبيرة من الفضة في السابق من أجل الحصول على أخشاب الأرز اللازمة لبناء مركب آمون فيقول النص على لسان الكاهن المصري ( ون آمون ) :

“وجلب لي حاكم جبيل وثائق من زمان أسلافه و بدأ يقرئها قائلا لي 1000 دبن من الفضة هو مجموع ما هو مسجل في وثائقي و إني متعجب لما تقوله لي ! فما هي هذه المهمة التي أرسلك بها سمندس و حريحور و الخالية من أي مقابل ؟

فقلت له ( ون آمون ) : هذا خطأ فهذه ليست مهمة خالية من أي مقابل ، فالمقابل هو ما سيعطيه لك آمون من حياة و صحة و سعادة ( عافية ) – عنخ ودجا سنب – و أنت تقول بأن الملوك القدماء قد أرسلوا فضة و ذهبا ، فلو كان بإستطاعتهم إرسال حياة و صحة و سعادة ( عافية ) – عنخ ودجا سنب – لما أرسلوا مثل هذه الأشياء أما آمون فهو رب العنخ ودجا سنب – الحياة و الصحة و السعادة ( العافية ) و قد كان هو رب أسلافك أيها اللبناني و قد ضحى أسلافك بحياتهم في سبيل آمون رع و أنت أيضا ينبغي لك أن تعلم أنك خادم آمون فهو رب لبنان و مالكها ، فإذا قلت لآمون ( نعم ) و نفذت مطلبه فستكون معافا و سعيدا و ناجحا طيلة حياتك و هذا لمنفعة وطنك و شعبك فلا تطلب شيئا آخر من آمون رع ملك الأرباب ”

و بعد مفاوضات يضطر ( ون آمون ) لإرسال مبعوث لتانيس لجلب ما ينبغي دفعه لحاكم جبيل و لما عاد الساعي و معه اللازم بعد مرور أشهر أمر حاكم جبيل بإحضار أخشاب الأرز اللازمة لكاهن آمون و هنا يقول ( ون آمون ) لحاكم جبيل عند توديعه : ” فلتكتب أيها الحاكم على الشاهد الأبدي ( لوحة تخليد ذكرى العمل ) أنك قمت بمنح الخشب المقدس لآمون و أنك دفعت أجرة العمال الذين نقلوا الخشب لمركبي و أنك تكفلت بجميع المصاريف اللازمة فقد قمت بعمل عظيم حقا ، و سعيت لكي تصل المركب إلى مصر في سلام و لتطلب من آمون أن يزيد عمرك 50 عاما و هذا ما سيحدث لك فعلا فإذا ماجاء أي فرد و قرأ ما كتبته على هذا الشاهد و ما قدمته من خدمات جليلة لآمون ثم قرأ إسمك فستمنح آلهة الغرب لك ماءا طيبا يعطيك الخلود ”

يتبين لنا مما تقدم في هذا النص مجموعة من الحقائق الهامة و هي :

1 – يظهر آمون رع في هذا النص بوصفه الحاكم الفعلي لمصر و ما حولها من البلاد الأخرى الذي يصدر الأوامر لخدامه سمندس و حريحور و حاكم جبيل الذي يصفه ( ون آمون ) بأنه هو الآخر خادم لآمون و لاشك أن ذلك هو إمتداد لأيدولوجيا عصر الدولة الحديثة التي وصفت آمون رع بأنه يملك مصر و ماحولها من جميع البلاد هو ملك له .

2 – أن ملكية كلا من حريحور و سمندس تهبط لدرجة الكهنوتية وفقا لما ورد في نص البردية ، فالملك ما هو إلا خادم لآمون – الحاكم الفعلي للبلاد – الذي لا يفعل أي شيء سوى إسترضاء آمون بإقامة شعائره في معابده و تلبية طلباته كلها حتى تعم السعادة على مصر و يتحقق زمن ( الوحم سوت ) العصر الذهبي الأول الذي كان يحكم فيه الإله الخالق بنفسه .

3 – لا وجود في النص لأي قوة فعلية أو شرعية للملك رمسيس الحادي عشر في الشمال فالسلطة الآن صبحت في يد حريحور في الجنوب و سمندس في الشمال بينما يبدو الملك رمسيس الحادي عشر غائبا تماما في سياق النص .

4 – يبرز النص مدى إيمان أنصار آمون بما كانوا ينادون به فعليا و ذلك يتضح من خلال رد كاهن آمون ( ون آمون ) على حاكم جبيل بأن آمون يلبي جميع طلبات الإنسان طالما أخلص هذا الإنسان له بل و أن جميع من في البلاد هم خدام لآمون كما يكشف من جانب آخر عن سعي أنصار آمون لنشر هذه الحقائق خارج مصر بل و إعتبارها حقائق ثقافية مطلقة لا يرتقي الشك إليها

5 – يجد حاكم جبيل صعوبة كبرى في تقبل و فهم هذا النط الثقافي المفروض عليه من الخارج كما أن كاتب النص يعي تماما هذه النقطة بل و يقوم بإبرازها في النص فحقيقة تقبل النمط الثقافي المصري المنادي بأفكار أنصار آمون الغريبة عن ثقافات الشعوب الأخرى أصبحت تجد من يعارضها صراحة لأنه لا يفهما و لا يتقبلها و لعل ذلك يبرز الهوة الثقافية الكبرى بين ما كان يحدث في مصر و ماكان موجود حولها في البلاد الأخرى ، فإعلان قيام دولة الإله آمون في مصر بأكملها في نهاية عصر الدولة الحديثة حالة تاريخية شاذة في منطقة الشرق الأدنى القديم لم يفهمها حاكم جبيل إلا بعد أن قام ون آمون بدفع مقابل مادي له فلا مانع من إطالة عمره و لا مانع من أن يحيا حياة طيبة و سعيدة يضمنها له آمون رع رب مصر و لكن ذلك لا يعني بالنسبة له ( حاكم جبيل ) أن يستغني عن المقابل المادي ، فالمقابل المادي و نظيره المعنوي يظلان متلازمان و مرتبطان ببعضهما البعض أما آمون فهو يهب فقط ما هو أهم من المقابل المادي و هو تحقيق الطلبات المعنوية التي لا يستطيع أي أحد من الناس و لا الملوك أن يحققوها و ذلك هو النمط الثقافي المصري الذي نادى به أنصار آمون في نهاية عصر الدولة الحديثة فأعلنوا عن قيام دولة آمون لكي يبشروا بزمن الخلاص زمن ( الوحم مسوت ) .

 

التعليقات