التخطي إلى المحتوى
الجيش المصري الفرعوني (بحث كامل بالصور)
الجيش المصري الفرعوني (بحث كامل بالصور)

إن الجيوش فى حياة الأمم هى سندها ومصدر أمنها ، والسياج الذي يحميها فى سلمها وحربها ، ومنذ عصور ما قبل التاريخ والإنسان المصري يتخذ كل الوسائل للدفاع عن نفسه فى مواجهة الحيوانات الكاسرة ، والزواحف الضارة ، وكل الكائنات التى يمكن أن تصيبه بأذى(1).

وما أن استقر الإنسان بعدما عرف الزراعة وارتبط بأرض وبمسكن ،بدت فكرة تبادل المصالح المشتركة مع التجمعات السكنية المجاورة ، ومن ثم بدأت تتداخل خيوط الود مع خيوط العداء فى نفس البشر ،كما هو الحال فى كل زمان ومكان ،ليبدأ الصراع الذى كان يتخذ أشكالا عدة ،، معبرا عن رغبة ملحة أحيانا لدي الإنسان للسيطرة والحصول على السلطة والسلطان.

من هنا أتت فكرة تكون الجيوش والتي كان غرضها الأول هو الدفاع وحماية شعبها من أي خطر خارجي، وما أن لبث بعدها حتى سار الهدف منها توسيع الممالك وجمع الأموال والغنائم التى تأتى من الحروب، مع أن تلك الغنائم لا تساوى نقطة دم قتيل واحد من كلا الطرفين.

وفى بحثنا سوف نتناول فيه فكرة تكوين الجيش المصري وكيف كان المصري القديم قويا فى حربه وسلامه وشكله وفرقة وكتائبه والرتب العسكرية وحياة الجندية والسلاح المستخدم ، وحروب التحرير والانتفاضات الشعبية، ودور الدين بالسلب والإيجاب على الجيش، وأيضا الدور الذي فعله الجيش فى أوقات غير الحرب، مستعرضين المزايا للجيش المصري خلال تاريخه، وبعض العيوب التي أستغلها القادة بسبب مناصبهم.

راجيا عدم التصنيف من القارئ العزيز فما سنستعرضه الآن علم وتاريخ ليس له علاقة مطلقا بالحياة السياسية وما يدور من احدث، وكل سطر فى البحث موثق ومدعم بالمراجع.

وأرجو من الله أن ينال إعجابكم

وما كان مـن توفـيق فمن الله

وما كان من جهل وخطأ ونسيان فمن نفسي ومن الشيطان

الحدود الطبيعية أول خط دفاع لمصر

لقد وهب الله أرض مصر حدودا طبيعية جعلتها فى الأزمان الغابرة منعزلة عن العالم الذي يحيط بها مما جعل إغارة جيرانها عليها من أصعب الأمور وأصعبها ،فقد كانت صحراء لوبيا (ليبيا) سداً منيعاً لكل غارة من جهة الحدود الغربية ، على حين أن سواحلها الشمالية لم تعرضها لأي خطر، إذ فى ذلك العهد من التاريخ لم يكن لها أعداء لهم أساطيل تمخر عباب البحر يخشى من غارتها ، أما الأقوام الذين يقطنون وراء حدودها الشرقية والجنوبية ن فإنهم كانوا أقل منها ثقافة ومدنية ، فكان خطرهم على تهديد سلامتها لا يحسب له حساب(2).

فكان لتلك الحدود الطبيعية دورا كبيرا فى الدفاع عن مصر وأهلها ، حيث كانت هى خط الدفاع الأول حتى يخرج المصريين عن بكرة ابيهم لمواجهة أي خطر خارجي من الممالك المجاورة.

خريطة للمملكة المصرية القديمة وحدودها

خريطة للمملكة المصرية القديمة وحدودها

طبيعة مصر وظروف القتال والحروب وصوت الواجب

لم يدخل المصري القديم وجيشه حربا إلا بعد الإعتداء عليه، أو أن يستشعر الخطر وتجهيزات العدو للهجوم عليه، وحروبنا قديما وحديثا تثبت لنا ذلك، فالخروج بالجيش فى معظم الحالات كان للدفاع وليس للحرب والهجوم على ممالك العالم القديم كما فعل الفرس واليونانيين وغيرهم من شعوب العالم القديم.

اول خريطة فرعونية

اول خريطة فرعونية

مصر أمة مُسالمة

انك إذا اطلعت على ما كُتب فى الكتاب المقدس عن مصر خُيل لك أنهم أمه حرب وطعان وأنهم لم يوجهوا همهم لشئ إلا للحروب والغزو ،وحقا لقد حاربوا طويلاً وانتصروا كثيرا واستطاعوا أن يكون إمبراطورية لم تصغر فى شأنها عن أي إمبراطورية قامت فى العهد القديم، ولكنهم لم يكونوا ميالين بطبيعتهم وسجيتم للحرب والقتال ولم تكن روح المصري مفعمة بذلك الميل الغريزي الذي يدفع صاحبة للقتال فى أي فرصة له من السرور –أثناء القتال- ما لا يمكن تصوره عقل إنسان أي أنهم لم يكونوا مثل أعدائهم الأسيويين والبابليين(3).

فلك أن تتصور مثلا عندما دخل الفرس إلى مصر كيف خربوها وهدموا المعابد وأحرقوا المنازل،، واستهانوا بعقيدة المصرى القديم فذبحوا العجل أبيس بمنف وهو مقدس عند المصريين القدماء ، وفرقوا لحمة على الجنود، وأيضا كل الغزاة والطامعين الذين أحتلوا مصر اللهم إلا الأسكندر الأكبر والذى أعتبره المصريين ابن من أبنائها وأنعمت عليه بلقب “سا-رع”، وهو بدورة كان يعشق مصر.

المصري قويا فى سلمه وحربة

إذا كان بعض المؤرخين القدامي والمحدثين قد أساءوا فهم شخصية المصري القديم وميله للسلم، وفسروه على أنه ضعف وعدم القدرة على المواجهة وبناء الجيوش، فالواضح أنهم لم يتفهموا جيد أبعاد أحداث التاريخ المصري القديم ، والتى تبرز لنا بوضوح أن المصري القديم قوى فى سلمه وحربه، بل كان متحضرا فى معاملة الأسرى، وظن لفترة طويلة يبني بلده من الداخل، وما كان يلجأ للحروب إلا دفاعاً النفس لكنه كان يخرج ليذود عن أرضه وعرضه متي أدرك أن هناك من يسعي لتهديد أمنه، والنيل من استقراره(4).

ما قيل فى الجيش المصري من النبى محمد صل الله عليه وسلم

لا يمكن أن نتحدث عن الجيش المصري ولا نذكر ما قاله نبينا الحبيب صل الله عليه وسلم فى الجيش المصري حتى لو كان الكلام فى العصر الفرعوني ، فكلام النبى عن المصريين والجيش المصري شرف لنا كمصريين إلى أن تقوم الساعة ، فهو عليه الصلاة والسلام “لا ينطق عن الهوى”.

وقد قال النبي محمد صل الله عليه وسلم في أهل مصر وجنودها
“الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله”

 

أخرجه الطبراني في الكبير، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

 

وقد قال أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه

“أهل مصر الجند الضعيف ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مؤنته”

وكلها أحاديث حرصت على أن تكون من صحاح الأحاديث النبوية الشريفة التى تتحدث عن فضل أهل وجيش مصر.

وقد حدث ما ذكره النبى صل الله عليه وسلم، فبالجيش المصري طرد المغول أو التتار كما يذكر، بعد أن احتلوا الجزيرة العربية عن بكرة أبيها بما فيه بيت الخلافة فى بغداد ، وعان المسلمين من همجيتهم وتخلفهم إلى أن حان الميعاد وعلمهم الجيش المصري درسا لم يتجمعوا من بعده أبدا إلى الآن.

وكذلك الحروب الصليبية وما حدث من الصليبيين للعرب من دمار ونهب وسلب، ودور الجيش المصرى بقيادة العبقري صلاح الدين الأيوبي في فتح بيت المقدس وطرد الصليبيين.وكذلك حروب أخرى كثيرة كان فيها الجيش المصري عونا للإسلام والعرب، وكان خط الدفاع الأهم عن أي مملكة من الممالك التي كانت تتبع الدولة الإسلامية.

الفرق بين حروب مصر وحروب جيرانها

كانت حروب مصر فى عهد الدولة القديمة ضد اللوبيين فى الشمال الغربي لحدودها ، والنوبيين في الجنوب وبدو سيناء فى الشرق ، تختلف اختلافاً بيناً عن حروب الشعوب المجاورة لها كأمم غرب آسيا(5).

إذ كانت الأخيرة تشن الغارات للحصول على القوت أو لاستغلال الأراضي ، أما حروب الفراعنة فكانت فى هذه الفترة لصد غارات القبائل المجاورة وتأديبهم ، أو للحصول على غنائم . ولا شك في أن مصر كانت القاهرة المنتصرة فى هذه الحروب بسبب تقدمها فى الحضارة وما لديها من سلاح وحسن نظام فنونها الحربية(6).

وكان يفوق مصر- رغم تنظيم جيوشها وما لديها من عدد القتال – شعوب غرب آسيا ، وقد بقيت تمتاز عنها فى هذه الناحية حتى بداية الدولة الحديثة(7).
نداء الواجب الوطني

 

نعم قد يظهر الجندي المصري مهارة خاصة ويبلي بلاء حسن إذا قاده إلي القتال قواد ماهرون ولكنه مع ذلك يختلف من السوداني –كما ذكر المؤلف مع تحفظي – الذى يقاتل حبا فى القتال ،فالمصري يؤثر عيشة السلام على الحرب ، ولكن إذا مر فرعون بالحرب فلا يوجد من يتردد فى طاعة امره ،هنالك يحاربون تحت رايته وقيادته ويبلون البلاء الحسن ن ولكن طول الوقت لا يشغل بالهم إلا الحنين والرجوع للوطن(8).

العسكرية حياة صعبة “مسالة الصواب والعقاب”

الجندية والعسكرية حياة صعبة قديما وحديثا لما فيها من التزام وقوانين وتدريبات صعبة ، لا يقوى عليها أى فرد عادى.ولدينا كتاب قديم كان كاتبه جنديا ثم رقي إلى ضابط فى الإدارة السياسية، كتبه لشاب صغير مبينا له آراءه عن الجندية محذرا إياه أن يتخذها مهنة مستقبلية. وكان الشاب ولوعا بان يكون فى إحدى الأيام من جنود العربات وهم الذين يقابلون الفرسان عندنا اليوم ، وكان يقف فى العربة جنديان احدهما يقودها والأخر يحارب.

موضحا له أنه معرض دائما لأشد أنواع العقوبات وأقساها إذا أرتكب اقل الأخطاء وأهونه، فإذا جاء يوم التفتيش ووجد اقل تقصير أو إحدى معداته بها خلل فانه يطرح أرضا ويضرب بالعصا ضربا مبرحا حتى الهلاك ، موضحا أن ذلك الخطأ اقل كثير من حالة الجنود العادية الذين يجلدون فى ثكناتهم للأي هفوة تصدر منهم ، ثم أنهم يتكبدون أشد المتاعب أثناء سيرهم للحروب وهم يحملون معداتهم ولوازمهم وآلات القتال ، وكثيرا ما كانوا يضطرون إلى شرب المياه القذرة أثناء اجتيازهم الصحراء(9).

 

 

وهم الذين يقاتلون الأعداء معرضين أنفسهم للموت بينما يجلس القواد فى أمان وسلام، فإذا ما انتهت الحرب عاد الجندى لبلده مثخنا بالجراح مهدم البنيان مسلوب الملابس، وذلك لان النوبيين الذين يحرسون الأمتعة ينتهزون فرصة اشتباك الفريقين فى القتال فيسرقون الأمتعة ويلوذون بالفرار(10). وختم الكاتب –الضابط- كلامه بأن قال:”خير من كل ذلك ان تختار لنفسك مهنة كمهنة الكاتب وتعيش سعيدا فى وطنك”

أصول تكوين الجيش

وما ان استقر الإنسان بعدما عرف الزراعة وارتبط بأرض وبمسكن ،بدت فكرة تبادل المصالح المشتركة مع التجمعات السكنية المجاورة، ومن ثم بدأت تتداخل خيوط الود مع خيوط العداء فى نفس البشر، كما هو الحال فى كل زمان ومكان، ليبدأ الصراع الذى كان يتخذ أشكالا عدة ،، معبرا عن رغبة ملحة أحيانا لدي الإنسان للسيطرة والحصول على السلطة والسلطان(11).

وكاد يكون من شبة المسلم به أن مصر لم يكن لها جيش ثابت منظم حتى نهاية الدولة القديمة – بمعنى جيشا متكاملا مثل أيام الدولة الحديثة مثلا – إذ كان لكل مقاطعة قواتها الخاصة كما أن لكل معبد قواته الخاصة، ولم تكن هناك وحدة بين تلك القوات إلا فى حالة الضرورة الملحة(12).

مهمة إعداد الجيش

مهمة إعداد الجيش مهمة شاقة تحتاج إلى قائد محنك يستطيع أن يدبر الأمور بحنة وذكاء، وأن تكون شخصيته قيادية قوية يستطيع من خلالها أن يتعامل مع الصغير والكبير الضابط والجندي فى جيشه وهو ما يجعل الكل يحترمه ويقدره وأيضا يخشاه وهو شئ مطلوب فى العسكرية حتى لا تسود الفوضى داخل المنظومة والمؤسسة المنظمة الخطير ة تلك.

ويحدثنا “ونى” عند سرد قصته بافتخار كيف عهد إليه الملك بمهمة إعداد الجيش وجمع عشرات الآلاف من كل ارض مصر العليا من “الفنتين” فى الجنوب إلى “ديتوبوليس” فى الشمال وكذلك من مصر السفلى من جانبي الدلتا وكذلك من قبائل بلاد النوبة(13). وهو على رأس الجيش مصطحبا معه بعض الكهنة ربما لكى يلهبوا حماس أفراد الجيش(14).

وسوف نقوم بشرح نبذه مختصرة عن تكوين الجيش فى كل فترة زمنية من الفترات التى مر بها التاريخ الفرعوني القديم من ما قبل التاريخ حتى دخول الاسكندر على مصر.

عصر ما قبل التاريخ

لم تكن مصر معفاة من الحروب الداخلية والخارجية منذ ما قبل الأسرات لأن ذلك ينافي طبيعة البشر وسنن الرقي ، فقد عثر على بعض ألواح من عصر ما قبل التاريخ يستدل منها على قيام حروب بين المصريين وأهل بلاد النوبة ، وكذلك على حروب مشتركة بين أهل مصر وبخاصة الوجه البحرى والقبلى ، وبقيا النزاع قائم حتى عصر مينا على قول معظم المؤرخين .وما لدينا من آثار من تلك المرحلة يوضح ذلك مثل لوحة الملك نعرمر وصلاية الملك العقرب(15).

صلاية نعرمر

صلاية نعرمر

الجيش فى الدولة القديمة

ولا جدل فى أن الجيش في هذا العهد كان في تكوينه ملكياً .وكانت الفرق “عبر” فى عهد كل السر المنفية تتألف من شباب يقودهم رئيس “خرب” وهذا لقب كان يحمله فى الإدارة المصرية كل من له وظيفة يسيطر بها على عدد من الموظفين.

وكان رئيس فرقة الشباب المجندين يطلق عليه لقب قائد فرقة الجنود. وقد وصلت إلينا هذه المعلومات من نقش على خاتم من الأسرة الثالثة، ومن ألقاب الأمير “رع حتب” الذى كان يسمى الفرقة قبل أن يعين قائدا عاما للجيش(16).

الملك زوسر يكون أول جيش منظم

لما تولى الملك زوسر حكم البلاد ووطد السلطة الإدارية فى يده كان لابد له من جيش قائم فى البلاد ليمكنه من القبض على ناصية الحال فى البلاد وخارجها ، وفعلا عثر على نقوش فى عصره تثبت وجود مصلحة خاصة إدارة شئون الجيش. وكان أهم ما عنى به الملك هو حماية البلاد من غارات الأجانب، التى كانت تجتاح البلاد من أطرافها وبخاصة أهل البدو(17).

وفى عهد الأسرة 4 كان على رأس الجيش البرى قائد الجيوش “امر مشع” وكان فى العادة ابن الملك، ويجلس بين أعضاء المجلس الأعظم للعشرة، مثل الأمير “مر ايب” بن الفرعون خوفو(18).

أما الجيش في أواخر الدولة القديمة كان مؤلفا من فرق تتألف منها فيالق ، كما كان تحت إمرة القيادة العامة ، وكانت كل فيالق الجيش تخضع إلى قائد الجيوش العام الذى كان على ما يبدو هو القائد الأعظم لكل جنود مصر.(19)

الجيش فى الدولة الوسطى

وإذا ما انتقلنا للجيش فى عصر الدولة الوسطى فإننا نجد أن كل حاكم إقليم كان له جيشه الصغير الذي يدافع عن إقليمه، ورغم ان الدولة الوسطى قد شهدت بعض الأحداث العسكرية، إلا إن أهم تلك المعارك المعركة التى خاضها سنوسرت الثالث “احد أشهر العسكريين فى تاريخ مصر القديمة” ضد بلاد النوبة، وهى المعركة التى خلداها على لوحة عند قلعة “سمنة ” الواقعة جنود الجندل الثاني(20).

وكان جنود الجيش المصري فى الدولة الوسطى يستخدمون نفس الأسلحة التي استخدمها أجدادهم فى الدولة القديمة، وقد أضيف لها الخنجر والسيف الذي يتخذ شكل المنجل(21).

الجيش فى الدولة الحديثة

لقد كان أعظم جيش فى تاريخ مصر القديمة “جيش الدولة الحديثة”. كان الجيش الدولة الحديثة يتكون من قسمين رئيسيين المشاة والعربات الحربية، والمشاة هم الذين الذين يحتلون الأراضي المفتوحة، ولم يكونوا جميعا من طراز واحد، فهناك تشكيلات المشاة العادية والقوات الخاصة، إلى جانب الفرق الأجنبية(22).

 

عصور الانتقال الثلاثة

أما في عصور الانتقال الثلاثة فقد كان يتم تصريح الجيش، وكان لكل محافظة أو إقليم مستقل من الغزو جيشه الخاصة وغالبا ما تكون تلك الجيوش فقيرة فى العدد والعتاد الحربي، وعند تجمعها مرة أخرى تكون النصرة وتوحيد مصر وطرد الغزاة هي نتيجة توحدهم هذا إلى جانب الازدهار الذي كان يسود البلاد بعد كل عصر من العصور الثلاثة.

الجيش فى العصر المتأخر

تواصلت انتصارات مصر فى الأسرة 22 وبالتحديد فى عهد الملك شأشنق الأول، وخصوصا فى علاقته مع مملكة العبرانيين، فبعدما ظهر الملك “داود” ونجح فى توحيد وتكوين مملكة العبرانيين، بدأ يفكر فى استعراض عضلاته فى منطقة الشرق الأوسط(23).

الجيش المصرى وملك سليمان

خرج جيش المصري بقيادة الملك شاشنق ليؤدب الخارجين عليه، واستولى على بعض مدن فلسطين، وتولى الحكم الملك “سليمان”- عليه السلام – الذى سعى لإقامة علاقات ودية مع ملك مصر، إلا أن الأخير وجد الفرصة مواتية لإضعاف حكم العبرانيين التى كان الانقسام الداخلي بدأ يدب فى أوصالها.

ووقفت مصر إلى جانب “يربعام” الذي كان يرى أنه أحق بالعرش من- نبي الله -سليمان ولجأ على مصر خوفا من بطش سليمان –عليه السلام- وعندما وصل سليمان –عليه السلام- إلى سن الشيخوخة أدرك “يربعام” أن شاشنق يتحرق شوقاً للاستيلاء على مملكة العبرانيين لتأكيد هيبة مصر وسيادتها.

وبموت سليمان-عليه السلام- عاد يربعام إلى موطنه ،واشتد الصراع بينه وبين “رحبعام” ابن سليمان ، وفى العام الخامس من حكمة انتهز شاشنق فرصة الشقاق فى مملكة العبرانيين ،وتحرك الجيش المصرى وعلى رأسه الملك شاشنق نحو فلسطين، واستولى على المدن الواحدة تلو الأخرى وأحرز انتصارا مؤزرا بدخول القدس، وقد ذكرت التوراة أن شاشنق قد استولى على كنوز بيت الرب، واستعادت مصر شيئا من هيبتها ومجدها فى آسيا، حيث أخذت الولايات التسابق فى تقديم الولاء والطاعة للملك المصري ، وقد سجلت أخبار هذا الانتصار على جدران معبد “الكرنك”(24).

التجنيد

ويظر لنا من نقوش “ونى” عند وصفه كيفية تجمع الجيش الملكي أن حكام المقاطعات والمراكز كانوا يأتون بالعساكر المجندين من الحصون والمدن التى كانوا يحكمونها(25).

كانت الخدمة العسكرية فى عهد الدولة القديمة خدمة الإجبارية بطريقة التجنيد ، فكانت كل مقاطعة بما فيها من المعابد وما تملكه يجند فيها الجنود ليعملوا على قطع الحجار أو القيام بغزوات فى الجهات التي تظهر فيه أي ثورة أو عصيان، أو لمحاربة الأمراء المقاطعات ، ولا نعرف القاعدة التى كانت متبعة للتجنيد فى البلاد.

وقد عثر على لوحة من عهد الاسرة12 تلقى بعض الضوء على نسبة المجندين فى تلك الفترة ، وأن كان ما جاء فيها لا يعد مقياسا يمكن اتخاذه قاعدة ، وتخبرنا تلك البردية أن الابن البكر لأحد الملوك كان كاتبا للجنود عند تجنيده بأحد فرق إقليم طيبة، وانه كان يأخذ المجندين بنسبة 1% من الرجال(26).

وفى الدولة الحديثة رجلاً من بين كل عشرة رجال، ثم سرعان ما اسند اختيار المجندين إلى مجلس عسكرى، وأن كان هناك ما يشير إلى أن التجنيد كان وراثيا فكان ابناء المجندين يفضلون على غيرهم(27).

التدريب

لم تكن الخدمة العسكرية وراثية ، ومهما ظهرت فوائدها ضئيلة فى نظرنا ن فأنها كانت في أعين الفلاحين عظيمة ، مع معظم أن الذين أدوها كانوا يخرطون أولادهم فى سلكها، وقد كان يؤخذ المجند وهو صغير ثكنات حيث يتعلم كيفية الرماية بالقوس والنشاب، واستعمال البلطة فى الحرب، والدبوس والحربة، وكانوا يتمرنون على الألعاب الرياضية التى تجعل الجسم أكثر مرونة، وتدربهم على فنون الحرب والسير العسكرية والكر والفر والقفز(28).

والمصارعة بأيدهم مفتوحة أو مغلقة، بالملاكمة، وكانوا يعدون أنفسهم للموقعة على شكل رقص حربى منظم أو بالوثب واللف، والتلويح بالقوس والنشاب فى الفضاء، وعند الفراغ من تعليمهم كانوا يدمجون فى الفرق المحلية ويمنحون امتيازاتهم وعندما تكون الحاجة ماسة إلي أحدهم كان يطلب بعضهم أو كلهم للانخراط فى سلك الجيش(29).

مشاهد للتدريب من على جدران المعابد

مشاهد للتدريب من على جدران المعابد

عمليات السير والمشى عند الجيش “الخطوة تنظيم”

كان الجندي المصري يلتزم خطوة منظمة واسعة منذ القرن 25 ق.م على اقل تقدير، فيسير الجندي فى صفوف يتكون كل منها من أربعة جنود فى تشكيلات الكتائب والفرق الكبيرة ، وكان يعاون عادة فى تنظيم مشيتها الرتيبة وبث الحيوية والحماس فيها نافخ البوق ، أو ضارب الطبل ، فضلا عن مقدم الجماعة الذى يلتزم مقدمة الصف أحياناً ، ويلتزم نهايته أحياناً أخري(30).

أبناء الفراعين فى التدريبات

هذا وقد شارك أبناء الفراعين فى التدريبات، وخاصة الرماية والفروسية، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك “أمنحتب الثاني” الذى تتلمذ فى مدينة جرجا على حاكمها القائد “مين” وتدرب معه على رماية المشاة(31).

كما تدربوا على الخطط العسكرية وركوب الخيل والعربات الحربية ، وكل ما هو جديد فى العلوم العسكرية وكيفية قيادة الحروب، وذلك وكما قلنا لان أبناء الملوك حينما يكبروا كانوا يقيدون الجيش.

القتال من معبد مدينة هابو

القتال من معبد مدينة هابو

مناظر التدريبات على جدران مقابر بنى حسن

ومشاهد المصارعة فى بنى حسن كثيرة تعمد فيها الفنان أن يعطى لونين مختلفين للخصمين حتى يفرق الواحد منهما عن الأخر، هذا فضلا عن مناظر لبعض الجنود وهم يرقصون رقصة الحرب، والتي هي نوعا من التدريبات على الحركات السريعة والانقضاض لملاقاة العدو فى هجوم خاطف، وكلهم يصيحون صيحة القتال التى تلقى الرعب فى قلوب الأعداء(32).

مشاهد القتال من مقبرة امنمحات ببنى حسن

مشاهد القتال من مقبرة امنمحات ببنى حسن

مناظر الحروب على جدران المعابد وفى الأدب

سجلت المناظر العسكرية على الصروح الضخمة، وتغطي مساحات كبيرة من جدران قاعات معابد الآلهة والمقابر فى أبيدوس والأقصر والكرنك والرمسيوم ومدينة هابو والنوبة، ولا جدال فى أن هذه المناظر تعكس اتجاه العصر فى عهد الأسرة 19، كان يستلهم فى عمارته ونقوشه وتخطيطه الروح العسكرية البارزة(33).

مشاهد الحروب على جدران المقابر

مشاهد الحروب على جدران المقابر

كذلك كانت المؤلفات الأدبية المتعلقة بالحرب والبطولة والتى تدور حول الشجاعة العسكرية فى ميدان القتال، وما يشبه ذلك من موضوعات، تنسخ وتقرأ على نطاق واسع، وتمثل جزءا من البرنامج التعليمي للتلاميذ، فمثلا من بين الموضوعات المحببة فى أدب الرعامسة، قصة الاستيلاء على يافا التي تعود إلى زمن الفتوحات العظيمة لتحتمس الثالث وكذلك قصة سقنن رع وأبو فيس التي تسجل أحداث حرب التحرير الكبرى ضد الهكسوس(34).

أعمال ا للجيش وقت السلم

كان للجيش المصري عملة الخاص فى وقت السلم مثل وقت الحرب تماما، فكيف لمؤسسة كبيرة مثل مؤسسة الجيش تلك بهذا العدد الكبير من الجند أن تظل بدون عمل فى وقت السلم أي وقت لا عمل لهم؟، من هنا بدأ التفكير فى كيفية استغلال تلك الأعداد فى عملية بناء وتنمية البلاد. والدارس لتاريخ الجيش المصري القديم سيدرك أن هذا الجيش كان له دور مزدوج وهى كالتالي(35):

الدور الأول

فهو الدور الرئيسي باعتباره مؤسسة عسكرية ، والذي يتمثل في الدفاع عن حدود البلاد وتأمينها، والردع عند الضرورة لمن تسول له نفسه الاعتداء على أرض مصر، ثم توسيع الحدود عند استشعار الخطر من الشعوب المجاورة.

الدور الثانى

فهو دوره فى الحياة المدنية، والذي يمثل فى المساهمة مع المدنيين فى إقامة المشروعات الضرورية لتنمية البلاد.

ولقد كان للفراعنة أنفسهم حرس خاص، ولم تكن هذه القوات الخاصة بالحكام أو الدولة تستخدم في حالي الحروب فحسب، وإنما كانت تقوم بأعمال أخرى وقت السلم، كحماية البعثات التجارية وبعثات استغلال المحاجر والمناجم في الصحراء(36).

 

 

الجيش يهيمن على الإنشاءات المعمارية فى الدولة

من الواضح أن الروح العسكرية فى عصر الإمبراطورية قد انعكست على جميع أجه الأنشطة الداخلية، وأصبح الجيش هو المهيمن على جميع الإنشاءات المعمارية الطموحة التى تقيمها الدولة. كذلك فقد تولت أعداد كبيرة من الضباط وظائف عليا كثيرة خارج مرافق الدولة بما فى ذلك المرافق الدينية والمعابد(37).

الطبقة العسكرية طبقة مثقفة تغلغلت داخل الطبقات العليا

بالنظر إلى العلاقات الوثيقة التى أصبحت تربط هؤلاء الضباط بالبلاط الملكى وبدوائر الحكم العليا ، فلم يكن من الصعب عليهم أن ينتصروا بالتدريج في الصراع الذى نشب بينهم وبين كهنة آمون وحلفائهم من طبقة كبار الموظفين المدنيين فى طيبة ، وحتى الاحترام التقليدي التى كانت تتمتع به طبقة الكتاب العاديين باعتبارهم من المثقفين ،قد انتقل بدورها إلى النخبة الممتازة من طبقة العسكريين الذين تزودوا بأعلى مستويات الثقافة الواسعة التى تميز بها ذلك العصر(38).

المناصب والرتب فى الجيش المصرى

الملك هو القائد

كما كان الملك هو الكاهن الأول فى البلاد وحامى حماها، فقد كان الملك أيضا هو القائد الأعلى للجيش، ينسب إليه النصر وما يتبعه من أمجاد وعزة وتخليد وأفراح تعم البلاد، وحوائط المعابد وجدران مقابرهم لما يرسم عليها من صور الملك أثناء الحرب تارة، وهو يؤدب الأعداء تارة أخرى. كما كانت تنسب إليه أيضا الهزيمة ويلحق به وبجيشه العار إن حدث ذلك.

وقد قاد أغلب ملوك التحامسة فى زمن الحرب بتدبير وإدارة المعارك الحربية، كما أشرفوا على توجيه فرق المركبات فى المعركة، فضلا عن إدارة المعارك البحرية من الأساطيل الملكية أثناء التحركات البحرية الهامة(39).

قائد الجيش “امى –را –مشع”

هناك ما يشير إلى أن بعضاً من القواد كانوا يقومون بقيادة الجيش نيابة عن الملك، ومن ثم فقد حملوا لقب قائد الجيش “امى-را-مشع”(40).

وكان الفرعون ينيب أحيانا ولى العهد فى ذلك، وكان الوزير غالبا ما يقوم بوظيفة وزير الحرب، فقد كان يرأس عامة الموظفين فى الجيش فى الدولة الوسطى، وربما استمر الأمر كذلك فى عصر الدولة الحديثة(41).

كاتب المجندين “سش مشع”

من الوظائف التى شهدها الجيش المصرى القديم (كاتب المجندين) وذلك لان الموظفين الحربيين كانوا يبدوا حياتهم بالتلمذة فى وظائف إدارية صغيرة، فكان الواحد منهم يبدأ حياته بوصفه مساعد كاتب ملكي، وكان أمثال هؤلاء التلميذ يدربون على تصريف الأمور ،ويحذقون كتاب المعبود، فيشاهدون قوة المعبود-تحوت- رب العلم، وبذلك يصبحون مهرة فى أسرار الكتب، ولم تمدنا الوثائق بالمدة التى كانوا يقضونها فى ممارسة هذا الدور من التعليم، وتدل شواهد الأحوال على أن وظيفة كاتب الجند كانت تقع ضمن دائرة الوظائف الصغيرة، وكان هؤلاء الكتاب يجلسون فى مكتب إدارة الجيش وينفذوا أوامر (رئيس الإدارة) دون أن يكون لهم دائرة عمل محددة ، ولكن لكل وحدة من وحدات الجيش كاتب من هؤلاء(42).

وكانت السبل ميسرة لكاتب الجند أن يرقى فى وظيفته إلى أعلى رتبة فى الجيش، ونعنى بذلك رتبة قائد، ومن الأمثلة على ذلك القائد العظيم حور محب، فإنه على ما حسب ما وصل إلينا من المعلومات عن ألقابه، كان فى بادئ أمره (كاتب للجند)(43).

انتخاب الرتب العالية

جرت العادة أن ينتخب الموظفين أصحاب الرتب العالية في الجيش من كتاب الجند، فمنهم من يكون مديرا للكتاب الحربيين، وكاتب المجندين، ثم القائد، وقد كان عمل مدير كتاب الحربيين هو تدوين التقارير عن كل ما حدث فى خلال المعارك أثناء الحملات الحربية، فهو الموظف الذى يدون اليوميات الرسمية عن سير المواقع(44).

اعفاء العسكريين من الضرائب

كان للجنود النظاميين فى عهد الدولة الوسطى أرض معفاة من الضرائب زمن الخدمة العسكرية وبعدها ، فكانت باب رزق أساسي لهم وأسرهم ، هذا إلي أن ملوك الدولة الوسطى كان لهم حرس ينتخبون من صنف من الضباط العاملين ،وهؤلاء خصص لهم حقول وماشية وعبيد ، وذلك لأن الفرعون كان مضطرا فى اوائل هذه الأسرة إلى معونة عدد عظيم من الجنود فى الحروب التى كان يشنها لتحرير البلاد من جهة ، وللمحافظة على الأقاليم التى فتحها وضمها لمصر فى سوريا والسودان من جهة أخرى(45).

وقد كان للفرعون فى أوائل الأسرة 18 أرض شاسعة وبخاصة من الأراضي التى استولى عليها من حكام المقاطعات وكلك الأراضي التى استولى عليها بعد طرد الهكسوس من البلاد، من أجل ذلك نرى أن ضياع الجنود فى هذه الفترة كانت منتشرة فى أنحاء البلاد لدرجة عظيمة(46).

إدارة بيت الأسلحة

كان الجيش المصرى الثابت وجماعة ضباطه المحترفين وقلاعه وأسطوله يستلزم قيام غدارة هامة لتصريف الأمور ، وهو بيت السلاح الذى عرفناه منذ الأسرة الثالثة وقد كانت إدارته موكلة إلى أمير ملكي -كإدارة الجيش – أو أحد أزواج الأميرات ، وكان بذلك بعيدا كل البعد عن الإدارة المدنية ، وفى عهد الأسرة الخامسة أصبح بيت الأسلحة مزدوجا مثل الجيش : بيت للوجه البحرى وأخر للوجه القبلى ، وقد استمر موظفوه ينتخبوا من اعلي طبقات الموظفين وغالبا ما يكون من قواد الجيش الذين كانوا من أعلى طبقة من أشراف البلاد(47).

اسلحة من ما قبل التاريخ

اسلحة من ما قبل التاريخ

ويشمل بيت الأسلحة عدة مصالح وبخاصة مصلحة الأشغال لذلك نجد أن كل قواد الجيش كان يحمل لقب مدير أشغال الفرعون ، ولا شك فى أن تلك المصلحة هي التي كانت تقوم ببناء المعاقل وصنع السفن وكان يدير الأخيرة مهندس فى السفن ، وكان من اختصاصات هذه المصلحة كذلك إدارة شئون الغلال التي كانت معدة لتموين مصلحة الأعمال الحربية ولتقوم بخزن كل ما يلزم من المؤن(48).

ويدل اسمها على أنها كانت تجهز الجيش بالسلاح والملابس ، ومن أهم أعمال هذه المصلحة ضمان حسن سير مصلحة وكلاء الجيش وهى التي كانت تمد الجيش بالمأكولات والمعدات اللازمة(49).

خنجر من الذهب من كنوز توت عنخ امون

خنجر من الذهب من كنوز توت عنخ امون

الرقابة الإدارية وبعض الإدارات الأخرى

وقد كانت الرقابة الإدارية للجيش تقع على عاتق ضابط أركان حرب، وهكذا كان من بين ضباط الجيش من يقومون بعمليات التموين والحسابات والسجلات والمواصلات وكافة الشئون الإدارية، كما كان من بينهم رجال المخابرات، وجهاز خاص للتجسس على تحركات العدو(50).

الحصون

من أقدم الحصون الباقية إلى الآن هو حصن أبيدوس الذي يرجع إلى عهد الأسرة الثانية ويعرف الآن باسم شونة الزبيب، ويبلغ سمك جداره الرئيسي 17 قدم، وارتفاعه 34 قدم(51).

ولقد شيد المصريون فى عهد الأسرة الخامسة بعض الحصون فى جنوبى بلاد الشام، وفى عهد الأسرة 12 كان المصريون يبنون الحصون متبعين طرازا جديدا، وأبرز مثل له حصن سمنه العظيم(52). تلخص فى بناء مجموعة من الأبراج المنيعة حول أسوار الحصن، وبذلك يمكن للمدافعين صد هجوم المغيرين عليه قبل الوصول إلى أسواره المنيعة(53).

وكانت عروق الخشب تستخدم فى تدعيم جدران الحصن المبنية باللبن ن لتزويدها متانة وقوة حتى إذا استطاع العدو المهاجم أحداث ثغرة واسعة فى الجزء الأسفل من الجدران لا تتعرض أجزاؤه العليا للانهيار، ويرجع استخدام الخشب لتقوية الجدران المبنية باللبن إلى عهد الملك سنفرو(54).

فرق الجيش

كان الجيش يتكون من عدة فرق لكل فرقة مهامها الخاصة أثناء القتال وأيضا فى حالات السلم ، سوف نستعرض بعض تلك الفرق فى السطور القادمة.

فرقة الوطنيين

واهم فرق الجيش هى فرقة الوطنيين من رماة القوس ورجال الرمح، ويحملون الأولون الأقواس والسهام وهم اخف حملا من رماة الرمح إلا أنهم اشد خطرا فان المصريين اشتهروا بالمهارة فى الرماية مثل الانجليز القدماء ، وقد كانوا سبب انتصار فرعون فى كثيرا من الأوقات، أما الآخرون فيحملون الرماح والدروع وفى بعض الأحيان الفؤوس والخناجر أو السيوف القصار(55).

جنود العربات

وهى مثل سلاح المركبات حاليا فى الجيش المصري الحالى.

وهناك فرقة من جنود العربات وهم من المصريين، ويعتبرون ارقي درجة من المشاة، ولم تكن مهمة جندى العربة سهلة فقد كان عليه أن يحفظ توازنه وأن يصيب عدوه أثناء جري الخيل وسير العربة، ولا يخفي ما في ذلك من صعوبة وما يحتاجه من المران والثبات، وكانت خيول العربات تزين أحسن زينة(56).

 

 

عجلة حربية وعليها الجنود ماكت حديث

عجلة حربية وعليها الجنود “ماكت حديث”

فرق الكشافة

وهى تمثل سلاح المخابرات الآن فى الجيش المصرى.

وقد كانت تسبق الجميع أثناء الحروب فرق الكشافة، يستطلعون الأخبار ويتجسسون على العدو ويمدون جيوشهم بالأخبار(57).

 

 

المشاة وتقسيمها إلى وحدات وفرق

لا تزال تلك الفرقة تحمل نفس الاسم إلى الآن فى الجيش المصرى.

كانت الوحدة الأساسية فى تشكيلات الجيش هي السرية ، والتي تنقسم إلي فصائل ، وهذه الي جماعات ، وتتكون الجماعة من عشرة أفراد ، ويتلقى قائدها أوامره من قائد الفصيلة الذى يعرف بقائد الخمسين ، حيث تتكون الفصيلة من خمسين جندياً فضلاً عن قائد السرية أو حامل اللواء ، ثم أركان حرب السرية ، ثم كاتبها ، وهناك أيضا ما يسمي “كتيبة” وتتكون من سريتين، هذا وكان أفراد المشاة ينقسمون إلى رماة وحملة الرماح ، ويفتح الألوان الطريق للآخرين الذين يدخلون المعارك متلاحمين مع العدو، وقد صور الرماة وكأنما هم جماعة سائرة يرسلون السهام من داخل الحصون، أما حملة الرماح فكانوا يتحملون أكبر قسط من المسئولية فى المعركة(58).

 

ماكت خشبى لفرقة من المشاة من النوبيين من عصر الاسرة11 بالمتحف المصرى

ماكت خشبى لفرقة من المشاة من النوبيين من عصر الاسرة11 بالمتحف المصرى

القوات الخاصة

وهى سلاح الصاعقة والعمليات الخاصة الآن فى الجيش المصري.

كان أفرادها يتميزون بصغر السن، ويتلقون تدريبات معينة تؤهلهم لخوض المعارك الحاسمة، كما حدث فى معركة قادش(59).

 

 

موكب فرعون أثناء الحروب

وهو أشبة بغرفة العمليات فى الحروب الآن فى ميدان المعركة ، وما خلف القائد من الحرس الجمهوري.

 

كان يحيط بعربة فرعون الحرس الملكى وكان مكونا من رجال يدعوهم المصريون “ارشردن” أو السردانيين ومن المتحمل أنهم من القوم الذين أتوا إلى مصر من جهة البحر ليرتزقوا من الخدمة بالجيش ، وكانوا يضعون على رؤوسهم الخوذ المعدنية ذات القرون وحول صدورهم الدروع القوية، وبأيديهم السيوف الطويلة. وخلف هؤلاء تسير الجند المرتزقة وهم فرق سودانية على أجسامهم جلود الحيوانات المفترسة ، وفي المؤخرة جنود ليبيون من البدو(60). وهذا ما سنتحدث عنه حالا تحت اسم الفرق الأجنبية.

 

 

ولكن ما قصة أغرب حارس فى التاريخ!!!!!

24كان للملك حارس خاص به هو أغرب حارس فى التاريخ القديم والحديث لأنه كان أسد مستأنسا درب لخدمة سيده والدفاع عنه بأسنانه ومخالبه إذا هاجمه عدو(61).

الفرق الأجنبية والمرتزقة فى الجيش المصري

لقد كانت الجيوش المصرية منذ العصور الأولى تضم بعض الفرق الأجنبية! وآية ذلك أن حاملة الأعلام فى جيش مينا كانوا ينتمون إلى جنسين مختلفين، فقد كان أحدهما حليق الذقن وكان آخر طويلة(62).

وتدل النقوش التى دونت فى مرسوم دهشور ومراسيم فقط ولوحة “ونى” على أنه كان يوجد فى مصر جيش من الجنود الموالية “نحسى” وكان هذا الجيش يتألف من الزنوج أو بتعبير أدق من النوبيين ومن المحتمل من اللوبيين أيضا، وكانت الكتائب التى تؤلف من هؤلاء تكون جزءا من الجيش المصري، إذ أنهم كانوا يظهرون فى ساحة القتال بين الجنود الذين جمعهم “بيبى الأول” ليخضع بهم البدو تحت إمرة “ونى” وكانوا يؤلفون وحدهم جيشاً مرتزقا(63).

كما نجد فى عهد الأسرة الخامسة أقواما من البدو يحاربون فى صفوف الجيش المصري ، وفى عهد الأسرة 12 كان هناك جنود ليبيين يحملون أقواسا وسهاما ! أما فى عهد الأسرة 26 فقد حدث تغير عظيم، إذ لم يقتصر الأمر على فرق من الإغريق على الجيش المصري، بل كان في سلكه عدد قليل من الكاريين(64).

من جهة أخرى نجد لكل من الأهرام الملكية والجبانات حرساً من الجنود المرتزقة، وقد ظهر فى نقوش ونى لقب مدير الجنود المرتزقة أيضا، وقد ذكر لنا ونى قائمة بأسماء الشخصيات الهامة الذين جاء كل منهم على رأس جنوده وهم(65):

1- الأمراء ،حاملو خاتم ملك الشمال

2- السمار الوحيدون والرؤساء العظام أصحاب الحصون العظيمة

3- حكام الحصون

4- السمار رؤساء القوافل

5- رؤساء الكهنة

6- قائد الجيوش المرتزقة

وفى القرن الثالث جند العرب فى الفرق الاحتياطية، كما جند بعض رماة السهام التدمريين(66).

شكل السرايا والفيالق

لقد تبعت السريا كتائب كبيرة تألفت فى الدولة الحديثة من مشاة وخيالة ، وتضم بعضها إلى جانب مشاته نحو 50 عربة حربية بفرسانها ، والتأمت الكتائب في فيالق تراوحت أعدادها الضاربة خلال عصر الدولة الحديثة بين فيلقين وثلاثة وأربعة وتألفت كل منها من خمسة ألاف راكب وراجل ، وقد جرى العرف على تسمية بعض هذه الفيالق بأسماء أرباب الدولة الكبار(67).

الأسلحة والذخيرة ومعدات الجيش

وهى أشبة الآن بوزارة الإنتاج الحربي، القائمة على تصنيع وتمويل الجيش بالسلاح والمعدات اللازمة للحرب.

لقد كان من أهم أسلحة الجند فى فجر التاريخ هو المضرب الذى على هيئة القرص ، ثو لم يلبث أن تغير شكله فأصبح في هيئة الكمثرى ، ثم استخدم الخنجر والحربة المصنوعان من الصوان كسلاحين بعد ذلك ، وكان فى أثناء ذلك العصر السحيق يستخدم أهل الصعيد الحربة ذات الحدين كسلاح من الأسلحة التى كانوا يعتمدون عليها فى الحروب(68).

 

 

وكان أقدم سلاح عرف من المعدن فى مصر ذلك النصل العريض المثلث الشكل، ثم ظهر بعدها نصل رفيعا فى وسطه خط غائر ، ثم ظهرت الحربة المصنوعة من النحاس، ثم الدبوس المدبب والقوس والسهم والعصا فى مستهل عصر الأسرة الأولي، وفى عهد الأسرة الرابعة ظهر الفاس واستخدمه الجنود كسلاح فى حروبهم(69). ولقد كان المقلاع من الأسلحة التى استوردها المصريون من الأقطار المجاورة. وكان الجنود المصريون يتقون أسلحة الأعداء بدروع مصنوعة من الجلود السميكة(70).

ولم يزيد تسليح الجنود فى عهد الدولة الوسطى عن ذلك كثيرا ،غير ان بعض الجنود كانوا يكتفون فقط بالمقامع، وقد تغير شكل الفأس فى عصر الدولة الوسطي حتي أصبحت كالسلاح الذى تطور إلى السيف المنحني، والمعروف باسم “خبش” وهو على شكل منجل كان يحمله ملوك الدولة الحديثة، كما كانت بعض فصائل الجيش – كجنود إمارة أسيوط تتسلح بالتروس والرماح أو الحربة(71).

كما كان تسليح الجيش فى عصر الدولة الحديثة يعتمد أساسا على اسلحة مصنوعة من البرونز وهو نفس السلاح الذى أستخدمه الهكسوس فى حربهم ضد المصريين (72) كما ظهرت العجلات الحربية منذ عصر الدولة الحديثة وبعض الأسلحة الأخرى التى ظهرت بفضل تطور العصور.

الخيل

لا يزال الخيل موجود فى الجيش المصرى وكان يسمى أيام الملك فاروق سلاح الفرسان. لم تكن الخيول تستخدم فى الركوب الا نادرا، وإنما كانت تستخدم فى جر العربات الحربية ، التى كانت تعد بالآلاف، فقد روى أنه كان فى مدينة طيبة وحدها عشرون أألف عربية حربية، ولقد كانت العربات الحربية التى تستخدمها الجيش فى المعارك الحربية فى الشام يجرها فرسان، ولعل السبب هى وعورة الأرض التى كانت مسرحا لتلك المعارك(73). والجدير بالذكر أن العربات الحربية لم تستخدم إلا من عصر الدولة الحديثة حيث أخذها المصريين من الهكسوس، بل وطورها أيضا.

مؤن الجيش

الواقع لم يقوم الجيش المصري علي السلب والنهب والسخرة، بل كان حت وقت الغزوات يعتمد فى عدته وعتاده وطعامه على الأدارة الحربية ، وقد قص علينا “ونى” أثناء الحملات التى كان يقودها فى نهاية الأسرة6 أي وقت التدهور وتمزق أشلاء مصر، أن تموين الجيش كان على أحسن ما يرام حتى أنه لا يوجد جندى لم يأخذ خبزا أو نعلا، ومن ناحية أخرى نجد أنه فى خلال حملة شبة عسكرية أرسلت إلى الخليج العرب في عهد امحوتب أحد ملوك الأسرة 6 قد وضعت إدارة الجيش تحت تصرف الجنود والعمال نحو 50 ثورا و200 من الماعز لمئونتهم(74).

مهمات الجيش وجلد وصبر المصريين فى القتال

أما مهمات الجيش فكانت ترفع على ظهور الحمير ويراقبها الحمالون، وكان المصريون من أعظم الناس احتمالاً لمشقات السفر والمشي حتى ولو كانت تحت اشعة شمس سوريا المحرقة وخلال طرقها المجهولة، وكانوا يسيرون خمسة عشر ميلاً يومياً لمدة أسبوع دون أن ينهكهم التعب(75).

شكل الراية أو العلم على كل سرية

امتازت كل سرية أو جماعة فى الجيش بلواء خاص ينم عليها ويكافح عن أصحابها، ويعلو اللواء عادة رمز يصور حيوان كاسر أو غير كاسر، أو يصور جنديين يتصارعان أو صورة معبود ، أو هيئة ترس بسيط ، أو فرسين متقابلين ، أو إشارة من شارات البلاط ، وذلك تبعا لاختلاف تكون الجماعة أن كانت من المشاة أو الخيالة أو حرس المعابد والقصور(76).

أسماء السراية

وقد تلقبت كل جماعة أو سرية باسم خاص يدل عليها، وقد ينسبها إلى فرعون أو معبود يشتهر أمره في عهد من العهود، كأن يقال سرية “ماعت كارع” لقب حتشبسوت أو سرية “بهاء آتون” أو “السرية اللألأة كآتون” أو “سرية حامي الجنود”(77).

الرأي والمشورة

بالرغم من أن الملك أو القائد الأول للجيش هو المسئول الأول عن كيفية إدارة المعركة ، وتوجيه الأوامر بالقتال والانسحاب ووضع خطط الحرب ، والمسئول عن عمليات الكر والفر التى تحدث أثناء القتال ، إلا أن هؤلاء القادة لم ينفردوا برأي ، وهذا يدل على مدى ما آفاق ووسع تفكير القادة والملوك المصريين القدماء ، فربما فكرة من جندى صغير تقود الجيش كله للفوز والانتصار بالمعركة ، وربما فكرة صغيرة أو هفوة صغيرة أيضا من ملك تؤدى إلى هلاك جيش بكاملة.

وقد عبرت لنا حروب تحتمس الثالث عن تقليد عسكرى مستحب ، وهو حرص الفرعون على تبادل الرأى مع ضباط جيش، عند مواجهة مفاجآت الحرب ، وقبل دخول المعارك الكبيرة(78).

الموسيقى العسكرية

وهى سلاح الفرق الموسيقية بالجيش الآن ، ويهتم بالتشريفات الرسمية ، والموسيقات العسكرية.

لقد كان الطبل يستخدم إيذانا للجيش أن يتقدم ، كما كان يستخدم قادة الجيش النفير “البوق” لإصدار الأوامر وتوجيه سير القتال(79).

 

 

النياشين والأوسمة

لقد ابتدع المصريون أنوعا وشارات من الذهب لتمنح للضباط أو الجنود الذين يقومون بأعمال بطولية ، كما كانت توهب للأبطال بلد صغيرة من الذهب ، وهى تقابل سيف الشرف فى العصر الحديث(80).

وقد شاع من الألقاب التشجيعية لقب الفتاك أو المقاتل “عحاوتى” والجسور”قن” والقناص “كفعو” والقناص الهام “كفعوقن” ، وقد سجل كثير من شجعان الجيش أنهم فازوا بمكفآت تشجيعية، ومن ذلك القائد الكابى “احمس بن ابانا” الذى شارك فى حرب التحرير ضد الهكسوس(81).

المعبودات وإلهاب حماس الجند فى الحروب

لقد كان للدين أثره الكبير فى الحروب المصرية، ومن ثم فقد كان القوم يرسلون مع جيوشهم نفرا من الكهان ليثيروا حماس الجند، ويذكرونهم بفضل الأرباب. وترتب على كل ذلك كله اثر لا يغفل فى الترقيق من حواشي القادة ، وتهذيب خشونة الجنود ، بل أن الملوك أنفسهم كانوا يضعون ثقتهم فى معبوداتهم وان النصر إنما يأتي من عند الله ، وأنهم لا يشنون حرباً على عدو إلا إذا تعطف وأذن بالحملات وأعار سيفه وعلمه الإلهي إلى الملك لكي يقود الجيوش فى طريقها إلى المعركة ، بل أنهم كانوا يفزعون إلى ألهتهم عند الخطر الأكبر(82).

وهكذا يبدو واضحا أن الآلهة غنما تلازم الفرعون فى حروبه، مما يدل على مدي تغلغل الدين ورجاله فى كل أمور الدولة، حتى في حروبهم، وقد أرجع المصريين القدماء السبب فى الانتصار إلى إلهين عظيمين أولهما هو الملك باعتباره إله والثانى هو المعبود آمون رع الذى أذن بالحرب وأعطي سيفه للفرعون يحارب به وينتصر على أعداؤه، ومن هنا جاءت كنوز آمون رع وممتلكاته التى لا حصر لها من ضمن غنائم الحرب وعطايا الملوك.

بعض إحصائيات الحروب

لقد تعرضت مصر لغزوات الشعوب المحيطة بها ، لا بل والبعيدة عنها ، فقد تعرضت لغزو الليبيين من الغرب ، ولغو بعض الشعوب الآسيوية من شرق ، وكان المصريون يصدوهم بل ويهاجموهم فى بلادهم ! ومن ذلك أن مينا استولى بعد انتصاره على بعض أولئك الغزاة على 120,000 أسير وعلى 400,000 ثور، وعلى 1,422,000 من المعزي! ولا ريب فى أن ذلك كان يتطلب جيشا كبيرا منظما !! كما هزم أحد ملوك الأسرة الثانية بعض أولئك الغزاة وقتل 47,209 من جنودهم !!!

ومن ذلك يتبين شغف المصريين بالإحصاءات الدقيقة.
وفى أواخر الأسرة الثالثة قام سنفرو بمحاربة النوبيين، وعاد بعد انتصاره عليهم وعه 7000 من الأسرى و200,000 من الماشية(83).

 

 

والسؤال الملح الآن هو كيف كانت توزع غنائم وكنوز الحرب فى مصر القديمة ؟

توزيع الغنائم

لقد كان كل ما يحظى به الجيش من غنائم وكنوز يوزع على مؤسسات الدولة وبعض الأفراد المهمين بالشكل التالى :

1- الملك كان له نصيب من الغنائم هو وبيته الملكي

2- جزء يوزع على أمراء الجيش وقواده

3- السلاح ومعدات القتال التى كانت مع العدو وتم جمعها بعد القتال ،كانت تدخل إلى مخازن الجيش للاستعانة بها فى حروب أخرى قادمة

4- الخيل كانت تدخل إلى إسطبلات الجيش وبعض إسطبلات المعابد والملك

5- جزء كبير كان يوزع على المعبودات الهامة والأكثر شهرة فى مصر وعلى رأسهم المعبود أمون رع والذى كما سبق وقلنا انه هو الذي أذن بالحرب وأعطى سيفه للملك لكى ينتصر به على العدو

6- الغلال والحبوب والمواد الغذائية كانت تدخل إلى صوامع غلال المملكة

7- الجواري كانت توزع على الملوك والأمراء وبعض قادة الجيش ، والجزء المتبقي يباع ولحساب الدولة

8- العبيد كانوا يوزعون على المعابد وبعض أفراد الأسرة المالكة ، كما كانوا يعملون فى السخرة من أنشاء طرق ومعابد وجسور وترع وغيرة من المشاريع القومية التى تخدم البلاد كلها

9- الكنوز والمجوهرات كانت تدخل إلى خزينة الدولة وكان الملك يهادى بها من يشاء من زوجاته وأبناؤه والكهنة والأمراء ومن يشاء، وبعضها الأخر يهدى إلى قادة الجيش فى شكل أوسمة شجاعة وغيرة

10- الدواب والبهائم جزء يدخل الى حظيرة المملكة والمعبد وجزء كان يذبح فى الاحتفالات التى كانت تقيمها المملكة ابتهاجا بالانتصارات

11- جزء كان يخصص لتطوير الجيش وإمداده بالأسلحة اللازمة وتطوير البحرية وشراء السفن

12- جزء كان يخصص لشهداء الحرب كتعويض مادي لذويهم وعائلتهم على فقد عائلهم

13- الجزء الأخير كان يوزع فى شكل رواتب للجنود والضباط ومكافئات تشجيعية بسبب الانتصارات التي حققت على أيد هؤلاء الجنود والضباط وذلك لتشجيعهم على الحروب القادمة

14- هذه إلى جانب الجزية التى كانت تفرض على البلاد المحتلة ويتم تحصيلها سنويا عن طريق الحاكم الذى يخلفه الفرعون على تلك البلاد مع سريا وكتائب عسكرية مصرية لتساعده فى عمله

أدب الحروب

أشار لنا أيضا القائد والوزير “ونى” من عصر الدولة القديمة كيف كانت أدب الحروب وذلك فى فقرة خلقية على جانب كبير من الأهمية فى أدب الحروب وما يجب ان يتحلى به الجيش من دقة ونظام بين أفراده وكذلك تجاه المارة والمدن المار بها وأهلها فيصف: “لقد كنت اعد لهم الخطة بينما وظيفتي هى المشرف على الممتلكات ولم يتشاجر احد من “أفراد الجيش” مع جاره ولم ينهب أحد”عجينة” أو صندل من المارة ولم يأخذ احد خبز من أي مدينة ، ولم يأخذ احد عنزة من أي قوم …”(84)

من هنا يتضح لنا كيف كانت أخلاقيات الجيش المصرى فى تعامله مع المارة والبلاد والقرى والصحارى التى كان يجتازها ، فلم ينهب ولم يسرق كما فعل كثيرا من جيوش العالم القديم عند مرورهم على أي مدينة أو قرية كانوا يثيرون الذعر بين أهلها، ومنهم من كان يقتل الكبير ويسبى الصغير، ويأخذ النساء جواري، وينهب المحاصيل ويذبح البهائم ويهدم البيوت ويردم الآبار وغيرة من أمور لا أخلاقية أثناء الحروب.

ولكن هنا يفعل الجيش المصري من تلك الأزمان التاريخية المبكرة جدا، ما تأمر به الكتب السماوية الثلاث ، فأنهم كانوا يطبقون حديث نبينا محمد صل الله عليه وسلم دون أن يعلمون، ولكن طبيعتهم السمحة وكرم أخلاقهم ورقي فكرهم وتحضر طبيعتهم جعلتهم يتصرفون بنبل وتحضر.

كانت وصية رسول الله للجيش المتّجه إلى معركة مؤتة؛ فقد أوصاهم قائلاً: “‏اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سبِيلِ اللّهِ، قاتِلُوا منْ كفر بِاللهِ، اغْزُوا ولا ‏تغُلُّوا، ‏ولا ‏تغْدِرُوا، ‏‏ولا ‏تمْثُلُوا، ‏ولا تقْتُلُوا ولِيدًا، أوِ امْرأةً، ولا كبِيرًا فانِيًا، ولا مُنْعزِلاً بِصوْمعةٍ”

أخرج الحديث بدون ذكر قصة أهل مؤتة الإمامُ مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير: باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها (1731)، وأبو داود (2613)، والترمذي (1408)، والبيهقي (17935)

 

 

سماحة الجيش المصري مع الأسرى إذا ما قورن بجيوش عصرهم

أن شريعة الحرب عند المصريين كانت تفوق غيرها من شرائع الحرب وأعرافها فى العالم القديم ، خلقاً وتسامحاً ونبلاً ، وليس هناك من شك فى أن رجال الحرب المصريين قد أتوا فى حروبهم ما يؤتى عادة فى الحروب من صنوف العنف والنهب والتدمير – وهكذا هى الحروب – غير أن تنكيلهم بأعدائهم إذا قيس بمقاييس عصورهم دل ذلك على أنهم كانوا اخف المجتمعات القديمة كلها فى حب البطش والانتقام والتنكيل، حتى تضع الحرب أوزارها لم يؤثر عنهم ميل إلى التهوين من شأن معبودات الخاضعين لهم، ولم يعمدا فراعنتهم إلى فقء عيون كبار أسراهم كما فعل حكام سومر فى العراق، ولم يجعلوا جماجم أعدائهم مشاعل يوقدونها فى محافلهم كما فعل الأشوريون، ولم يجعلوها كؤوسا للشراب كما فعل الرومان ،ولم يجبروا أسراهم على مقاتلة بعضهم البعض كما فعل اليونانيين والرمان والبابليين، ولم يفعلوا كما فعل بنو إسرائيل بحرق الناس فى الأفران وإلقائهم فى آتون النار وسلخ جلودهم ونشرهم بالمناشير، ووضعهم تحت نوارج الحديد وفؤوسهم، هذا فضلا عن الذبح الجماعي بالجملة(85).

النقوش والمناظر فى معاملة الأسرى

وبنظرة فاحصة للنصوص العسكرية على جدارن المعابد وعلى غيرها من الآثار، سيتضح لنا أن من بين المبادئ الراسخة فى تقاليد الجيش المصرى مبدأ حسن معاملة الأسرى، وإن بدا الأسرى مقيدين بالأربطة فى بعض المناظر ،فذلك كان بقصد التعبير عن دلالة الحدث(86).

الاسرى ورمسيس الثانى يؤدبهم

الاسرى ورمسيس الثانى يؤدبهم

وعلى امتداد فترة العسكرية المصرية فى الدولة الحديثة “عصر الإمبراطورية” لم نسمع إلا عن حادثين أسئ فيهما معاملة الأسرى فى عهد كلا من الملكين “تحتمس الأول” و”أمنحتب الثاني” من الاسرة 18، إن ذكر هاتين الحادثتين لإبراز دليل على أن المصري القديم كان أمين فى كل ما يحدث فى حياته المدنية والعسكرية من أحداث، وكان بوسعه أن يتجاهل هاتين الحادثتين، لكن لأنهما يمثلاً خروجا ًعن الروح والتقاليد العسكرية والإنسانية المصرية، فقد رأى ضرورة الإشارة إليهما، ربما تعبيرا عن رفض هذا المنهج فى التعامل مع الأسرى(87).

تحول الضباط إلى حكام وبداية الدولة العسكرية

لكى نصل إلى كيف حكم العسكريين مصر فى عصر الدولة الحديثة لابد لنا أن نمر بشكل سريع على بداية ظهور ولمعان نجم الضباط والعسكريين المصريين فى عصر الانتقال الثاني وبداية الأسرة 18 والدولة الحديثة ، ودور هؤلاء العسكريين البارز فى حرب التحرير من جيش الهكسوس الذى استمر عشرات السنين فى احتلال مصر منذ سقوط الأسرة 12 فى الدولة الوسطى حتى بداية الأسرة 18 فى الدولة الحديثة.

وعلى الرغم من أن بعض علماء الآثار اخذوا على تدخل الجيش ومشاركته فى حكم مصر إلا أن تلك الفترة بالذات كانت من أزهى العصور المصرية على الإطلاق ، لما شهدته البلاد من تطور وتوسع للإمبراطورية المصرية وصل شمالا حتى قبرص فى البحر المتوسط وجنوبا حتى أثيوبيا وغربا حتى ليبيا وشرقا حتى حدود العراق.

وما يدل علي ذلك التطور والرقى الآثار الواردة لنا من عصر الدولة الحديثة من مقابر ومبانى دينية كانت فى منتهى الفخامة والجمال ، وأيضا يدلنا الأثاث الجنائزي القادم مت تلك الحقبة التاريخية الهامة ، فهذه كنوز توت عنخ أمون وهو التى وافته المنية وهو صغيرا جدا لم يتجاوزا 18عام ولم يكون مقبرته وأثاثه الجنائزي والذي لم يعده له جيد نظر لموت الملك مفاجئتا .فعلينا أن نتخيل كيف كانت مقبرة فاتح عظيم مثل الملك كرمسيس الثاني أو سياسي محنك كالملك ستى الأول مثلا ، والشاهد من كل ما عرضناه أن تلك الحقبة كانت غنية ومتطورة لدرجة فاقت فيها كل بلدان العالم القديم.

أهم حرب فى التاريخ المصري “حرب التحرير”

كان تعداد جيش التحرير المصري تحت قيادة “أحمس الأول” يبلغ 480 ألف محارب من الضباط والجنود والفرسان والمشاة، وكان الجيش الكبير يشع حماساً ووطنية، ويحارب بروح عالية، وتسيطر عليه فكرة واحدة هى تحرير مصر من هؤلاء الرعاة الآسيويين وطردهم خارج البلاد(88).

حيث خرج الجيش من طيبة قاصدا شرق الدلتا حيث توجد عاصمة الهكسوس فى مدينة أفاريس، وكان معظمة محمول على ظهر أسطول ضخم من السفن النهرية المتخصصة فى نقل الجنود والعتاد الحربى والخيول والعجلات الحربية ،وكان تسليحه يعتمد أساسا على أسلحة مصنوعة من البرونز، كما كانت هناك فرق كاملة من الفرسان وراكبي العجلات الحربية التى تجرها الخيول، وهو السلاح الحربي الذي اعتمد عليه الهكسوس وأتاح لهم الغلبة على المصريين فى المعارك القليلة التي دارت رحاها حين تسللوا إلى الديار المصرية(89).

جيش المقاومة الشعبية

بالفعل ضرب الهكسوس ضربتهم فى مصر، ولكن لم يلبث إلا مائة وخمسين عاماً ثم تمكن المصريون من أخراجهم من بلادهم. كان احتلال الهكسوس لمصر أول إذلال عرفته مصر فى تاريخها ، فلهذا كان الدرس قاسيا عليهم ، وكان تلك الأمر داعيا للرد عليه ، فلما جاء اليوم واجتمع أهل طيبة على الكفاح لم يهدأ للمصريين بال حتى وجدوا أنفسهم يطاردون العدو حتى أخرجوه من جدوده ، فتحصن الهكسوس فى إحدى المدن فى فلسطين ، وأدرك أحمس أنه لن يكون لعمله قيمة بترك العدو قويا على مقربة من حدوده ، وأخيرا وبعد حصار دام ثلاث سنوات سقطت مدينة “شاروهن” التى تحصنوا بها(90).

لقد ترك الفلاح المصرى حقله وسار وراء قائده ينشد تحرير البلاد أو الاستشهاد فى سبيلها فتم له ما أراد ، ولم يعد إلي القرية إلا بعد أن طهر أرضها من رجسه، بل لم يعد إلى قريته إلا بعد أن وضع الحجر الأول فى أساس الإمبراطورية المصرية(91).

وبأختصار شديد كانت الغلبة للمصريين وذلك يرجع إلى عدة أسباب هى

 

1- الحماس الذى كان عليه الجيش المصري بل والشعب ككل فى طرد الغزاة

2- دور الملكات فى تحميس الشعب والملوك والأمراء على تحرير البلاد

3- القيادة المحنكة الحكيمة التى كانت تتمثل فى الملوك والقواد فى تلك الحرب العظيمة الخالدة فى الأذهان حتى قيام الساعة

4- استخدام أسلحة حديثة تواكب العصر مثل السيوف البرونزية

5- دخول العجلات الحربية والخيول إلى الجيش المصري وبراعة الضباط الجنود فى استخدامها

6- عمليات الكر والفر التى قام بها الجيش المصرى والتى تسببت فى زعزعة جيش الهكسوس

7- دور البحرية المصرية والتي كانت سبب من أسباب النصر

8- فتح باب التطوع فى الجيش المصري وإقبال معظم عامة الشعب على المشاركة فى حرب التحرير أو ما يعرف فى وقت الحروب باسم “الجيش الشعبي” أو التعبئة العامة كما يطلق عليها حديثا

9- هذا إلى جانب ما وصل إليه ملوك الهكسوس من ضعف وانهيار فى أيام حكمهم الأخيرة

10- توفيق الله “او معبودات المصريين القدماء كما فى عقيدتهم” وهو أول أسباب النصر، كما سبق وذكرنا عند الحديث عن دور المعبودات فى الحروب ودور الكهنة

دور جيش أحمس فى توحيد البلاد مرة اخرى

 

 

وكان ذلك على عدة محاور وأولويات كانت فى حساب الملك أحمس الأول وهى كالتالى:

أولا إخضاع النوبة وضمها مرة أخري للمملكة المصرية:

بعد أن حقق أحمس نصره المحقق فى الشمال اتجه أحمس بجيشه وسفنه نحو الجنوب، ليعيد بلاد النوبة إلى الأراضي المصرية – كما كانت عليه طول التاريخ المصرى القديم – وذلك بعد أن أعلنت بعض المناطق النوبية استقلالها عن مصر أثناء انشغالها بحرب الهكسوس(92).

ثانيا إخضاع حكام الأقاليم المتمردين وتوحيد البلاد:

كذلك فقد تمكن أحمس من القضاء نهائيا على حكام الأقاليم الانتهازيين الذين كانوا قد تعاونوا مع الهكسوس وخاضعين لهم ، فتوحدت البلاد المصرية مرة أخرى تحت حكم مركزى عاصمته طيبة.. واستحق بذلك أن يكون مؤسسا لأسرة ملكية “إمبراطورية” جديدة، هى الأسرة 18 التى تعتبر اشهر الأسرات الملكية فى تاريخ مصر كله(93).

ظهور طبقة الضباط العسكريين وتأثيرها السياسي

أن هؤلاء الضباط الذين ظهروا فى بداية الأسرة 18، كونوا طبقة اجتماعية اقتصادية جديدة تستمد أهميتها ونفوذها من المهام الكبرى التى كانت ملقاة على عاتقهم فى كل من المجالين العسكري والمدني(94).

أول ملك من العسكريين

ويقول بعض المؤرخين أن عهد الملك “أى” يعتبر بداية “النظام العسكري فى حكم مصر” حيث تجمعت السلطات كلها فى يد قائد الجيش، وقد استمر حكم الملك “أى” لفترة قصيرة نظرا لكبر سنه.

ومن بعدة تولى العرش القائد والضابط “حور محب” الذى كان يشغل منصب القائد العام للقوات المسلحة المصرية إلى جانب مجموعة أخرى من أعلى المناصب السياسية والإدارية بالدولة(95).

وفى بداية عهد حور محب قام بحملة تأديبية للحيثيين الذين كانوا يطمعون فى الاستيلاء على الأقاليم السورية التى كانت تابعة للنفوذ المصري ، وهزم جيشهم هزيمة منكرة ، بل وأقام لأسراهم معسكرا أقيم قرب مدينة منف(96).

حور محب يتوسع فى منح الضباط الألقاب والمناصب

 

بالنظر إلى أن حور محب كان على رأس الجيش المصرى ، فقد توسع حور محب فى منح مناصب الدولة إلى مجموعة من كبار الضباط وعينهم فى المناصب العليا، بل وعين بعضهم فى وظائف كبار كهنة المعابد المصرية ،حيث أصبحوا يسيطرون على ممتلكات تلك المعابد التى كانت تعتبر ركنا أساسيا فى اقتصاديات الدولة(97).

أساءت بعض الضباط استخدام سلطانهم وسن قانون لحماية المواطنين

غير أن بعض هؤلاء الضباط قد أساءوا استخدام سلطانهم فى المناصب العليا التى تقلدوها ، لذلك فقد أصدر حور محب قانونا جنائيا يتكون من عشر مواد يفرض فيه عقوبات شديدة ومغلطة على كل من يسئ استخدام سلطته من العسكريين أو من المدنيين ، كما اصدر مجموعة أخرى من المراسيم والأوامر الملكية تتضمن وضع نظام صارم لعملية توزيع السلع والاحتياجات على جميع فئات الشعب(98).

وهو ما يشبه حاليا جهاز حماية المستهلك التابع لوزارة التموين والتي من خلاله تتم مراقبة أسعار الأسواق حتى لا يسود الغلاء فى البلاد بسبب جشع التجار.

أهم مواد القانون

من أهم مواد القانون المواد التى تقرر حماية الطبقة العاملة والفلاحين من أي اضطهاد أو سخرة أو سوء معاملة، ومعنى هذا أن تلك الطبقة تعرضت لتجاوزات ومخالفات وسوء استخدام للسلطة من جانب كبار ضباط الجيش وكبار الموظفين المدنيين الذين عينهم حور محب فى المناصب العليا بالدولة(99).

الملك رمسيس الأول من أسرة عسكرية

اختار حور محب أخر ملوك الأسرة 18 ضابطا كبيرا أسمه “بارعمسيس” ليخلفه على عرش مصر، وكان هذا الضابط من أسرة عسكرية عمل معظم أفرادها فى خدمة الجيش المصري، وقد شغل عدة مناصب عسكرية وحربية فى عهد حور محب مثل قائد الفرسان ونائب الملك فى إدارة البلاد وحامى الحدود الشمالية الشرقية ورئيس القضاة والمشرف على كهنة جميع الآلهة ….الخ(100).

وبسبب تقدمة فى السن أشرك ابنه الضابط “ستى” فى حكم البلاد ، فقلده منصب قائد الجيش فعملا معا على عسكرة الدولة وأشاعا روح العسكرية فى الشعب المصرى، ووضعا الأسس الراسخة لبداية عصر جديد فى تاريخ مصر العسكري والسياسي والديني، وهو عصر يتميز بالرخاء الاقتصادي والإصلاح الإداري والنهضة الفنية والمعمارية فى طول البلاد وعرضها(101).

إصلاحات الجيش فى عهد ستى الأول

تفرغ ستى الأول –بعد عدة حملات عسكرية قام بها – بعد ذلك لتجييش جيوش بأعداد غفيرة من الضباط والجنود المدربين، وبكميات هائلة من الأسلحة والخيول والعربات الحربية ، وبث في هذا الجيش روحاً عالية وقدرة قتالية فائقة وإصرار على النصر فى أية موقعة.

ولأن ستى الأول كان رجلا عسكريا محاربا يعرف الكيفية المثلى لإدارة الجيوش وتجهيزها بما تحتاجه من إمداد وتموين بالإضافة إلي وضع النظم والقواعد لشئون الأفراد وحسن معاملة الضباط والجنود وحصولهم على حقوقهم المشروعة ،فقد ترك لنا آثارا مكتوبة تدل على انه كان مهتما غاية الاهتمام براحة الجنود والضباط والوفاء بحاجاتهم الحيوية والاهتمام بأسرهم ، ولذلك فقد كان يزود الجميع بمخصصات من اللحم والأسماك والمواشي الحية والخضروات والفواكه والخبز والزيتون والزيت الحلو وأثواب الكتان التى كانت تصرف شهريا لهم(102).

وقد انشأ سيتى الأول الطرق البرية منها طريق شرق الدلتا بمدينة رفح بفلسطين وهو الطريق الحربي الذي أطلق عليه المصريين اسم طريق حورس العظيم، حتى يصبح الطريق ملائما للجيش المصري إلى الشرق والى الشمال ، أنشاء عددا كبيرا من القلاع والحصون العسكرية، كما حفر عددا هائلا من الآبار اللازمة لتموين الجيش ذهابا وإياباً(103).

دور الفرعون المحارب فى امتداد وتوسعة الحدود المصرية

وظل النفوذ المصري قويا فى آسيا طالما كان فرعونها من المحاربين الذين كان يخرجون على رأس الجيش ، فلما ركنوا إلى الدعة وملذات القصور، وما يأتي إليهم من خيرات آسيا والاستمتاع بالجواري والغناء، أخذت السحب تتجمع ، خصوصا وان الحيثيين فى بلاد الأناضول بدأوا يدخلون فى دور من أدوار قوتهم وقتها(104).

البحرية المصرية

لا يمكن أن نتحدث عن الجيش المصري ولا نتحدث عن البحرية المصرية القديمة، والتى سبق أن كتب بحثا مطولاً عنها موجود على صفحة حراس الحضارة لمن يريد المزيد من المعلومات عن تاريخ البحرية المصرية من عصور ما قبل التاريخ حتى حرب أكتوبر المجيدة.

ولكن هنا سنأخذ صورة سريعة عما كانت عليه البحرية المصرية فى أزهى عصور التاريخ المصرى القديم ألا وهو عصر الدولة الحديثة.

ففى عصر الأسرة 18 وضعت دعائم الإمبراطورية المصرية ، وامتد النفوذ المصري إلى الشرق والشمال فى كل الأقاليم التى تضم المناطق التى تشغلها الآن فلسطين وإسرائيل والأردن وسوريا ولبنان والعراق حتى جنوب تركيا، ونتيجة لذلك ازداد استخدام السفن البحرية الضخمة بأعداد كبيرة لنقل الجيوش والعتاد والمؤن وكل متطلبات المجهود الحربي الذي كان يؤازر الجيوش الساعية إلى تحقيق النصر ، وبذلك تم تحويل معظم المواني الواقعة على السواحل الفلسطينية إلى قواعد حربية بحرية للسفن والأساطيل المصرية(105).

ترسانات السفن

وحتى يمكن الوفاء بتلك الاحتياجات البحرية الضخمة وهذه الأعداد المتزايدة من السفن الكبيرة ، توسعت الدولة فى إنشاء وتدعيم ترسانات بناء السفن التى كانت منتشرة فى بعض مناطق مجرى النيل والبحرين الأحمر والمتوسط ، وكانت أهم تلك الترسانات الترسانة الملكية “برعو-نوفت” التى كانت تقع على مجرى النيل قرب مدينة منف التى كانت تعتبر العاصمة الثانية لمصر بعد طيبة(106).

وكانت تلك الترسانات تحت أشراف أولياء العهد وأكبر الأمراء –كما هو الحال فى فى قيادة الجيش وبيت السلاح- من أبناء الملوك ، وكانت أهم اختصاصا هؤلاء الأمراء الإشراف المباشر على أعمال الترسانة الملكية وتوفير احتياجاتها من العمال الفنيين والمؤن والعدد والأدوات والمعدات والأخشاب اللازمة ببناء وإصلاح السفن ، بالإضافة إلى الإشراف على عمليات تجهيز الجيوش وتدريبها على العمليات الحربية(107).

الجيش المصري رسول سلام

تشهد أحداث التاريخ المصري القديم على حرص المصري على السلام ، فعل سبيل المثال، تلك المعارك الطاحنة التى دارت بين الجيش المصري فى عهد الملك “رمسيس الثاني” أسرة 19 وبين “الحيثيين” في عهد الملك “موتلي” ومن بينها معركة قادش الشهيرة ، وبعد وفاة الملك الحيثي موتلى وتولى الملك “خاتوسيلى” العرش خلفا عنه، أدرك الملكان المصري والحيثي أنه لابد من عقد معاهدة سلام بينهما، وكان ذلك فى العام 21 من حكم الملك رمسيس الثاني أي حوالي عام 1280 ق.م(108).

أول معاهد سلام فى التاريخ بشكل كامل

وتؤكد بنود هذه المعاهدة حرص مصر على السلام الذي تحقق لها بفضل جيشها. فقد ورد فى نص المعاهدة: هذه المعاهدة دونت لحفظ السلام والإخاء بين الطرفين على الأبد، وتبطل الحروب بين الفريقين إلى الأبد، ويتعهد ملك الحيثيين بأن لا يغزو الأراضي المصرية، ويتعهد الملك رمسيس الثانى بأن لا يغزو أرض الحيثيين.

ومنذ ذلك الحين أصبح ملك الحيثيين فى إخاء وصفاء مع مملكة مصر، وتضمنت المعاهدة نصوصاً تتعلق بمعاملة اللاجئين السياسيين من كلا البلدين، وأخرى تتعلق بالدفاع المشترك فى حالة الاعتداء على أى من البلدين.

عن هذه المعاهدة قد أنهت الحرب بين دولتين رئيسيتين على مسرح الأحداث فى الشرق الأدنى القديم كانت مثلاً للريادة فى المنطقة نحو السلام ، ومثلا للتحضر في التعامل بين الأمم بعضها البعض ، وتأكيدا على أن مصر بعد أن حققت أهدافها العسكرية من خلال جيشها ، جنحت إلى السلم الذي هو لغة الأقوياء المتحضرين(109)

نهاية الجيش الفرعوني

بعد أن استولى قمبيز –ملك الفرس- على مصر أعد ثلاث جيوش تقصد ثلاث جهات الأولى قرطاج والثانية واحة آمون والثالثة بلاد النوبة (اسامة حسن، مصر الفرعونية ص59).

فلم تفلح الأولي بسبب امتناع الفينيقيين عن العمل مع أنهم كانوا أهم رجال سفن الجيش الفارسي، وكانت الثانية هي الطامة الكبري على قمبيز إذ أن الجيش الذي أرسله فيها قدرة 50,000 مقاتل هلك جميعهم فى الصحراء ولم يسمع عنهم شئ(110).

الدين والمعبودات سبب الهزيمة فى الحروب الأخيرة

أما الثالثة فتمكنت من غزو بلاد النوبة لأنه عندما التقي الجيش المصري بجيش الفرس عند مصب النيل الشرقي، وكان قمبيز يعلم أن المصريين يقدسون القطط والكلاب، فأمر بجمعها فى مقدمة الجيش، فتوقف المصريون عن إطلاق السهام خوفاً من أن تصيب تلك الحيوانات المقدسة(111).

فانهزم الجيش المصري بقيادة “سمانيتوس بن رمسيس” ورجع إلى منف أو منفيس فتبعه قمبيز وحاصر منفيس وافتتحها وقبض على الفرعون وقتله وقتل ابنه أيضا ثم نهب منف وذبح “ابيس” العجل وفرق لحمه على جنوده.

وقصد مدينة “هايس” وأخرج جثة الملك أحمس الثاني من قبره واحرقها ثم نهب مدينة طيبة واحرق قصورها ومعابدها ، وحارب ملك النوبة “نستاش” وسار إلى أن وصل الشلال الثالث ولكنه لم يقطع صحراء أبى حمد(112).

الهوامش والمراجع:
بإمكانك عزيزي القارئ سؤال الأستاذ/ محمود مندراوى عن رقم كل هامش فى التعليقات وسيجيبك بالمرجع والصفحة الخاصة بكل جزئية، وشكراً لصبرك وإهتمامك بقراءة البحث كاملاً.

التعليقات