التخطي إلى المحتوى
مصر وبلاد النوبة منذ أقدم العصور (بحث كامل)
مصر وبلاد النوبة منذ أقدم العصور

ان موضوع مصر وبلاد النوبة يعتبر ايضا من الموضوعات التى يكثر فيها الجدل بين المدارس الاثرية المختلفة حتى يومنا هذا، بالرغم من كل مالدينا من وثائق مؤكدة. لكن وكما سبق القول فان كل مدرسة تعمل على رجحان اراءها بين المدارس الاخرى وبذلك دخل الموضوع فى مجادلات ومهاترات، ومن تلك المشاكل مثلا يرجع الى تعدد مسميات بلاد النوبة فى النصوص المصرية.

وهذا الموضوع فى بحثنا هذا يستند فقط الى النصوص الاصلية والبحوث الكشفية الحديثة فقط لاغير والتى دلت دلالة واضحة لا لبس فيها الان على ان بلاد النوبة حتى ما قبل الشلال الرابع كانت منذ اقدم العصور السحيقة جنساً واحداً من السلالة الحامية ولديهم نفس المعتقدات الدينية والحياة الاجتماعية.

ولقد اثبت علماء علم الانسان الحديثون (الانثرابولوجيا) الذين فحصوا الجماجم البشرية فى كلا من القطرين مصر والسودان، ان كلا منهما ينسب الى سلالة واحدة وهى الحامية وهذا يتطلب منا فى سطور مبسطة معرفة كيف وصلت هذه السلالة الى مصر وكيف استقرت فى الجنوب دون الشمال،مع وضع راى خاص بى كدارس للاثر وقارىء للتاريخ البشرى منذ الخليقة والانتشار البشرى فى الارض.

ظهور السلالات تاريخيا:- بعد احداث الفيضان العظيم ونجاة القليل من البشر فى عهد سيدنا نوح عليه السلام، بدأت بشرية جديدة مكونة من سلالات أبناء نوح الثلاثة الذين نجوا من الفيضان.

  • سلالة يافث والتى اتجهت الى مناطق الاناضول والانتشار البشرى منها فى مناطق اسيا وربوعها.
  • سلالة سام والتى اتجهت الى الشرق ومن ثم الى جزيرة سيناء وصولا الى الدلتا.
  • سلالة حام والتى اتجهت الى البحر الاحمر وعبوره ومن ثم الوصول الى مناطق السودان.

والذى يهمنا هنا هو الترحال جنوبا ووصولا الى اسوان وتاسيس حضارة الجنوب وهى (حضارة الكاب) وهم اصحاب الجذور الاولى مع مناطق السودان والسلالة الحامية. ولكن ظل السؤال الحائر دائما هو: لماذا تقدمت الحضارة البدائية فى مصر باسوان دون المناطق الاخرى والتى تعرف الان باسم بلاد النوبة؟؟ ودون المناطق الافريقية الاولى مثل الحبشة على سبيل المثال؟؟.

ومن هنا ظهرت المجادلات المستمرة حتى يومنا هذا والتى تدور حول هاذين السؤالين، ولعل الاجابة عليهما لن تظهر حتى قيام الساعة، وخاصة وان الجذور واحدة، فلماذا ظهرت حضارة الكاب فى جنوب مصر دون المناطق الاخرى جنوبا؟؟.

ومن هنا كان بحثنا فى هذه الجذور والعمل للوصول الى الاجابة عن هذا السؤال؟ فالجذور الاولى السحيقة للحضارة المصرية تؤكد وتجزم بان مصر قبل توحيد القطرين كانت لديها حضارتين واحدة منهم فى الشمال والاخرى فى الجنوب وهى حضارة الكاب. وتثبت الوثائق كذلك على ان الحياة فى كلا من بلاد النوبة وجنوب مصر كانت واحدة ثم تطور الامر الحضارى فى منطقة الكاب وسطوعه الحضارى دون باقى المناطق فى الجنوب من السودان وحتى بلاد اثيوبيا.

وفى بحثنا هذا لا يسعنا سوى الشكر والاحترام لاصحاب البحوث والتنقيب فى هذه الحضارة البدائية الاولى وعلى راسهم الاثرى الالمانى الكبير (ريزنر عام 1910) وكذلك الاثرى الانجليزى (فرث عام 1912) والاثرى الانجليزى (جرفث عام 1912) ثم الاثرى النمساوى (ينكر عام 1915) فهم حق وبدون منافس الاساتذة المتخصصين فى هذا الموضوع مهما ظهر قبلهم او بعدهم من علماء وباحثين اخرين. واخيرا الاثرى المصرى العظيم رحمة الله عليه الدكتور (سليم حسن) وحفرياته فى السودان ليؤكد صدق كل هؤلاء بل ويزيد عليهم توضيحا وتفسيرا.

فهؤلاء هم فقط الذين كتبوا بصدق وامانة شديدة فى هذا الموضوع على العكس من ذويهم الاخرين الذين جعلوا الامر معقدا وتحميل حضارى ما انزل به العلم او الوثائق من سلطان.فلقد وضع الاثرى الالمانى ريزنر التطور الحضارى فى بلاد النوبة الى قسمين هامين ووضح فيهما لماذا كانت سرعة التقدم فى الجنوب من مصر دون المناطق الاخرى وهاتين المجموعتين هما:

  • المجموعة الاولى: ويشمل عصر ما قبل التاريخ النوبى والمجموعتين الثقافيتين (أ) و (ب) وهما يقابلان الامتداد فى التاريخ المصرى حتى بداية الاسرة السادسة، اى ان حنوب مصر وامتداده فى بلاد النوبة كانوا يمثلون وحدة وطنية واحدة والتى جذورها الاولى كانت حضارة الكاب.
  • المجموعة الثانية: وتشمل المجموعة (ج) وهذا ما قابل فى التاريخ المصرى عصر الوسيط او الاضمحلال الاول وحتى الدولة الوسطى واحتمال عصر الهكسوس كذلك.

وهذا يعنى بان جنوب مصر منذ اقدم العصور كان فى وحدة وتماسك مع بلاد النوبة، وهذا كله كان يمثل جنوب المملكة المصرية، ولتفهم كل ذلك ايضا ولابد من دراسة هذه الامور كلها من الجذور الاولى.

المحتويات

عصر ما قبل التاريخ فى بلاد النوبة السفلية

دلت الكشوف الاثرية القديمة والحديثة فى بلاد النوبة السفى على انه كانت توجد سلسلة مراكز للسكان يقع كل منها عند فم وادى أو خور وكانت صالحة للزراعة والر ى والصيد البرى والمائى، وكذلك نقل السلع من مكان الى اخر.

وان الهياكل البشرية (أ) و(ب) كان متحدين مع اقدم سكان فى جنوب مصر لانهم نفس الجذور ولكن مجموعة منهم وصلت الى منطقة الكاب واستقروا بها ولم يرغبوا فى التجوال وبداوا حضارتهم الاولى ولكنهم فى نفس الوقت لم يقطعوا صلتهم مع ذويهم الاخرين المتجولين جنوبا،وكان هناك تبادل سلعى بينهم. وليس الجماجم فقط هى التى توضح ذلك، ولكن ايضا طرق المعيشة واوانى الفخار والتى ظلت ثابتة على حالها فى بلاد النوبة ولكن التطور الحضارى حدث فى جنوب مصر،وهنا طرح السؤال لماذا؟؟.

فهكذا كانت البداية الحضارية للسلالة السامية فى بلاد النوبة والممتدة حتى الشلال الرابع جنوبا وحتى منطقة الكاب فى اسوان شمالا ولكن كان التطور فى حضارة الكاب فقط. اما فى داخل مصر وكما هو معروف كان هناك صراع دائر بين الشمال والجنوب لتوحيد البلاد،واثبتت الكشوفات الحديثة بان هناك زعماء او ملوك قاموا بهذه المحاولات قبل الملك مينا نفسه ومنهم على سبيل المثال الملك العقرب ولوحته الشهيرة الموجودة حتى الان فى متحف اللوفر.

وهذا الصراع ادى بطيبعة الحال الى ما يعرف باسم ترسيم الحدود وخاصة من جانب اهل الجنوب ثم حدث التوحيد فى عهد الملك مينا،واقر الامور فى البلاد ورسم الحدود الجنوبية الى ما وراء الشلال الاول اى بعد اسوان نفسها وهكذا رسمت الحدود الجنوبية لمصر فى عهد الملك مينا فى عام تقربيى وهو عام 3200 ق.م. وهكذا ترسمت الحدود المصرية لاول مرة عند ظهور المملكة المصرية الموحدة بتاجيها الشمالى والجنوبى وملكها مينا موحد القطرين،وهكذا عرفت الحدود المصرية الجنوبة المحددة حتى الشلال الاول بعد اسوان، وكذلك حدود مصر مع سيناء وبدو سيناء ولكنه ليس مجالنا ههنا الان.

ولكن السؤال الان هو: لماذا وضع الملك مينا الحدود عند الشلال الاول وتجاهل باقى مناطق النوبة فى الاسفل مع انه وكما سبق القول الجذور واحدة؟؟. وهذا الموضوع شغل بال الكثيرين من العلماء والباحثين وافردت فيه الاراء والاهواء ماعدا العلماء الاساتذة الذين كتبنا عنهم سابقا وهم بحق العمد الرئيسية فى هذا الموضوع ولكنهم وقفوا ايضا حيارى امام هذا التساؤل، ولكن ما جمعته منهم وضعته فى راى خاص ولعل يكون هو الصواب والله اعلم على كل حال.

(رأى الخاص) لعله فى ايام الحروب بين الشمال والجنوب اتت القوة البدنية لاهل الجنوب اشد بكثير من اهل الشمال،كما ان اهل الجنوب يجدون المدد والعون الكامل من ذويهم اسفل الشلال الاول. فهكذا وجد الشماليون بان الحاميون فيما وراء الشلال الاول يدفعون بالعون والمدد لذويهم فى الاعلى اى فى جنوب مصر ولذلك عندما نجح مينا فى توحيد القطرين رغب فى فصل هذا عن ذاك، وبذلك رسم الحدود الى نقطة الشلال الاول واعتبر ما بعد ذلك لا يدخل تحت عرش وتاج المملكة المصرية.

ومن ناحية اخرى وجد الملك يمنا بان اهل الجنوب فى منطقة حضارة الكاب اصحاب حضارة وتقدم عن غيرهم من الهمج فيما بعد الشلال الاول، ولذلك تمسك بهذه المنطقة الحضارية دون غيرها جنوبا. وبذلك رسم الحدود وهاذا ما دفع بهؤلاء الجنوبين ما بعد الشلال الاول يعتبرون اعداء مصر،وهذا كان سب عداء الملك مينا لهؤلاء وحروبه ضدهم وكما كان يفعل ايضا مع البدو فى سيناء، وهكذا ظهر ايضا اول عدوين فى مصر تاريخيا وهما بدو سيناء و النوبيين فيما بعد الشلال الاول.

وما الغرابة فى ذلك وها نحن فى القرن العشرين نجد منطقة تعتبر اجناسها موحدة وهى منطقة جزيرة البلقان وقيام الحروب فيها وتقسيمها الى اربعة مناطق مثل الصرب وكرواتيا والبوسنة والهرسك والجبل الاسود، وما الى اخره مع ان جذور هذه الشعوب واحدة فى الاصل، ونحن هنا لا نتحدث عن الدين او العقيدة سواء مسلمين او ارثوذكس وانما نتحدث عن الجذور الاولى للشعب الواحد قبل تفريقهم وتمزيقهم تحت مسميات مختلفة.

وهذا ما فعله الملك مينا ووضع شروط عليهم للدخول الى مصر ولو حتى تحت بند التجارة وتبادل السلع كما كانوا يفعلون من قبل، وهذا ما دفع بغضب اخر منهم تجاه ملك مصر وظهور العداء الاولى فى التاريخ بين مملكة مصر واهل النوبة السفلى.

ومع ترسيم الحدود ظهر تاريخيا اول مقاطعة فى جنوب مصر والتى عرفت باسم (تاستت او تاسيتى) وهى مقاطعة الفنتين وعاصمتها الكاب، ومعنى كلمة تاسيتى تعنى ارض النوبة لان المصريين قبل توحيد القطرين كانوا يطلقون عليها ايضا (سيتى).

عصر توحيد القطرين وبلاد النوبة

وكما عرفنا بعد توحيد القطرين حددت حدود مصر الجنوبية بمقاطعة تاسيتى وترسيم الحدود المصرية وتم بها بناء اول قلعة حدودية ومازالت اطلالها موجودة حتى الان والتى وجدها الاثرى النمساوى (ينكر) وهى من الطوب اللبن فى منطقة الفنتين. وفى لوحة شهيرة للملك (عحا = المحارب) ويقال انه هو نفسه الملك مينا، المهم انه على هذه اللوحة عبارة كتابية تقول (ضرب سيتى) غير اننا لانعرف حقا حتى يومنا هذا هل تعنى ضرب بلاد النوبة ما بعد الشلال الاول ام المقصود بها المقاطعة فى بداية توحيد القطرين ورفضها لهذه الوحدة؟؟او الانفصال عن ذويهم جنوبا؟؟. وهذه اللوحة مازالت تشغل بال الكثيرين من الباحثين حتى يومنا هذا وخاصة المقصود بسيتى ههنا وضربها.

وفى قبر الملك (ودمو) بابيدوس وهو يعتبر خامس ملوك الاسرة الاولى،وجد انه استعمل قطعا من الجرانيت الاسود والمعروف وجوده بكثرة فى منطقة الفنتين، وهو اول قبر فى العصور القديمة يمكننا ان نستدل منه على شىء ما من التاريخ. ولكن من الغريب ان زوجته المدعوة (مريت نيت) وجد لها قبرا فى الشمال فى منقطة صا الحجر غربية، ووجد بقبرها كذلك قطع من الجرانيت الاسود. ولايهمنا الان لماذ دفنت بعيدا عن زوجها هناك ولكن كل ما يهمنا هل حتى حدود الفنتين كانت هادئة انذاك وفى يد المصريين ام هناك مناوشات حدودية مازلت قائمة!!. و الاجابة عن هذا يتطلب منا الانتظار قليلا والبحث عن المزيد خطوة بخطوة حتى تتضح الامور كلها انشاء الله.

وفى عهد الاسرة الثانية والملك (خع سخم وى) نجد له نشاطا سياسيا كبيرا خارج حدود مصر الجنوبية. فنجد لوحة لهذا الملك وهى محفوظة فى المتحف البريطانى وبالرغم من انها مهشمة ولكن يمكن ان نستخلص من الصور وبعض الكلمات بان الملك قام بمهاجمة ارض السيتى وظهور صورة لبعضا منهم مقهورين وفى حزن شديد ظاهر عليهم وعلى راسهم احدا منهم علامة تدل على لفظة سيتى اى النوبة. وظل السؤال الحائر ههنا: ما المقصود بارض سيتى هل هى اقليم مصر الاول فى الجنوب واهلها مازالوا رافضين لهذه الوحدة ام المقصود ارض النوبة ما بعد الشلال الاول؟؟.

وفى الاسرة الثالثة فى عهد الملك زوسر وهذا امرا غير مؤكد وثائقيا ولكنه وجد فى مقتطفات من بعد كهنة الاله خنوم وهو اله المقاطعة او اله الشلال يقولون بان الملك زوسر رغب فى السيطرة على اقليم (دود كاشو) واطلق العنان كله لمهندسه الوفى مع هذا الاقليم. ولكن لا نعرف حتى الان ما معنى اطلاق العنان لمهندسه الوفى مع هذا الاقليم؟؟. وكان هذا الشخص الوفى والمهندس هو (ايمحوتب) العبقرى وبانى مجموعة سقارة. ولكن من الغريب وحتى الان انه لم يتم اكتشاف اى نشاط او اثر للملك زوسر فى الجنوب وبالاخص فى نقوش هذه الفترة سواء فى الشمال او فى الجنوب بخصوص هذا الموضوع.

ولكن ظهرت اول حملة كبرى منظمة فى اوخر الاسرة الثالثة عن طريق الملك الشهير (سنفرو) وهى موثقة وتوجد هذه الوثيقة فى متحف باليرمو بايطاليا ووما كتب عليها ((سنة بناء…!سفنا طولها مائة ذراع من خشب مر وتخريب ارض سيتى واحضار 700 اسير من الرجال والنساء و 2000 راس ماشية كبيرة وصغيرة))

ومن التدقيق التاريخى فى هذا الامر نجد ان التخريب شمل منطقة خور (امبوكول) وكانت مركز مجموعة شعب النوبة (أ) وكذلك منطقة (دنقلة) حيث كانت مركز مجموعة شعب النوبة (ب). وحتى الان لم نعرف سر هذه الهجمة الشرسة من جانب المك زوسر ضد اهل هذه المناطق؟؟ وخاصة ذلك العدد المهول من الاسرى والماشية؟؟. ولكن هذا يوضح جليا بان مملكة مصر ارتضت بان تكون حدودها الجنوبية حتى منطقة الفنتين وما وراء ذلك اعداء. وهناك احتمال قائم بان الملك سنفرو رغب فى توسيع رقعة حدود بلاده الجنوبية ولكنه وجد الدفاع المستميت من اهل هذه المناطق ولذلك فشلت محاولاته لضمها الى حدود مصر، وهذا احتمال قائم ولكنه غير مؤكد او موثق ولكن بالتاكيد حدثت هذه الغزوة.

وفى عهد الملك خوفو وكذلك الملك جدف رع وصلوا الى محاجر الديوريت فى الصحراء فى الشمال الغربى من بلدة (توشكى) لجلب الاحجار وكذلك الملك (خفرع) وتمثاله الشهير المصنوع من الديوريت والموجود بالمتحف المصرى. وفى عهد الاسرة الخامسة حيث الملوك ساحورع وجدكارع ذهبوا لقطع الاحجار من هذه المناطق واطلقوا على المنطقة اسم (حامت) بالقرب من واحة النخيل الان. ولكن لم توضح النصوص بانه حدثت مصاعب كبرى وخاصة ان هذه الاراضى لا تخضع للسيادة المصرية وكان للمصريين حرية الحركة والتنقل واحضار الاحجار من هذه المنطقة.

وكذلك فى عهد الملك اوناس نجد نقطة تفتيش كبرى للحدود الجنوبية المصرية وهى خاصة فقط بالتفتيش على الامراء والناس التجار الاتين الى مصر من بلاد النوبة، وكانت هذه النقطة عند الفنتين وهناك وثائق تثبت ممانعة حرس الحدود المصرية من منع الكثير من اهل بلاد النوبة الدخول الى مصر ولو حتى تجاريا ولكن الوثائق لم توضح اكثر من ذلك او حتى سبب الممانعة!!.

وفى عهد الاسرة السادسة اصبحت السياحة النيلية المصرية الى بلاد النوبة كثيرة ولا يعكر صفوها الا بعض المشاحنات فى بعض الاوقات، وهذا ما نجده فى نقوش عدد كبير من المصريين قاموا بهذه المهمة وما حملوه من القاب مثال المشرف على السفينة، كاتب السفينة، المشرف على التراجمة، المشرف على الجنود، ولنا مع هذه الاسماء وقفة مبسطة فيما بعد وكلها تعود الى الاسرة السادسة.

ولكن السؤال الهام هو: هل كانت هذه السياحات للتبادل التجارى بين البلدين ام كان المصريين ياخذون ما يحتاجونه بالقوة فقط؟؟. ولذك منذ عهد الاسرة السادسة نجد فى النقوش اسماء كثيرة لبلاد النوبة والتى لم تظهر من قبل فى التاريخ المصرى،وكذلك القاب كما سبق القول ومنهم لقب يظهر لاول مرة وهو (حارس باب الجنوب) وكان اول من ياخذ هذا اللقب الامير (كار) امير مقاطعة ادفو والذى ووكل اليه حماية حدود مصر الجنوبية انذاك فى عهد الملك(مرى ان رع) وكان هذا القب جديد من نوعه. اما قبل ذلك فكان اللقب (المشرف على الوجه القبلى).

وفى نفس العهد ايضا من الاسرة السادسة وجدت صفة جديدة لاول مرة فى التاريخ حملها حارس باب الجنوب حاكم ادفو المدعو كار وهذه الصفة بالنص ((كاتم اسرار الباب الضيق للجنوب)) مما يدل على ان هذه الوظيفة او الصفة كانت سرية وعظيمة الخطر على مصر ولم يوضح صاحبها اكثر من ذلك. ولكننا يمكن ملاحظة ذلك من نصوص المتجولين فى بلاد النوبة. ولذلك سنرد بعضا منهم بل الاهم منهم على الاطلاق، وكانوا من الموظفين العظام فى الاسرة السادسة ومنهم من كان اصلا من اهل مقاطعة الفنتين،ونلاحظ الان ما كتبه هؤلاء فى سياحتهم النيلية وهم على الاطلاق:

  1. نيسو خو:- عاش فى عهد الملك بيى الاول وقبره موجود فى الفنتين. ويقول بان الملك بيبى الاول ارسله ليخترق بلاد (أرثت) وجلب منها خيرات كثيرة افرحت قلب الملك. وأرثت هى بلاد النوبة ولكن فى اى منطقة؟؟. وكما سبق القول وكما سنلاحظ فى هذه السياحات تعدد وكثرة اسماء المناطق الجنوبية ومن هنا كان الجدل حتى اليوم حول ذلك وخاصة انه فى بعض الشروح يصعب التصديق بان المصرى وصل الى هذه الاماكن هكذا وبهذه السهولة.
  2. حرخوف:- وهو اهمهم جميعا وعاش فى كلا من عهدى الملكين مرى ان رع والملك بيبى الثانى وقبره فى الفنتين. ويقول بانه قام بهذه السياحات اكثر من مرة فى تاريخه الشخصى،وانه ذهب عدة مرات الى بلاد (يام) وهو مكان مجهول تماما حتى الان فى مناطق النوبة؟؟. ولكنه ذكر لنا المناطق التى مر عليها حتى وصوله الى يام وهى (ارثت – مخو – ترس – سثو – واوات) بل فى مرات عديدة حارب بشراسة ضد قوة قوم يام وفاز عليهم، وجلب من تلك المناطق خيرات كثيرة مثل : البخور، الابانوس، زيت حنكو، زيت ثات، جلود الفهد، سن الفيل، بخلاف 300 حمارا وكان ذلك فى الحملة الثالثة له واخضع زعماء القبائل وخاصة قييلة (ارثت وستو وواوات) تحت امرته.وجلب لمصر لاول مرة قزما (دنج) يرقص رقصات غريبة من ارض ارواح المسماة (تا أخو) على مقربة من بلاد يام؟؟. هذا القزم الذى فرح به كثيرا الطفل الامير بيبى الثانى واخذه فى قصره ليلهو به وليرقص له الرقصات الغربية الضاحكة. وهذا القزم صعب المسألة من الناحية التاريخية وبلاد التوبة وخاصة انه لا يوجد اقزام، لان الاقزام كانوا فى مناطق (الدنج) وهى ما بعد الشلال الخامس والى ما بعد عطبرة كذلك، فهل يمكن ان يكون قد وصل انذاك الى هذه المنطقة؟؟. وان هذه المنطقة منذ فجر التاريخ كانت لا تتبع النوبة على الاطلاق، فما هى هذه المنطقة وما هى ارض يام اصلا؟؟. وهذا ما احدث اللغط والاقاويل حول بلاد النوبة وحدوها التاريخية وما الى اخره من امور مازلنا نبحث فيها ولعل الايام تعطى لنا المزيد من النور والاكتشافات.
  3. بيى ناخت:- كان موظفا كبيرا فى عهد الملك بيبى الثانى وقبره فى منطقة الكاب. وكان نائب الملك فى نخن. ويقول بان الملك ارسله فقط الى منطقة (أرثت) ليدمرها لما يسببوه من مشاكل حدودية مع مصر. وانه ذبح عددا كبيرا منهم ومن بينهم ابناء رؤساء قبائل ومحاربين،وكان معه جيش عظيم من الاقوياء وخربنا بلاد ارثت. ثم ارسله الملك مرة اخرى الى العديد من مناطق بلاد النوبة لتهدئتهم لدرجة انه احضر معه رؤساء قومين من هناك؟؟. سالمين معافين الى البلاط الملكى فى منف، ومعهما ثيران وماعز حية.
  4. سبنى ابن مخو:- كان ابن حاكم اقليم تاسيتى (الفنيتن) وكان نائب الملك بيى الثانى فى الجنوب. وانه قام بامر من الملك للذهاب الى بلاد النوبة لاحضار جثة والده الذى قتل هناك وهو المدعو (مخو). وانه ذهب الى هناك بالرغم من انه كان جاهلا لهذه الطرق. وذهب ووجد جثة والده وعاد بها الى مصر ودفنه بقبره فى الفنتين ويوجد هذا القبر حتى الان. ولكنه افادنا بمناطق فى هذه المهمة التى مر عليها مثل أرثت وواوات ثم منطقة (عا) والتى تظهر لاول مرة فى النصوص؟؟. ثم منطقة (ثر) ولتى عثر فيها على جثة والده وظهور اسم هذه المنطقة ايضا لاول مرة. وانه احضر معه من مصر المحنطين والتابوت وما الى اخره لمحافظة على جثة والده.
  5. ونى:- احد كبار الموظفين الذى عاشر ملوكا كثيرين ابتداء من الملك تيتى الاول حتى الملك بيبى الثانى وقبره فى ابيدوس. ويقول بانه حارب اهل لنوبة كلهم وذكر لنا اسما جديدا لاحد المناطق وهو (المازو) والتى بها احد القلاع العظيمة والتى دمرها كاملا وكان ذلك فى عهد الملك بيبى الثانى. وانه اخضع ثورات اقوام النوبة ولخمسة مرات كاملة وكتب بالتفصيل كل ذلك فى قبره واطلق عليها (اخضاع ثورة الاقوام المقهورة) واظهر لنا ايضا منطقة جديدة فى المرتفعات الجبلية فى بلاد سكان الرمال وهى الان منطقة (الكرمل) عند منطقة بحر الغزال. ولذلك فان الجدل حتى الان حول منطقة (المزا أو المزاو)؟؟

وبهذا نكون قد ذكرنا ههنا اهم خمسة شخصيات عملوا هذه السياحات وما كتبوه عن مناطق بلاد النوبة وهناك اكثر من خمسة عشر شخصية قاموا بهذه السياحات وكلهم من الاسرة السادسة ولكن نكتفى باهم الشخصيات منهم. و يتضح من كل ذلك بان اغلب هذه السياحات كانت سلمية،وهكذا حتى نهاية الدولة القديمة كانت معظم بلاد النوبة وكما فى المواثيق المصرية تعرف باسم بلاد (دود كاشو) والترجمة المصرية تعنى (اقاليم بلاد النوبة) وكما عرفت منذ عهد الملك زوسر وكتبنا من قبل.

وهذا يؤكد من ناحية اخرى وبلا جدال يا اصحاب العقول بان الحدود المصرية الاصيلة كانت عند الشلال الاول ومنطقة الفنتين، بخلاف ذلك لم يكن لمصر سيطرة فعلية على مناطق النوبة بالرغم من حرية الترحال والسياحات، ومن كل هذا يمكن ان نستخلص عدة نقاط لنرتاح ونريح مثل:-

  • ان بلاد النوبة ككل عرفت باسم (دود كاشو) وهذا الاسم الذى سيتحور فيما بعد الى اسم بلاد كوش، وهذا كله ومن الجذور ليس له علاقة باثيوبيا او الحضارة الاثوبية يا اصحاب العقول !!.
  • ان بلاد دود كاشو كان بها مناطق كثيرة وذكرن الكثير منها،ولم تكن مناطق مستقلة او امارات مستقلة بل كانت مناطق نوبية متماسكة لا حروب بينها حتى ذلك العهد،بل كانت الحروب مع مصر فقط وخاصة لمنع مصر دخول الكثيرين منهم البلاد ولو حتى تجاريا، وهذا ليس فى صالحهم بطبيعة الحال.
  • ان السياحات بين مصر وبلاد النوبة كانت فى اغلبها سلميا وكما فى النصوص وخاصة لرغبة ملك مصر احضار خيرات من هناك، ولكن هل كان ذلك بقوة المصريين ام بتبادل تجارى؟؟. وهذا للاسف الشديد لم توضحه النصوص،وغالب الامر بان المصريين كانوا يتجولون بحرية وبالرغم من انف اهالى بلاد النوبة.
  • حتى نهاية الدولة القديمة كانت بلاد النوبة بقسميها (أ) و(ب) تعيش حياة بدائية غير متطورة على الاطلاق وكما فى النصوص، وهذا ما يدفعنا للتساؤل ايضا لماذا مع ان الجذور والفكر واحد ؟؟.
  • موضوع القزم (الدنج) وخاصة ان بلاد النوبة حتى ما بعد الشلال الخامس ومنطقة عطبرة لم تكن ارض الاقزام قط؟؟. فهل يمكن ان يكون هذا القزم قد توغل بمفرده الى هذه المناطق حتى وقع فى قبضة حرحوف وكما ذكرنا من قبل!!. وحتى ذلك العهد ايضا لم نعرف اين بالتحديد بلاد يام؟؟.
  • حتى هذا العهد فى الدولة القديمة لم نقرأ فى اى نص على الاطللاق كلمة (كوش) او مملكة كوش كما يسميها البعض!!. وهذا ما تدعيه المدرسة الايطالية وخاصة انها تقول بان اصل الحضارة المصرية منذ الجذور تعود الى الكوشيين او(الاثيوبيين) فى عصرنا الحديث الان. وهذا ما يوضح الخطأ التاريخى فى فكر المدرسة الايطالية الاثرية.
  • لم يظهر حتى نهاية الدولة الوسطى فى النصوص المصرية اى اسما لرؤساء قبائل بلاد النوبة بل كثر ذكر كلمة (نحسيو = نوبى اسود). حتى كلمة زنجى للاصل الافريقى لم تظهر بعد وكل ما ذكر هو مرة واحدة فقط فى كثرة هذه السياحات وهو كلمة (دنج = قزم) فقط وكما فى قصة حرخوف.
  • وبعد حقبة الدولة والقديمة وانقضائها دخلت مصر فى عصر الاضمحلال الاول والذى استمر اربع اسرات كاملة وكان التاريخ المصرى نفسه غامضا فى هذه الحقبة ولانستطيع الجزم باى شىء فى هذه الحقبة عن بلاد النوبة وهكذا كان الحال حتى ظهور عصر الدولة الوسطى فى مصر.

عصر الإضمحلال الأول فى مصر وبلاد النوبة

بالرغم من غموض هذه الحقبة فى التاريخ المصرى الا انه فى لابد النوبة كانت هناك تغيرات كبرى وبالرغم من ندرتها فى النصوص المصرية،ولقد تخصص فى هذه الابحاث والاكتشافات العالم الاثرى ينكر وكذلك الانجليزى جريفث ويمين تلخيص ما كتبوه فى تلك الفترة عن احوال بلاد النوبة ما يلى:-

  1. ان المجموعتين الاصليين فى بلاد النوبة وهم المجموعة (أ) و(ب) قد توحدتا وبداوا ينظمون قبائلهم وصفوفهم وظهروا فى شكل المجموعة (ج). ثم ايجاد مراكز حضارية كبرى لهم فى مناطق (دنقلة) ومنطقة (جبل الكرمل) وكذلك (كردفان) واصبحت هذه النماذج الحضارية هى مراكز بلاد النوبة،وهكذا جغرافيا اصبحت بلاد النوبة فى منطقة الشلال الرابع.
  2. ظهور جنس الزنوج وهى النوعية الاولى من نوعها فى افريقيا ووجود مناطق لهم الى مابعد الشلال الخامس. ومن هنا يتأكد فعلا بان الزنوج اخذوا فعلا حضاراتهم من اصل بلاد النوبة وليس العكس كما يشاع فى المدرسة الايطالية. والسؤال الان هو: هل هؤلاء الزنوج هم اصلا اصحاب الحضارة الاثيوبية؟.
  3. فى عهد الاضمحلال الاول المصرى كان هناك اول اختلاط من نوعه ما بين النوبيين وبين الزنوج لاول مرة فى التاريخ، ووضح من الحفريات بان الزنوج حتى هذه الحقبة كانوا اقل حضاريا بكثير عن مناطق بلاد النوبة وكان الزنوج من ساكنى الاكواخ ولا يعرفون سوى حرفة الصيد فقط والقليل منهم يعمل فى الزراعة، وكانوا قوما حفاة عراة الا منطقة العانة فقط.
  4. ان اول اختلاط بين الزنوج وبين النوبيين فى التاريخ كانت عند منطقة الشلال الرابع وخاصة عند منطقة جزيرة (مقرات) انظر الى خريطة بلاد النوبة وكما هى موضحة بالتفصيل. وهناك فروق جوهرية بين النوبى والزنجى من حيث بشرة اللون والجمجمة وكذلك المقابر والتى وجد منها الكثير الى ما بعدالشلال الرابع، و لم نجد لهم لغة مكتوبة. ويتضح من ذلك بان اصل الزنوج هى المنطقة الافريقة التى كانت قديما الى ما بعد الشلال الرابع اى فى اقصى جنوب السودان الان.ولم يكونا قد ظهروا فى التاريخ بعد، وان اول ظهورهم كما كتبنا ههنا.
  5. ومع تطور احداث التاريخ والترحال تكونت فى مناطق النوبة اول اختلاط زنجى نوبى مشترك ووصول الزنوج حتى منطقة الشلال الثانى، وظهور مظاهر لذلك فى مناطق كوش ودنقلة وسمنة وما الى غير ذلك من ماطق بعد الشلال الثانى. وهكذا ظهر الدنوج فى التاريخ الحضارى، ويتضح من ذلك بان للزنوج ثقافتين ولاشك فى ذلك. فالثقافة الاولى وهى الثقافة المشتركة مع النوبيين وذلك من مناطق الشلال الرابع حتى الشلال الثانى اما ما بعد الشلال الرابع حتى ذاك الوقت فكانت ثقافة زنجية بدائية خالصة، ولهذه الفروق دراسات اثرية ليس مجالها ههنا الان.

هذه هى حقائق التاريخ الموثق وحتى الان لم نسمع قط عن مملكة كوش او الحضارة الاثيوبية والى تدعى المدرسة الايطالية بانها من اصل وجذور الزنوج وما الى ارخره من ادعاءات باطلة وما بها من اثار جدالية بين المدارس حتى يومنا هذا. وكل هذه الاحداث النوبية كانت فى عصر الاضمحلال الاول المصرى ووثائقها فى بلاد النوبة عن طريق اباء هذه البحوث والاكتشافات الذين ذكرناهم من قبل. اما عن الوثائق المصرية لم نجد لها أثر حتى الان،اللهم الا ما كتبه المصرى (أيب ور) فى ورقته الشهيرة والذى حكى الكثير عن هذه الحقبة المضمحلة المصرية وفيما يخص بلاد النوبة قال ((انه بعد حكم الملك بيبى الثان دخلت مصر عصر الاضمحلال الاول والذى فيه غزا البلاد اقوام من الاسيويين شمالا ومن النوبيين جنوبا. ولم يعد هناك خاسيت او زيت مرحيت اللذان كانوا يجلبان من بلاد النوبة،بل انقطعت اخبار الجنوب تماما عن منف، وانتشرت الفوضى فهل هم (نحيسو؟؟…. واصبح القتل والخراب فى الجنوب امرا عاديا بل والسرقات، وظهور جنود مرتزقة ونشروا الفوضى من النحيسو فهل هم من النحيسو؟؟…)).

فهذه الورقة واهميتها التاريخية والتى تصف لنا احوال مصر فى الداخل اشارت بشىء من الايجاز احوال جنوب مصر،وعن طريق هذه الورقة فقط عرفنا احداث الجنوب. وفى راى الخاص بان هؤلاء الجنوبين لو كانوا منظمين انذاك او لهم قوة حقيقية لكانوا استولوا على الجنوب كله بالاخص منطقة الفنتين،ولكنهم لم يستطيعو،وهذا غموض اخر لم يحل بعد. وبعد عصر الاضمحلال الاول ندخل الان فى عصر الدولة الوسطى فى مصر واحوالها مع بلاد النوبة.

الدولة الوسطى فى مصر وبلاد النوبة

فى خلال باكورة الولة الوسطى وخاصة فى الاسرة الحادىة عشر قامت مصر الموحدة بتامين حدودها ونخص بالذكر ههنا الحدود الجنوبية مع بلاد النوبة. ففى باكورة هذه الاسرة ظهر اسم جديد لبلاد النوبة وهو (كاش) وقد جادل الاثريين ايضا فى ذلك!!. مع انهم لو تعمقوا فكريا ولو بقليل لوجدوا بان اللغة او الكتابة القديمة قد تطورت بالفعل،وهذا التطور الكتابى المختصر استدعى تطور اخر فى كتابة الاسماء والمخصصات وان كلمة (كاش ما هى الااختاصر للكلمة القديمة دود كاش) وهذا راى الخاص المتواضع وارحموا تاريخ مصر يا اصحاب العقول،ويا من تحملون الحضارة اكثر مما تحتمل،فتجعلوها من الالغاز وما هى بالغاز ولاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم.

ولكن وجب علينا قبل التوغل فى النوبة فى عصر الدولة الوسطى ان نذكر هنا باختصار منطقة اثيوبيا حيث ان ظهورها الحضارى هناك كان يقابل عصر الدولة الوسطى فى مصر، والادعاء بان اصل حضارة الجنوب منذ القديم من الزمان يعود الى منطقة الحبشة والجنس الحامى ولقد تكلمنا عن ذلك من قبل.

منطقة الحبشة (اثيوبيا)

لا نزاع مطلقا ان لفظة اثيوبيا استخدت خطأ من بعض المؤرخين القدامى وخاصة الهرطقى هيرودوت الذى لا يفقه شيئا عن مصر مطلق،وهذا الخطأ وقع فيه الاثرييون المحدثون اصحاب المدرسة الايطالية وعلاقتهم بمنطقة اثوبيا منذ العهود الاستعمارية، وسار الى حد ما على نهجهم بعضا من انصار المدرسة الفرنسية. وكانوا يظنون طبقا لما رواه هيرودوت بان كلمة اثيوبيا (الحبشة) هو اسم الاقليم الممتد من اعالى النيل حتى ملتقى النيل الابيض مع الازرق عند الخرطوم الان فى السودان، وهذا رأى خاطىء تماما لعدة اسباب جوهرية ومتعددة وهى:-

  1. اتفقنا بحثيا ومع التدقيق بان بلاد النوبة منذ القديم من الزمان شملت مناطق ما بعد الشلال الاول حتى الشلال الرابع وما بعد الشلال الرابع كانت منطقة الاحباش او الزنوج.
  2. نوهنا فى بحثنا هذا اهم المناطق التى ذكرت بخصوص بلاد النوبة وهى كلها منحصرة بلا ادنى شك ما بين الشلال الاول والشلال الرابع،اما بعد ذلك فهى تدخل فى نطاق مناطق الزنوج او الاحباش وما الى اخره من مسميات تاريخية قديمة.ولقد عرفنا ايضا فى بسطة وجيزة كيف تداخلت العلاقات الزنجية مع النوبيين والفروق الجسمانية فى الشكل واللون وخاصة جمجمة الراس.
  3. ان بلاد الحبشة عرفت فى التاريخ المصرى باسم (ابيسينا = الجنوبية الشرقية) ولكن هذا الاسم ظهر لاول مرة فى عصر الدولة الحديثة وليس قبل ذلك وخاصة بعد رحلة بلاد بونت.وفى ذلك ايضا جدل كبير وهل هذه البلاد وتلك الرحلة التى حدثت فى عهد الملكة حتشبسوت تعنى اليمن ام اثيوبيا؟؟.
  4. ظهرت فى الكشوف البحثية الحديثة والحمد لله وخاصة فى عهد الدولة الوسطى كلمة (ابيسينا) وكان الابهام حول ذلك المسمى لان معناه (الجنوبية الشرقية) فهل المقصود مناطق ما بعد الشلال الرابع ام المقصود بها تلك المناطق النوبية؟؟.
  5. ان سكان الجنوب من بلاد السودان وحتى الان لا يعتبرون انفسهم زنوج ولايرغبون فى ان يطلق على اراضيهم كذلك بلاد الحبشة القديمة، فلماذا لا يتمسكون بذلك وهم الراغبين فى الانفصال عن شمال السودان!!. وكذلك فان لغتهم ليس لها علاقة قط باللغة الاثيوبية،وان كان بها لهجة مشابهة فى بعض الكلمات وهذا موضوع لغوى اخر ليس مجالنا الان.

واللغط التاريخى ههنا جاء نتيجة الخلط ما بين اسم كوش والتى ظهرت فى الدولة الوسطى وكذلك كلمة ابيسينا والتى تعنى الاراضى الجنوبية الشرقية، ولذلك وجب علينا مراجعة الاسماء اللغوية من واقع النصوص الحقيقية وفى عجالة مثل:-

  • سيتى:- وهو اقدم اسم تاريخى اطلق على بلاد النوبة والتى تبدا بعد الشلال الاول وهى تعنى (القوس) او حاملى الاقواس وهم النوبيين وكما ظهرت على لوحة الملك مينا فى عصر الدلوة القديمة وخاصة لما فى اللوحة من كلمة ضرب سيتى ولقد نوهنا عنها من قبل. وهذا الاسم ليس له علاقة بالاقليم المصرى (تاسيتى) وهو الفنتين وحتى وان كانت الجذور واحدة كما تحدثنا من قبل. كما ان سكان هذا الاقليم فى النصوص المصرية كان هو بالنص (سيتو) وهو يعنى سكان اقليم الفنتين،الا ان الظاهر ايضا ان هذا الاسم كان يطلق على جميع سكان مصر فى الجنوب، لاحظ ودقق فى المسميات كذلك،وهذه مسالة هامة جدافى الترجمات والفهم خاصة لتشابه الكلمة.
  • دود كاشو:- وهو الاسم الذى يشمل كل مناطق النوبة والذى ظهر فى عهد الاسرة الثالثة وخاصة فى عهد الملك زوسر. وكان يعنى اقليم او اقاليم النوبة، ومنه جاء فى عصر الدولة الوسطى كلمة (كاش او كوش).
  • كاش او كوش:- وهو الذى ظهر فى الدولة الوسطى وكان يشمل ايضا كل مناطق النوبة والتى حددت ايضا بدأ من الشلال الاول وحتى الشلال الرابع. ولقد وضحنا فى تفصيل موجز كل ذلك. ويقال ايضا انه فى هذا العهد ظهرت كلمة الاراضى الجنوبية الشرقية (ابيسنا) ولكن لم تشرح المصادر حدود هذه اراضى والتى يقال بانها ارض الحبشة والتى كان بها الزنوج.

وهناك كلمات اخرى حدث حولها اللغط وهى:

  • نحسى او نحسيو:- فهذا الاسم ليس له من قريب او بعيد ادنى معنى لكلمة (الزنجى) لان جذور هذه الكلمة وكما وضحنا من قبل كانت تعنى سكان النوبة النحسى او النحسيو. وهم سكان بلاد النوبة اصحاب البشرة السمراء والشعر المجعد وهم الساكنين من الشلال الاول وحتى الشلال الرابع. كما اطلق ايضا فى النصوص المصرية على سكان منطقة الفنتين فقط (منطقة الفنتين فقط) وليس كل سكان جنوب مصر لان الجنوبيين جميعا كان اسمهم ستيو.
  • أونوت:- وهذه الكلمة ليس لها ايضا من قريب او بعيد اية علاقة ببلاد النوبة وهذا كان خطا من الباحثين الغير متخصصين لغويا، حتى حزم الامر تماما الاثرى واللغوى (زيته) واظهر رايه القاطع فى الامر (أونوت = سكان الكهوف) وكانوا قبيلة او قوم من البدو ساكين المنطقة الجنوبية الشرقية من الصحراء الشرقية بين النيل والبحر الاحمر، ولنا معهم ايضا دراسة متخصصة مع موضوع البدو وليس ههنا الان. ولذلك لابد من ان تحذف الان كلمة اونوت من القاموس اللغوى لبلاد النوبة وانهاء هذا اللغط التاريخى.

وبعد هذا الملخص السريع لاهم المسميات وليس المناطق بطبيعة الحال نجد ان بلاد النوبة فى عصر الدولة الوسطى اصبح اسمها اراضى كاش او كوش وظهور هذا الاسم فى عهد الملك (منتوحتب الثانى) موحد القطرين فى عصر الدولة الوسطى وخاصة بعد ايجاد لوحته الشهيرة المعروفة باسم (لوحة النصر) والتى عثر عليها فى منطقة الشيخ موسى فى الجبلين، ويمثل المنظر والنص على اللوحة ((الملك منتوحتب الثانى يضرب أربعة من الاسرى، الاول يرتدى الملابس المصرية المعتادة، والثانى يضرب يلبس قميص قصير ونقش فوق راسه كلمة (ستيو) ولكن ليس على راسه ريشة التى كان يشتهر بها النبيين، ويحتمل انه من المصريين الجنوبيين فى الفنتين كان من المعارضين للمك، والثالث شخص على راسه ريشة تدل ملامحه على انه نوبى الرابع على راسه ريشة وفوق راسه كلمة (تحنو = البربر) وفوق هذه اللوحة نص يقول ((انه مسيطر على رؤساء الارضين الصعيد والدلتا والاجانب وشاطىء النيل والاقواس التسعة وكل المصريين)).

ولدينا منظرا اخر لنفس الملك نقش على مقصورة له فى معبد دندرة واشير فيها الى توحيد القطرين ويحميه الاله حورس الذى يبطش بالبلاد الاجنبية التى هزمها الملك ولكن مسميات الكثير من هذه المناطق مهشمة ولكن يوجد نص واضح جدا يقول ((النوبيين اصبحوا يدفعون الضرائب وهم اهل المازوى واهل واوات بجانب البربر التمحو)) وهم (الليبين).

وفى اسوان يوجد نقش على صخرة بالقرب من الخزان القديم وللاسف الشديد مهمل كالعادة المصرية ولا نحافظ عليه، وبه نص مهشم ولكن بقاياه تروى لنا عن شخص يدعى (خيتى) وكان حامل الخاتم للملك منتوحتب الثالث وكان رجلا مشهورا فى طيبة وارسل بامر ملكى الى بلاد واوات فى حملة مكونة من عدة سفن وعادت الحملة بسلام… وبخلاف ذلك لا نعلم اى شىء اخر او الغرض من هذه الحلمة وماذا جلبوا من هناك؟؟ وذلك لان بقية النقوش ممحاة تماما.

وهكذا اصبح من المؤكد بانه فى عصر الاسرة الحادية عشر كانت بلاد النوبة خاضعة لمصر مرة اخرى وخاصة لدفع الضريبة او الجزية. وهكذا تاكدنا من السيطرة المصرية على بلاد كوش وعلى الاقل حتى الشلال الثالث وليس ابعد من ذلك حتى الان. ولكن مع دخول التاريخ المصرى الى الاسرة الثانية عشر حدث تطور غريب من نوعه نستهله مع جذور هذه الاسرة والملك امنمحات الاول.

الملك إمنمحات الأول مؤسس الاسرة 12 وبلاد النوبة

ثبت بحثيا لانهاء جدل عقيم بان الملك امنمحات الاول مؤسس الاسرة الثانية عشر هو نفسه الوزير الاول للملك منتوحتب الرابع الذى لم يكن له وريثا على العرش ولذلك بعد وفاته تربع وزيره الاول على حكم البلاد واصبح الملك امنمحات الاول، ووصوله الى الحكم كانت تشعر به امه والتى تدعى (امينى) ولها قبر مضمور فى منطقة الكاب ولها لوحة شهيرة بالمتحف البريطانى وحلمها هذا بوصول ابنها الى الحكم، يوافق نبؤات الكاهن المرتل (نفررهو) ويقال انه كان فى عصر الملك سنفرو والذى تنبأ بانه فى مستقبل مصر سيتربع على عرش البلاد ملك يدعى امينى وهو امنمحات وان امه من الاصل النوبى.

اما لوحتها الشهيرة بالمتحف البريطانى فيقول النص ((انها من اصل نوبى العائلة (وهذا واضح من صورة وجهها وشعرها للمواصفات النوبية) وان والداها حضرا الى مصر وولدت فى مصر وكانوا مقيمين فى اقليم تاسيتى. وعندما كبرت تزوجت من مصرى من اهل اقليم الفنتين كان يعمل فى قصر الملك منتوحتب الثالث ثم انجبوا ولدا اسمه (امنمحات = امون فى المقدمة) لانهم كانوا محبين للاله امون اله طيبة. وقاموا برعاية هذا الطفل رعاية صحية وعلمية حتى اصبح وزيرا كبيرا فى مصر ثم الوزير الاول للملك منتوحتب الرابع وهاهو اليوم اصبح ملكا على مصر)). وهذه اللوحة بعد ترجمتها فى السبعينات عملت مشكلة كبرى وخاصة هل ام الملك المدعوة امينى هى اما الملك فعلا؟؟. ولماذا؟؟.

  • اولا:- لان قبرها مدمر كاملا وكيف لام ملك يكون قبرها مدمرا هكذا ولماذا فى الكاب مع ان الملك يعيش فى الفيوم عاصمة مصر انذاك؟؟.
  • ثانيا:- انه فى هرم هذا الملك باللشت عثر على مائدة قرابين عليها نقش يقول ((الاميرة ام الملك نفرت)) وهكذا هو علم الاثار دائما مجادلات واراء تشتت العقول!!.

(رأى الخاص):- يمكن الوصول الى حلول لو اهتدينا بالله، ولكن كيف الهدى وهذا ما لم تعرفه اية مدرسة اثرية على الاطلاق. فان اللفظ او الاسم (نفرت=الجميلة) ويمكن ان يكون اسما نسائيا ويمكن ان يكون صفة ايضا. فلو كان صفة لقضى الامر ويكون النص يعنى (ام الملك الجميلة) ويكون هكذا صفة ولا يعنى ان اسمها نفرت وخاصة ان امينى وكما فى صورتها على اللوحة الشهيرة كانت جميلة الملامح التوبية السمراء. والديل على ذلك ان اللفظ نفرت على مائدة القرابين لم ياخذ اى لقب ملكى وهذا يدل بان نفرت صفة وليس اسما بالتاكيد المهم ان الملك امنمحات الاول من الاصل النوبى من الام ومن الجد والجدة من ناحية الام، وهو ايضا فيه الملامح النوبية وخاصة عظم الوجنتين مما يدل على انه من دم نوبى، ولما العجب من ذلك؟؟.

(رأى خاص):- فى تاريخنا الاسلامى نجد ان طبقة المماليك وحتى وان كانوا مصريين لم يكونوا من الاصل المصرى، وعندما ال لهم حكم البلاد سمعنا عن اصل اجدادهم وامهاتهم. ومنهم على سبيل المثال السلطان (الناصر محمد بن قلاوون) وكانت امه تدعى (خواند طوغاى) وهى من اصل منطقة كازاغستان وهو الذى ادخل الاسلام فى هذه المنطقة عندما اصبح سلطان البلاد. وكانت لها ملامح غير مصرية على الاطلاق وخاصة العين الضيقة وكما هى طبيعة سكان كازاخستان حتى الان. وكانت جدة السلطان الشهير وهو السطان (حسن) صاحب اشهر وافخم واعظم مدرسة فى التاريخ المملوكى وهو جامع السلطان حسن. فلما الاستغراب الان من ان ام الملك امنمحات الاول كانت من الاصل النوبى مع انها وكما فى تاريخها ولدت فى مصر وهكذا، فلما التحميل الدائم على التاريخ المصرى؟؟، ام هذا الاجنبى يريد اثبات شىء اخر فى نفس يعقوب لا نعلمه؟؟. وهل لم يخدم الملك مصر وحاماها من اعداء مصر ولو حتى هؤلاء الاعداء كانوا من جذوره القديمة او فى عهده.

نعم انه اهتم ببلاد النوبة ولكن فى نفس الوقت حمى مصر من اعدائها من النوبيين، ونجد له نقشا يعلم فيه ابنه الامير سنوسرت ويقول ((لقد اذللت الاسود واصطدت التماسيح وقهرت اهل واوات واسرت قوم المازوى لانهم مازالوا متمسكين بالجنود المرتزقة وعملوا على قيام حروب داخلية هناك ولابد من …)). ومن المعروف فى تاريخ هذا الملك كان هناك معسكر نوبى ضده واعدوا جنود مرتزقة لمنازلته حتى فى عقر داره مصر. ولذلك فانه ارسل فى احدى المرات حملة مكونة من عشرون سفينة بقيادة قائد الجيش والحملة المدعو (خنوم حوتب) وهو الذى له قبر جميل فى مقابر بنى حسن بالمنيا (قبر خنوم حوتب). ووصل الى مناطق واوات والمازوى وهزمهم. ومن ناحية اخرى كان هذا الملك مهتم جدا ببلاد النوبة وعمل على ايقاف حروبها الداخلية وكان اعداء مصر من النوبيين فى عهده هم اهل واوات والمازوى فقط.

الملك سنوسرت الأول وبلاد النوبة

وفى عهد ابنه الملك سنوسرت الاول كان مثل والده هادئا مع بلاد النوبة ماعادا اهل واواوت والمازوى ولكنه كان كارها وبشدة للبربر التمحو الليبيين. ونلاحظ ذلك لانه وجد لوحة شهيرة من عهده والمعروفة باسم لوحة (حور) وهى محفوظة بالمتحف المصرى والحمد لله. وحور هذا ارسله الملك سنوسرت الى بلاد النوبة لاحضار حجر الجمشت من صحراء النوبة الجنوبية الشرقية من وادى (الهودى) وهذه اللوحة من الحجر الجيرى الابيض ويقول نصها ((كنت على راس بعثة كبرى بامر من الملك سنوسرت بن رع لاحضار حجر الجمشت من صحراء النوبة الجنوبية الشرقية،هذا الملك الكاره لليبيين الراغب فى تهشيم رؤوس الاسر الثائرة فى النوبة وهو الذى يحب حور النوبة (اى الاله حورس النوبى) والذى يمدح السيدة التى على راس النوبة معطى الحياة والثبات والصحة مثل رع مخلدا.. ذلك الملك الذى يريد ان يقوم بالاعمال الطيبة فى ارض النوبة منزعجا من هؤلاء الثوريين وسيكبدهم الكثير من الجزية لما يفعلوه ولابد من تقليص حدودهم لانه محبا للالهة هذه المناطق بل يشكر هذه الالهة لمساعدته فى انتصاراته على بلاد النوبة ومعترفا بالجميل لالهة هذه المناطق …..)).

فماذا تستنتج من مثل هذا النص؟؟ هل هو محبا لبلاد النوبة ام كارها لبلاد النوبة؟؟. ويلاحظ ايضا فى النص رغبة الملك فى توسيع حدوده الى ما بعد الشلال الاول والوصول حتى منقطة وادى حلفا الان على مقربة من الشلال الثانى. ويمكن توثيق كل ذلك من قبر الشهير سرنبوت وهو صاحب القبر الشهير فى اسوان بمنطقة قبة الهواء من جزيرة الفنتين و فى حالة جيدة جدا حتى الان.

قبر سرنبوت

كان امير مقاطعة الفنتين وكان المشرف على الاراضى الاجنبية والمشرف على رؤساء القوافل ومن نصوص قبره يمكن ملاحظة الكثير والكثير ومن اهمها: انه فى عهد الملك سنوسرت الاول سمح للقوافل النوبية بالدخول الى مصر بالتجارة مرة اخرى بعد انقطاع دام قرون منذ انقضاء عهد الدولة القديمة. وقيامه بتوسيع رقعة مصر فى الجنوب الى ما بعد الشلال الاول بكثير وعمل تحصينات عسكرية وجمركية فى نفس الوقت ومما قاله عن ذلك ((حملت خاتم الملك فى كل الاحوال الخاصة ببلاد كوش، واحصيت الجزية وكذلك الضرائب فى مناطق المازوى. غيرت قوانين الازمان القديمة فى تلك البلاد!!. وقد اعد الملك خطة سرية….)) ولكنه لم يشرح لنا تلك الخطة او الخطط السرية، ولكن تاريخيا وحسابيا بعد عامين من كتابة هذه النقوش فى قبر سرنبوت نجد مفاجاة تاريخية وهى الاولى من نوعها وهى:

الحملة الكبرى للملك سنوسرت الاول لفتح بلاد النوبة العليا

تعد هذه الحملة موثقة وثائقيا ولقد قام هو بنفسه على راس هذه الحملة والوصول حتى الشلال الثالث. والمنطقة التتى تبعد عن وادى حلفا بمسافة 250 كم جنوبا. وكان قائد الحملة شخص يدعى (منتوحوتب) وترك لنا نقشا فى معبد بوهين بوادى حلفا وكذلك لوحة له فى نفس المعبد، وكذلك فى حصن كوبان بخلاف لوحة عثر عليها فى قلب صحراء اسوان. وملخص هذه الحملة بان السيادة المصرية وصلت الى وادى حلفا تماما بل وحتى الشلال الثانى.

ولذلك فمنذ عهد الملك سنوسرت الاول حتى سنوسرت الثالث نجد نشاط مصرى ملحوظ فى بلاد النوبة، وقيام المصريين بتنظيم تلك المناطق، وان الحالة السلمية كانت تشمل 85 % وحالة الحروب تشمل 15 % فقط. ومن هنا عرف المصريين لاول مرة (الزنوج) وتميزهم عن اهل النوبة وخاصة فى منطقة الشلال الثانى وما بعده،ولكن من المؤكد الان وخاصة فى عهد الملك سنوسرت الثالث كانت السيادة المصرية قد وصلت حتى ما قبل الشلال الثانى بقليل من الكيلو مترات.

الملك سنوسرت الثالث وبلاد النوبة

وهو يعد تاريخيا اشرس ملك مصرى مع بلاد النوبة وبقسوة لا يمكننا انكارها فى التاريخ القديم قط، بل كان من اكبر الطغاة والغزاة الذين قاموا بحروب طاحنة فى بلاد النوبة لدرجة ان السودانيين الحديثون من الاثريين والمثقفين يكرهون هذا الملك بصورة مبالغة جدا وحتى يومنا هذا هل تصدق ذلك؟؟. ووصل الى مابعد الشلال الثانى وانزل باهل مناطق سمنة وملاشدة وكوشة العذاب الوان،وكذلك بدو الصحراء بعد الشلال الثانى وخاصة لانهم يؤون جنودا مرتزقة يقطعون طرق التجارةو ويقتلون الجنود المصريين وما الى اخره.

وهكذا اصبح الملك سنوسرت انذاك الرعب والمرعب لبلاد النوبة، وهناك سودانيين اثريون حديثون يقولون بانه فرعون موسى؟؟. وهناك لوحة له موجودة حتى الان على صخرة جزيرة سهيل تمثله فى كبرياء بالتاج المزدوج امام الالهة ساتت فى السنة الثامنة من حكمه عندما انشأ قناة اسمها (طرق جميلة) فى الشلال لتسهيل الملاحة ووصف هذه القناة بان طولها خمسون ذراعا وعرضها عشرون ذراعا وعمقها عشرة اذرع لتكون ممرا امام سفنه الكبيرة ولتسهل وصوله الى بلاد كوش الخاسئين.

ومن ناحية اخرى اجبر بلاد النوبة على تأليهه بل وحقر الكثير من الهة النوبة مثل الاله (ددون) اله سمنة وعمل احتفال فى معبده الذى اقامه هناك للانتصار العظيم واطلق عليه احتفال (طرد السود) وهذا المعبد الذى جدده فيما بعد الملك تحتمس الثالث وهو موجود حتى الان فى سمنة.

وعنه قال المؤرخ الهرطقى هيرودوت فقال ((هذا الملك الاله والمؤله فى بلاد النوبة هو الفرعون الوحيد الذى حكم اثيوبيا واصبح رب الارباب لالهة النوبة بل واهم من الاله ددون نفسه….)). هل لاحظت الان كلمة اثيوبيا فى كتابة هذا الهرطقى هيرودوت، وهذا ما تمسكت به المدرسة الايطالية والتى تقول حتى الان الحضارة الاثيوبية.

واخر حملاته على بلاد النوبة كانت فى العام التاسع عشر من حكمه ولم نسمع بعد ذلك فى عهده اى جديد عن بلاد النوبة،ولكن اصبح من المؤكد فى عهده بان سيادة مصر وصلت الى ما بعد الشلال الثانى وحتى مناطق دنلقة واحتمال حتى منطقة الخندق كذلك؟؟. والتوثيق على ذلك نجده فى لوحة رئيس ادارة موظفيه الذى يدعى (ساتت) وعثر على هذه اللوحة فى رمال منطقة ابيدوس وهى موجودة الان فى متحف جنيف بسويسرا ويقول النص فيها ((ملك القطرين خع كاو رع المخلد سائرا على راس جيش عظيم ليهزم الكوش الخاسئين فى السنة التاسعة عشر من حكمه …)) وبقية النص مهشم ولم يوضح اكثر من ذلك.

وعثر كذلك الاثرى (ريزنر) على لوحة فى ابيدوس وهى كاملة النصوص لاحد كبار رجال الملك يدعى (أخر نفرت) وبجانبه ساتت السابق الذكر وهى موجودة الان فى متحف برلين ويقول ((حضرا اخر نفرت ومعه ساتت الى ابيدوس ليستقبلا الملك سنوسرت اله النوبة عند عودته المظفرة من بلاد كوش وهزم كوش الخاسئين هزيمة منكرة وذلك فى العام التاسع عشر من حكمه….)).

وبعد وفاته تربع على عرش مصر ابنه الملك امنمحات الثالث ثم من بعد الملك امنمحات الرابع ثم الملكة سوبك نفرو رع، وفى عهدهما نجد ان الاشارة الى بلاد كوش منحصرة فى الوجهة الحربية فقط لاغير.ولكن كلها تؤكد على السيادةالمصرية بالفعل كانت ما بعد الشلال الثانى وبالاخص عند سمنة وما بعدها، اما ابعد من ذلك فليس من المؤكد بالرغم من تاكيد حروب الى ما بعدها حى منطقة دنقلة.

وهكذا انقضى عهد الدولة الوسطى ولانجد من اعداء بلاد كوش ضد مصر غير اهل المازى والواوات بجانب الجنود المرتزقة المحميين من بدو الصحراء بعد الشلال الثانى. ومن المؤكد كذلك انه بانقضاء هذا العهد كان لمصر فى بلاد النوبة حوالى 17 حصنا كاملا و ومازالت اطلال الكثير منها موجودة حتى الان.وتوجد قائمة كاملة لهذه الحصون واسماء المنطقة وقد وضعه كلا من الاثرى ريزنر والاثرى بوخارت سويا، وكان اكبر حصن يوجد فى وادى حلفا واطلاله موجودة حتى الان.

كما عثر الاثرى الالمانى (سف زودبرج) على ورقة بردى مكتوبة ومرسومة باسماء هذه الحصون ومناطقها وان ثمانية منها توجد فى الشلال الثانى حتى منطقة وادى حلفا ثم فى الشلال الثالث فى منطقة سمنة ولكن هذه البردية تنسب الى عهد الملك سنوسرت الثالث وهى محفوظة ايضا فى متحف برلين.

وانتهى عصر الدولة الوسطى ودخلت مصر عصر الاضمحلال الثانى وهو كما سبق القول من العصور الغامضة فى التاريخ المصرى، ولا ذكر طبعا فى النصوص المصرية عن بلاد كوش. ولذك فانه فى عصر الاضمحلال هذا لم نجد ما يستحق ان نذكره هناثم جاء بعد ذلك العصر الاثر غموضا وقتامة وهو عصر الهكسوس وفيه وجدنا اشارات وثائقية عن بلاد النوبة او كوش ولذلك لنا معه وقفة.

عصر الهكسوس فى مصر وبلاد النوبة

ان حقبة الهكسوس فى مصر تعتبر الان امرا مؤكدا وخاصة حكمهم لمصر. وتدل شواهد الاحداث الاثرية والوثائقية بانع عند سقوط الدولة الوسطى ظهرت اسرات جديدة فى تلك الحقبة منذ عصر الاسرة الثالثة عشر ثم الرابعة عشر وامتداد الاسرات هكذا حتى منتصف الاسرة السابعة عشر وعصر تحرير مصر من الهكسوس وتوحيد البلاد تحت عرش واحد مرة اخرى.

ولذلك اقر الكثير من االعلماء والباحثين بان هذه القترة الممتدة من الاسرة 13 وحتى منتصف الاسرة 17 باسم (عصر الهكسوس) وهنا دخل الجدل التاريخى والممتد حتى الان وهو : هل هؤلاء الهكسوس هم بنى اسرائيل؟ وظهرت المدرسة الالمانية بجدل اخر وعلى رأس هذه المدرسة الاثرى (شتايندورف) وقال بان الهكسوس كانوا قوم اسيويين وليس بنى اسرائيل وطبعا المدرسة المصرية موافقة ومتمسكة بهذا الرأى وخاصة للحساسية التاريخية المصرية الاسرائيلية منذ القديم من الزمان، ورغبة المصرى داخليا بعدم الاعتراف بوقوع دولتهم تحت يد اسرائيل مهما كان صحة ذلك!!.

ومن هنا ولحساسية الموضوع وقبل الدخول فى موضوع الهكسوس وبلاد النوبة نستعرض الاراء كلها حول هذا الموضوع الهام وخاصة لحساسيته التاريخية والمصرية على وجه الخصوص، ولكن نتناول هذه الاراء اولا من ناحية وجود هؤلاء القوم حقا ام انها اسطورة يهودية فقط:-

  1. ان هؤلاء الهكسوس حكموا مصر فعلا بعد انقضاء جيل بعد حكم الملك المصرى (نفرحوتى) وقد اخذوا فى ايديهم سلطان البلاد فى مصر ووصلوا بسلطانهم حتى بلاد النوبة فى (الكرمة) وكان اول ملك منهم يدعى (سالتيس) ومقره فى منف وفرض ضرائب على اهل مصر بل واستعان بمصريين كثيرين للعمل فى الادارات المختلفة. ((راى الاثرى الالمانى سيف زوذربرج)).
  2. وجود مقابر فى مناطق تل اليهودية وابوصير الملق و قاو و دشاشة وكل هذه المقابر تعود الى عصر الهكسوس.
  3. ظهور طراز فنى للاوانى الفخارية بكثرة وهى جديدة العهد الفنى بمصر ومنها طراز اوانى (تل اليهودية) وهو نفسه طراز فخار فلسطين ذو اللونين وتطوره حتى وصوله الى القمة الفنية فى نهاية عصر الهكسوس.
  4. اسماء ملوك هذه الحقبة كلها اسماء سامية بحتة ومنها مثلا الملك (خيان) والتى هى بالعربية (حيان) وكذلك الملك سالتيس وغيره من الاسماء الحاكمة فى الاقاليم ((راى الاثرى الفنسى دوسو)).
  5. ظهور العجلة الحربية لاول مرة فى مصر وهى التى جلبت بلا ادنى شك مع قوم الهكسوس وان هذه الصناعة اصلا صناعة (أرية) واخذها الهكسوس كصنعة منهم والتى ساعدتهم كثير بالدخول الى مصر والاستيلاء عليها بدون عناء شديد ((رأى الاثرى الالمانى جوتسه)).
  6. وجود مقابر تدفن فيها العجول وكذلك الخيل واحيانا الخيل مع صاحب المقبرة وخاصة ان مصر لم تعرف الخيول الا عن طريق الهكسوس، وتوجد شواهد لذلك فى الكثير من مقابر الهكسوس بالدلتا. وفى فلسطين وجدنا كذلك مقابر للخيول فقط. وهكذا ظهر العجل المقدس فى مصر، راجع البحث عن هذا الموضوع فى نقطة الديانية المصرية القديمة ((رأى الاثرى الانجليزى بيترى)).
  7. طراز الحصون الهكسوسية والتى تختلف عن الحصون المصرية وخاصة ان الحصون الهكسوسية كان يقام حولها خندق يحيط بها، وهناك بقايا لهذه الحصون فى دلتا مصر ((راى الاثرى بيسنج)).
  8. مصدر تاريخيى عن طريق ما كتبه المؤرخ المصرى مانيتون ووصفه لكيفية استيلاء الهكسوس على مصر ولكن لا ننسى بان تاريخه هذا به الكثير من المغالطات لانه كتبه فى عام 270 ق.م. وهو ما يعنى بانه كتب هذا التاريخ بعد انقضاءه بمدة لا تقل عن 1500 عاما كاملة. ومن هنا كان الستاؤل من اين اتى مانيتون بكل هذه المعلومات الغزيرة وخاصة انه فى الدولة الحديثة قام ملوك كثيرين بتحطيم كل ما له صلة فى مصر بالهكسوس وهذا ما فعله اخر ملوك حطموا بقايا اطلال الهكسوس تماما واحتفل بذلك رسميا وكان هو الملك رمسيس الثالث؟؟.
  9. ظهور اله فى مصر له علاقة باله الهكسوس ومناطق الشام ولبنان مثل الاله (بعل) والاله (سوتخ) وهو اله على شكل راس حمار ايضا مثل الاله المصرى (ست) وغيره من الالهة الكنعانية او الهكسوسية على الاصح . ((راى الاثرى ستوك)).

وهذه كانت كل الاراء التى تؤكد وجود الهكسوس فى مصر وبالتالى سيادتهم على مصر ووصولهم حتى بلاد النوبة ثم ندخل فى البحث عن اصل الهكسوس، وهذا موضوع بحثى اخر ليس مجاله ههنا الان. ولكن ما يهمنا وحسب رأيى الخاص فى هذا الموضوع بانهم فعلا فرع من بنى اسرائيل وخاصة لو اكدنا بان وجودهم فى مصر أتى بعد الخروج الاسرائيلى الكبير من مصر فى عهد سيدنا موسى عليه السلام. ولكن للاسف الشديد ندرة المصادربجانب تدمير اثارهم فى عصر الدولة الحديثة هى التى دفعت بكل هذه المجادلات حتى يومنا هذا، ومع تردد نفس السؤال وهو من هم الهكسوس حقا؟؟.

وتدل شواهد الاحداث بان ملوك الهكسوس كانوا عاشقين لمصر ويحترمون المدنية المصرية ولذك لم يغيروا النظم الادارية المصرية قط ولاحتى نظم التعليم، ولكنهم تدخلوا فى العقيدة والعبادة وادخالهم الهة كنعانية ومنها مثلا عبادة العجل. وانهم استعانوا بكثرة بالعاملين المصريين وتعاون هؤلاء المصريين الشديد معهم وخاصة اهل الدلتا عن ذويهم فى الحنوب الكارهين للهكسوس. ومن الغريب ايضا اهتمامهم بمنطقة الفيوم.

اما شواهدهم مع بلاد كوش فنجد بعض الوثائق من هنا او هناك وكانت هناك حركة تجارية دائمة حتى منطقة الكرمة وبدون انقطاع. فلقد عثر فى الكرمة على جعارين ملك هكسوسى يدعى (شيشى) وكان له طبقة موظفين هناك وعلى راسهم الموظف (حار= شريف باللغة العبرية). وفى عهد هذا الملك فى مصر ظهرت عاصمة جديدة لهم تعرف باسم (أواريس) ومن هنا نشأ نزاع جدلى اخر وهل تانيس هى اوراريس. وهذا كله يدل على ان الهكسوس وصل سلطانهم فعلا حتى بلاد كوش، وانه فى حروب تحرير مصر ضد الهكسوس وخاصة فى منطقة قوص، استدعى الهكسوس قوتهم من بلاد كوش وان لم تكن كثيرة.

كما ان الاثرى (فرث) اثبت فى بحثه الخاص وهو بحث فريد من نوعه بالعثور على مقابر هكسوسية فى كلا من (عنيبة- بوهين- سمنة- شلفاك) اى كان لهم سلطان الى مابعد الشلال الثانى وتلك المقابر هى نفسها التى استخدمها المصريين فى عصر الاسرة 18.

كما ان الاثرى (بيكت) عثر على مجموعة من المقابر فى منطقة (كوبان) واكدها كذلك الاثرى الالمانى سف زودربرج. وفى هذا العصر الهكسوسى نجد انه فى بلاد كوش حدث تنظيم ادارى جديد وتوحيد المناطق لاول مرة!! تحت قيادة رجل واحد واخذ لقب وهو الاول من نوعه (حاكم كوش) وتبعيته الكاملة لاوامر الهكسوس. ونجد نص هكسوسى غير موثق بالرغم من انه مذكور فى تاريخ الهرطقى هيرودوت يقول ((ان بلاد كوش فى هذه الحقبة شهدت هدؤا وسلاما لم يكن موجودا من قبل قط،وان حاكم كوش كان تابع لملك الهكسوس الموجود فى مصر (لم يذكر اسم هذا الملك؟؟) وظلت بلاد كوش فى سلام حتى عندما بدا النضال ضد الهكسوس فى جنوب مصر)).

وفى منطقة كرمة نجد اثريا اسماء لملوك الهكسوس على طوابع اختام وعثر عليها مصادفة فى مستودع كرمة فى العشرينيات. وبخلاف ذلك لا نجد اية وثيقة عن عهد الهكسوس بصفة عامة الا النادر فقط وكلها موجودة فى الخارج للاسف الشديد سواء فى مصر او فى بلاد كوش حتى ظهور عصر التحرير ضد الهكسوس فى جنوب مصر وخاصة من جانب امراء طيبة.

الملك أحمس الأول وبلاد النوبة

طارد الهكسوس وموحد القطرين بل تتبع الهكسوس حتى عقر دارهم فى فلسطين وعاد الى مصر فائزا منتصرا واخذ اللقب الشهير والملتصق به فى التاريخ وهو (طارد الهكسوس). واسس الاسرة 17 واخذ طيبة عاصمة للبلاد. وفى تاريخه ايضا يقول بان كان هناك جيش اخر له متوغلا فى بلاد النوبة اى بلاد كوش ووصول هذا الجيش الى الكرمة وقضاءه نهائيا على بقايا الهكسوس حتى ولو كانوا مصريين مواليين للهكسوس وكذلك من اهل بلاد النوبة وهكذا ظهر فى التاريخ المصرى فى الدولة الحديثة نصوص تخص بلاد كوش وظهور تاريخ جديد مصرى وهو الدولة الحديثة.

الدولة الحديثة فى مصر وبلاد كوش

عندما استقرت الامور فى البلاد تحت لواء وعهد الملك احمس الاول اصبح من الواضح اداريا ووثائقيا بان مصر فى عهده كانت لها سيادة كاملة على بلاد كوش والوصول الى ما بعد الشلال الثانى كذلك. ونجد هذه النصوص الموثقة بشأن النوبة فى مقبرتين هامتين وهما : مقبرة احمس بن ابانا واحمس ابن نخن وهناك اثار كثيرة تخص هذه الفترة فى بلاد كوش وفى عهد الملك احمس الاول نفسه وهى كلها موجودة حتى الان فى متحف الخرطوم.

وبعد وفاته تربع على العرش ابنه تحتمس الاول والذى اظهر تقسيم جديد من نوعه فى بلاد كوش حيث قسم المنطقة الى خمسة اقسام ادارية، ووضع على راس كل منطقة امير نوبى من اصل المنطقة مواليا لعرش مصر وكل امير من هؤلاء على منطقته كان ياخذ لقب (حاكم كوش) وهذا كان الفرق فى التقسيم الادارى المصرى عن ما كان فى عهد الهكسوس، وكان كل امير لاتتعدى سطلته المناطق المختصة به وهكذا ظهرت منطقة كوش فى ثوبها الجديد. ولذلك كثرت فى عهدة اسماء كثيرة لحاكم كوش، ولذلك وضحنا ههنا لماذا حدث اللغط حول هذه المسميات.

ألم اقول لك من قبل بان التاريخ المصرى القديم يحتاج فقط الى تدقيق وترجمات صحيحة وبذلك ننهى المجالادت والتخاريف والتحميل الذى حملت به هذه الحضارة اكثر مما تحتمل، اتصدقنى الان؟؟. ثم جاء عصر الامبراطورية المصرية الاولى والاخيرة فى التاريخ المصرى كله قديمه وحديثه فى عهد الملك العظيم (تحتمس الثالث) ووصول السيادة المصرية حتى بلاد النهرين (العراق) وفى الغرب حتى المنطقة الليبية (طبرق).

اما فى بلاد كوش فوصل بالسيادة المصرية الى ما بعد الشلال الثالث بجانب انه اخضع قبائل واوات الى دفع الجذية تلك القبيلة ومعها المازوى اللتين فى التاريخ المصرى قديمة وحديثه سببوا المشاكل فى الصراع المصرى النوبى. ومن المعروف ان هذا الملك العظيم تحتمس الثالث تربع على حكم مصر 47 عاما كاملة، وقبل نهاية عهده بسنوات وصلت السيادة المصرية الى جبل البرقل اى ما بعد الشلال الرابع وبنى هناك حصنا عظيما اطلق عليه اسم (شمع خاسيتو = مأوى الجنوب الابدى) ومازالت بقاياه موجودة حتى الان هناك. وبنى كذلك معبدا للاله امون رع والتى اثبتت الدراسات الحديثة بان الذى بناه الملك تحتمس الرابع وليس هو وايضا فى منطقة جبل البرقل، كما اسس مستعمرة (نباتا) والتى سيكون لها شأن كبير فى عهد الحكم الكوشى على مصر فى الاسرة 25 فيما بعد.

وفى عهد ابنه امنحوتب الثانى وهو المؤسس الحقيقى لاقليم (نباتا) اصبح الاقليم السادس فى بلاد كوش وتابع ايضا للسيادة المصرية واخذ الامير ايضا لقب (حاكم كوش) وهو الذى اظهر منطقة نباتا حضارايا لاول مرة فى تاريخ بلاد كوش. وتلك المنطقة التى منذ القديم من الزمان وكما عرفنا من قبل من مناطق الزنوج الخالصة وهذا كله ليس له اية علاقة حتى الان بالحضارة الاثيوبية. ولذلك فان هؤلاء الملوك ههنا يعتبرون حتى اليوم من الملوك المصرين المحبوبين فى السودان وخاصة بالنسبة للاثريين منهم.

وبوصلنا الى عهد الملك تحتمس الرابع نجد ان بلاد كوش اصبحت هادئة تماما وتحت الادارة المصرية وبها ستة اقسام رئسيسة وكل قسم كان اميره ياخذ لقب حاكنم كوش. وكان الاقليم السادس والاخير عند منطقة نباتا فى متصف المسافة الى الشلال الخامس. وهكذا ظهرت بلاد كوش فى التاريخ الحديث المصرى وبدات الرؤية تتضح جليا بتاريخ هذه المنطقة. وان التقسيمات الادارية او الظهور الحضارى لهذه المناطق منذ القديم من الزمان فيعود الى الحضارة المصرية الخالصة، وهذا ليس له اية علاقة مع الحضارة الاثيوبية او الزنجية على الاطلاق، فاين انتم يا اصحاب العقول؟؟. ويا من تحملون الحضارة اكثر من طاقتها، الا ننتنهى من هذا الجدل العقيم والمستمر حتى الان بين المادرس المختلفة.

اما من الناحية الاجتماعية فان مصرلم تشهد مع بلاد النوبة اية مصاعب على الاطلاق سوى هؤلاء الثلاثة المزعجين منذ قدم التاريخ وهم قبائل او اقوام : واوات وكذلك المازوى واخيرا المرتزقة التابعين لبدو الصحراء الساكنين فى المنطقة الحصراوية بعد الشلال الثانى.وهكذا تكون الرؤية قد وضحت تماما.

ولكن فى عهد اخر ملوك الاسرة 18 وهو الملك (حورمحب) نجده يقوم بحملة كبرى على بلاد النوبة لاقرار الامور هناك ووصلت هذه الحملة حتى الشلال الرابع، ولكن النصوص لم توضح اسباب هذه الحملة على الاطلاق، ولقد تراس هذه الحملة الملك حورمحب بنفسه.

وفى عهده ايضا عمل شىء غريب لم يحدث من قبل على الاطلاق وهو اشراك جنود نوبيين لاول مرة فى الجيش المصرى الجنوبى. ولقد وجدث وثيقة مكتوبة على قطعة حجر ويقال بانها سرقت من قبره، وهذا اللوح الحجرى موجود الان فى متحف بروكلين بامريكا والنص عليها يقول ((فرقة من الجنود التابعين للجيش المصرى يعرفون باسم الجنوبيين)) ويظهر من ملاح هؤلاء الجنود على اللوحة الشكل والملاح النوبية وملابس غير مصرية وتميزهم بالشعر القصير جدا، وهناك اخرين لهم ملامح زنجة. ومن هنا افرد العلماء المتخصصين بحضارة النوبة هذا الراى.

وايضا تلك اللوحة الوجودة الان فى متحف اللوفر وفيها نفس النقوش وكما فى لوحة متحف بروكلين وفى نص صغير يقول ((تابعين للجيش المصرى للمحافظة على بلاد كوش)). وللاسف الشديد فان مقبرة العظيم الملك حورمحب تعتبر من المقابر المنهوبة والمدمرة وما بها الان لا يسمن ولايشفى من جوع. وبخلاف ذلك ومن نصوص عهد هذا الملك لم نسمع عن اية مشاكل فى بلاد النوبة على الاطلاق بعد هذه الحملة وحتى ظهور الاسرة التاسعة عشر فى التاريخ المصرى وهو عصر الرعامسة.

ومن ملوك هذا العهد بطبيعة الحال الاشهر وهو الملك رمسيس الثانى ونقوشه الكاذبة التى تشير الى تدمير مناطق كثير فى بلاد كوش،وهذا كذب بطبيعة الحال وكما كذب علينا ايضا فى موقعة قادش. ولو انه حقا دمر كثيرا من مناطق النوبة وكما يقول ما كان استطاع ان يبنى معبده الخالد وهو (معبدى ابو سمبل الكبير والصغير) على الاطلاق. ومن المعروف بان الملك رمسيس الثانى له احداث كثيرة يتشكك فى صحتها حتى يومنا هذا جميع المدارس الاثرية بلا استثناء وهناك نصوص كاذبة تماما وكما سبق القول بخصوص تدمير مناطق النوبة وكذلك موقعة قادش وغيرها من الكثير فى داخل مصر نفسها والتى كذبتها الكشوف والابحاث الحديثة.

وفى عهد ابنه الملك مرنبتاح لا نجد فى عهده اية مشاكل على الاطلاق مع بلاد كوش وانها تدفع الضرائب او الجزية كالمعتاد، وخاصة ان الجزية وكما فى نصوص عهده كانت مقصورة على منطقة واحدة فقط وهى منطقة واوات. وهناك لوحة له فى معبد عمدا تشير الى ذلك، وان هذه المنطقة قامت بثورة فى عهده ولكنه اخمدها بسهولة، وغير ذلك لا نجد احداث مثيرة ضد بلاد النوبة فى عهده مطلقا.

ونفس الحال مع الاسرة العشرين ومؤسسها الملك رمسيس الثالث لانجد اية تغيرات فى بلاد النوبة ومازلت مقسمة الى ستة مناطق وكل حاكم ياخذ لقب (حاكم كوش) ولا مناوشات على الاطلاق سوى مع مناطق واوات ولا نجد ذكر للجنود المرتزقة مع بدو الصحراء على الاطلاق.

وهكذا انتهى عصر الدولة الحديثة فى مصر واحوالها مع بلاد النوبة ودخول مصر الى حقبة العصور المتاخرة والتى بدأت مع الاسرة 21. ولكن قبل الدخول فى هذا الامر، علينا الان عمل دراسة منفردة عن لقب حاكم كوش لتسهيل وتوضيح هذا اللقب للقارىء العادى، لان هذا اللقب شغل بال الكثير من المدارس الاثرية كما سبق القول، ولتعدد اللقب مع اكثر من شخص وهذا ما وضحناه من قبل. نوضح ذلك منذ بداية ظهور هذا اللقب فى بداية الدولة الحديثة وبعد طرد الهكسوس من مصر وخاصة ان هذا اللقب وكما سبق القول ظهر فى العهد الهكسوسى وكان يشمل المناطق كلها.

نائب الملك فى كوش

وهو من النقاط الهامة فى دراسة الحضارة النوبية وعلاقتها بالحضارة المصرية ولانهاء لغط اخر من الغاط الحضارة المصرية والذى سببه الاجنبى وتنوع وكثرة المدارس الاثرية. فى الحقيقة التاريخية التى لا جدال فيها ان ظهور هذا اللقب لاول مرة كان فى عهد الاسرة 17 المصرية الخالصة بعد طرد الهكسوس من البلاد ومن النوبة فى عهد المظفر وموحد القطرين الملك احمس الاول. ولدينا فى النقوش المصرية والنوبية وعلى الالواح وفى المقابر اسماء كثيرة حملت هذا اللقب ولكثرتهم منذ عهد الدولة الحديثة وما يليها نذكر ههنا اهم الشخصيات فى العصور او فى الاسر المختلفة لتوضيح هذا اللقب والمقهوم والخصائص ايضا.

ثورى– نائب الملك على كوش

وهو اول من يحمل هذا اللقب فى عهد الملك احمس الاول وهو فى الاصل كان قائدا لحصن بوهين اثناء حروب مصر ضد الهكسوس وترقى فى الخدمة حتى وصل الى هذا اللقب الاول من نوعه وخاصة لخبرته السابقة فى بلاد النوبة وكما فى تاريخه، بجانب انه حصل على لقب اخر وهو المشرف على البلاد الاجنبية وهو لقب قديم قد نوهنا عنه من قبل. وله تماثيل كثيرة ونقوش فى المتحف البريطانى وقصته الكاملة هناك وكان مكلفا بامر ملكى بما يراه منسبا اداريا وسياسيا فى بلاد كوش دون انتظار رد الملك من طيبة.

سنى- نائب الملك وابن الملك على كوش

وشغل هذه الوظيفة فى عهد كلا من الملكين تحتمس الاول وتحتمس الثانى ولكن ظهر جدل كبير حول اللقب (ابن الملك = سانسو؟؟). وكذلك حصل على لقب المشرف على البلاد الاجنبية. ومن هنا ظهر الجدل الكبير حول لقب ابن الملك؟؟بجانب جدل اخر حول الفرق فى المسمى المشرف على البلاد الاجنبية او الجنوية؟؟ وخاصة هنا فى نقش سنى ظهر لقب اخر وهو المشرف على الاراضى الجنوبية؟؟.

ولقد دقق فى هذا الامر الاثرى ريزنر ولكنه لم يتوصل الى شىء واخيرا قال فى هذا الامر ((لعلها تلاعب فى الالفاظ والتفخيم لا اكثر ولا اقل)) ومن الغريب انه فى عهد الملك تحتمس الثالث ترك هذا المنصب واخذ لقب اخر وهو (عمدة المدينة الجنوبية = طيبة او واست).

والسؤال البديهى المحير الان هو: هل الانسان كلما كبر فى السن وكان مرموقا يستزيد من الالقاب والرتب ام ينخفض وكما الحال مع حياة سنبى!!. وله قطعة من الجرانيت الرمادى عثر عليها فى وادى حلفا وهى الان بالمتحف البريطانى وعليها نقش يقول (نائب الملك لبلاد كوش) وقيل انه شخص اخر، ولكن ريزنر اثبت انه نفسه المدعو سنبى وانه فى عهد الملكة حتشبسوت اخذ هذا اللقب تكريما له ولم نسمع عنه حتى اقالته فى عهد الملك تحتمس الثالث اصبح عمدة طيبة.

انبنى- نائب الملك على كوش

وهذا الشخص من المحتمل جدا بانه كان فعلا ابن الملك تحتمس الثاث ولا شك فى ذلك على الاطلاق لانه اخذ لقب ابن الملك. وله تمثال جميل بالمتحف البريطانى وقال فيه بانه الابن الشرعى للملك تحتمس الثالث ولكنه اخذ لقب جديد من نوعه وهو (المشرف على اسلحة الملك) ووجدت له نقوش فى تومبوس.

نحى – نائب الملك على كوش

وكان ذلك فى عهد الملك تحتمس الثالث وتابوته محفوظ فى متحف برلين وهرمه الصغير الجنائزى الذى كان فوق قبره موجود بمتحف فلورنسا بايطاليا وقد عثر عليهما الاثرى بيترى فى حفرياته بالاقصر فى قرنة مرعى.

وسر ساتت – نائب الملك على كوش

وكان بالمصادفة الغربية يوم تنصيبه هذا المنصب هو نفسه يوم تتويج الملك امنحوتب الثانى. ويقول الاثرى ريزنر بان ((وسر ساتت ظل فى هذا المنصب 33 عاما كاملة؟؟)). الا ان ذلك غير مؤكد على الاطلاق لان مانيتون فى تاريخه قال : بان الملك امنحوتب الثانى تربع على عرش البلاد لمدة 25 عاما فقط؟؟ ولانه عندما توفى الملك امنحوتب تولى امنحتب الثالث عرش البلاد عين نائب اخر له على بلاد كوش وهو (مرى موسى) وان ولاية وسر ساتت كانت 23 عاما فقط على بلاد النوبة).

مرى موسى – نائب الملك على كوش

وكان فى عهد الملك امنحتب الثالث وله لوحة شهيرة عثر عليها فى سمنة وهى موجودة بالمتحف البريطانى وهى خاصة باحد ثورات بلاد (ابهات) فى بلاد النوبة فى العام الخامس من حكم هذا الملك.

وتابوته محفوظ بالمتحف البريطانى ايضا وله تمثال صغير بمتحف فيينا بالنمسا. اما لوحته التى عثر عليها فى اسوان فالحمد لله محفوظة بالمتحف المصرى بالقاهرة،اما لوحته الشهيرة والتى تخص منطقة عنيبة فهى محفوظة بالمتحف البريطانى وقبره بقرنة مرعى بالاقصر غرب.

تحتمس – نائب الملك على كوش

وهو الذى كان فى عهد امنحوتب الرابع (اخناتون) وله العديد من اللوحات والنقوش والتى ذكر فيها عدم اهتمام اخناتون بمناطق كوش وانشغاله بتل العمارنة فقط. وانه عمل المستحيل للمحافظة على سيادة مصر فى بلاد كوش بدون الرجوع الى اخناتون، وعثر له على اثار متعددة فى بلاد النوبة وكلها بطبيعة الحال فى الخارج وخاصة ذات القيمة الكبيرة مثل تمثاله الذى كان فى برقل وهو بالمتحف البريطانى لان.

باسر – نائب الملك فى كوش

وتولى هذا المنصب فى اواخر سنين الملك رمسيس الثانى ثم فى عهد ابنه مرنبتاح، وله نقوش كثيرة فى بلاد النوبة واسوان. وكذلك تمثال راكع من الحجر الرملى محفوظ بالمتحف البريطانى.

رمسيس نخت – نائب الملك على كوش

وهو اخر شخصية شهيرة تتولى هذا المنصب فى الدولة الحديثة فى عهد الملك رمسيس الحادى عشر. واوراق البردى الخاصة به فى بلادش كوش للاسف كلها موجودة فى الخارج.

وهكذا انتهى عصر الدولة الحديث والخاصة بهذا اللقب، ولقد وجدنا فى عهد هذه الدولة اكثر من ثلاثون اسما تولى هذا المنصب ولكننا ذكرنا هنا تسعة منهم فقط. وللحقيقة التاريخية ايضا ان هذا المركز او المنصب لم ينتهى فى العصور المتأخرة ولكنه كان اقل بريقا عما كان فى الدولة الحديثة، بل هناك كثيرين لم يرغبوا فى تولى هذا المنصب على الاطلاق ،وهذا يدل على عدم اهميته فى العصور المتاخرة.

منطقة نفوذ نائب الملك فى بلاد كوش

مما لا شك فيه ان منطقة نفوذه وسلطته فى بلاد كوش كانت تبدأ من خلف الشلال الاول حتى الشلال الرابع ولا جدال فى ذلك على الاطلاق. وكان هو المسئول عن مناطق الاقاليم الخمسة فى النوبة والتى اصبحت ستة مناطق فى عصر تحتمس الثالث، وكانت كل منطقة تولى امرها اميرا من اصل اهلها وياخذ لقب (حاكم كوش). وهذا النائب هو المسئول عن ذلك واحيانا يمكنه اتخاذ القرار بدون الرجوع الى ملك مصر فى طيبة وكما وضحنا من قبل.

ومن هذا المنصب عرفنا تماما وبكل يقين الاختلاط التام بين النوبيين والمصريين فى عهد الدولة الحديثة بل بعضا منهم دخل فى صفوف الجيش المصرى الجنوبى وكما الحال فى عهد الملك حورمحب بل ومن الزنوج كذلك المنتمين الى الحضارة النوبة وليس الحضارة الاثيوبية. ومما يؤكد ذلك ايضا بان هناك نوبيين علموا فى بناء مدينة تل العمارنة فى عهد اخناتون وانه اثنى عليهم، وهذا ما يؤكد عدم صحة ان النوبى كان من عبيد مصر وما الى اخره من اتهامات تسىء كل من المصرى والنوبى.

(رأى خاص) هناك من المواثيق فى عصر الدولة الحديثة ما يوكد حقيقة التعايش السلمى النوبى والمصرى مع احتفاظ كلا منهم بلهجته الخاصة، واظنها موجودة حتى الان بيننا فى مصر وخاصة فى مناطق نوبية كثيرة حتى فى داخل مصر مثل اسوان والنوبة المصرية وغيرها. وان مصر والنوبة او مصر والسودان هم فى حقيقة الامر وحدة واحدة منذ القديم من الزمان وخاصة سكان الجنوب المصرى والممتد من الشلال الثانى الى مدينة كوم امبو اليوم ولاداعى لتجريح كلا من الشعبين تحت مسمى الاجناس والحضارة والتاريخ وكما هو اسلوب المدرسة الايطالية والفرنسية وحسبى الله ونعم الوكيل.

وهكذا مع تطور الايام والسنين اصبح للنوبيين تواجد فعلى داخل مصر وممتد حتى كوم امبو ودراو ثم نشاط سياسى مع بداية الاسرة 21 مع احتفاظهم الكامل بلغتهم القديمة وكذلك عاداتهم وتقاليدهم والتى تختلف فى الكثير منها عن عادات وتقاليد المصريين وخاصة فى المقارنة مع اهل الجنوب، فما بال الحال مع اهل الشمال. وفى هذا الشأن نجد دراسات اخرى منذ الدولة الحديثة ولعل بعضها مستمرا حتى الان والى يومنا هذا مثل:-

  1. هناك نوبيين ارتبطوا فقط بجنوب مصر وخاصة من منطقة كوامبو امتدادا باسوان حتى مناطق الشلالات والنوبة سواء فى مصر او السودان.
  2. هناك نوبيين اقل منهم ثقافة وهم الذين عملوا خدما سواء من الرجال او النساء فى بيوت علية القوم فى عهد الدولة الحديثة وجزء منهم رحل الى الشمال ايضا وعملوا هناك ايضا كخدم او فى الحراسة الليلية. وهذا ما نجده حتى يومنا هذا فى مصر وان كان الامر اصبح نادرا الان. ولكن قبل عهد الثورة المصرية كان الخدم عند علية القوم وحراس المنازل من النوبيين، الا انه الان فى مصر فيعمل فى منازل علية القوم الخدم من الفلبيين.
  3. وبعودتنا الى الاستقرار النوبى فى مصر منذ عهد الدولة الحديثة ظهر منهم الجوارى الشهيرات او الخادمات فى بيوت الكهنة الكبار ومنهم الكاهن الاكبر (أى) الذى اصبح ملكا على مصر بعد وفاة توت عنخ امون، ففى بيت هذا الكاهن توجد وثائق عن اهتمامه بعضا من الخادمات فى قصره.
  4. هناك دلائل وثائيقية فى عهد الملك اخناتون بان بعضا من النوبيين عملوا فى شرطة المدينة وكانت الشرطة تعرف باسم (المازوى) لاحظ هنا هذا الاسم حتى لايختلط عليك الامر مع قبائل المازوى او المزا النوبية المعادية لمصر منذ قدم التاريخ. بل ومن المؤكد الان بعد الدراسات والترجمات الحديثة بان محاولة اغتيال اخناتون فشلت تماما وكان الفضل فى انقاذه مجموعة الشرطة من النوبيين وتم تكريمهم بكامل التكريم ومعهم قائد شرطة المدينة المدعو (محو) وقبره فى تل العمارنة ويقص علينا تلك القصة. ولعل ذلك هو سبب حب وعطف وثناء اخناتون على النوبيين وخاصة فى تل العمارنة مع انه وكما عرفنا من قبل لم يهتم ببلاد النوبة على الاطلاق وبالاحرى لم يهتم باى شىء على الاطلاق سوى تل العمارنة فقط.
  5. ومع احداث الاسرة 25 اصبح للنوبيين تواجد اجتماعى وسياسى فى جنوب مصر وبعضهم كان يقول فى نصوص مقبرته (نوبى مصرى) دلالة على اعتزازه باصله النوبى وكذلك اعتزازه بمصر التى يعيش فيها،وهذا دليل على حب النوبيين لمصر وحتى يومنا هذا.

وهذا كله وباختصار شديد يدل على ان المصرى لم يكن يحتقر النوبيين على الاطلاق، كما ان النوبى ليس كارها لمصر منذ العصور القديمة ومثل هذا الكلام المغلوط سواء من المدرسة الايطالية او الفرنسية. وكفى مغالطات فى التاريخ وكفى مغالطات من مصريين مغرورين لا يعلمون اى شىء عن تاريخهم الحقيقى ومنهم مازال حتى يومنا هذا يستهزىء من النوبى والبشرة السمراء ولهجتهم وما الى غير ذلك.

نظرة المصريين للأجناس الأخرى فى العصر الحديث

وانظر الى ايامنا هذه فى العصر الحديث فالشعب المصرى فى اعماق فكره يحقر من شأن اجناس كثيرة لماذا لا ادرى؟؟ ومن هذه الاجناس مثلا اجناس عربية مثل الكويت، ومع ذلك نجد الالاف والالاف من المصريين يذهبون الى الكويت وغيرها من اجل العيش والرزق والعمل هناك، وبعضهم يتمنى من اعماق قلبه عدم العودة الى مصر الا فى اجازة فقط.

ومثل اخر وهو اسرائيل التى نحتقرها حتى الان ومنذ القديم من الزمان، ومع ذلك يسمح المصريين لهم بالدخول الى البلاد تحت مسمى السياحة او الاستثمار، وسمح لهم المصريين باقامة اعياد خاصة بهم بالرغم من حقارتها مثل عيد (ابو حصيرة) وغيره، وهناك من الامثلة والامثلة الكثير فى انحاء العالم.

وثيقة الملك رمسيس الحادى عشر

وفى عهد الملك رمسيس الحادى عشر مثلا وفى وثيقة شهيرة جدا له عرفت باسم وثيقة (المرأة المتبناة) وعثر عليها الاثرى الالمانى (كيس) وهى محفوظة فى متحف برلين وهذه الوثيقة تدل على ناحية ايجابية نحو النوبيين انذاك وملخص هذه الوثيقة ((ان امراة نوبية كانت تعمل خادمة ومتزوجة من مصرى توفاه الله وقامت عائلته من منع الزوجة بالارث لانها نوبية. وقدمت شكوى للمحكمة فاقرت بحقها فى الميراث وحصلت عليه)). وكان اسم المرأة (مراقاشاتى). وهذه الوثيقة تفيدنا بالعدل والحق، وان الحق لابد ان يعود لاصحابه ولو حتى كان نوبيا. الا تدرسون مثل هذه الاشياء يا اصحاب العقول من المدارس الاجنبية، ويا اصحاب المغالاطات والاجتهادات فى الحضارة المصرية؟ افلا تخرسون.

وفى عهد رمسيس هذا نفسه كان نائبه على كوش نوبى وهو (بانحسى) وقبره موجود حتى الان فى عنيبة ويقول النص حرفيا ((ان اسلافه جميعا قد دفنوا فى مصر ولكنه استأذن الملك رمسيس الحادى عشر بان يكون قبره فى مسقط راسه الاصلى ولذلك بنيت لى هذا القبر هنا)).

وثيقة الملك أحمس الأول

وهناك وثيقة اخرى تعود الى عهد الملك احمس الاول نفسه واسم هذه الوثيقة عجيب وغريب وتعرف باسم (حقوق العبيد) والتى تدل على ان الحق حق لو حتى كان نوبيا. كما انه فى عهد الرعامسة ظهر مديرين نوبيين للبيوت الملكية ومنهم الاشهر (نخت مين) وكان مديرا لاحد البيوت الملكية وانه من مواليد طيبة، ولكن دفن فى الفنتين وقبره مازال يوجد هناك.

مصر تحت حكم الأسرات الليبية

ومرت الايام والسنين وانهارت مصر فى عهدى الاسرتين 23 و 24 ووقعت تحت حكم الاسرات الليبية لاول مرة فى التاريخ، وفى هذا دراسات حتى يومنا هذا فى هذا الموضوع ولكنه ليس مجالنا الان. وفى هذه الحقبة الليبية نجد ان احوال بلاد كوش لم تتغير ادرايا على الاطلاق، ولكن بداخل هذه البلاد نفسها كانت تجرة تغيرات تاريخية كبرى والتى ادت بهم فى النهاية الى التوصل الى حكم مصر نفسها. هذا العصر الذى عرف فى التاريخ المصرى باسم (حكم الكوشيين والاسرة 25). ولكن قبل الدخول فى هذا العهد والذى لنا معه وقفة كاملة موجزة، ندرس الان احوال بلاد النوبة من الداخل فى ظل الحكم الليبى على مصر والذى استمر اسرتين كاملتين ونجز ذلك فى عدة نقاط هامة مثل:

  • قيام الثورات النوبية الكبرى فى كوش ضد السيادة الليبية وكيف لهؤلاء البربر من قبائل التمحو والتنحو ان يصبحوا حكام مصر ويتملكوا مصر. والتصدى الكامل وبقوة ضد اية محاولة ليبية بالدخول الى اراضى النوبة.
  • فى بداية الاسرة 23 استكان النوبين فى مصر للحكم الليبى ولكنهم حقروا من هؤلاء اللبيين كما فى نصوص مقابرهم. ومنهم من قام بثورات ضد الملك الليبى فى مصر ومن هنا بدأ الليبيين من تحقير النوبيين (لاحظ ذلك جيدا وأقراها مرة اخرى) ففى العهد الليبى نجد لاول مرة فى التاريخ المصرى التحقير الكامل للنوبيين وهم الذين اطلقوا عليهم لفظ (العبيد) وكذلك لفظ (خاسئين) وكذلك لفظ (الزنوج) ومن هنا حدث اللغط الايطالى بين النوبيين والزنوج. أقرا هذه النقطة مرة اخرى بتمعن شديد. وهكذا تم تحقير النوبين لثانى مرة فى التاريخ المصرى،المرة الاولى فى عصر الاسرة 12 ولقد نوهنا عن ذلك، والمرة الثانية فى عصر الحكم الليبى.
  • وفى منتصف الاسرة 24 ظهرت الثورات المصرية ضد الحكم الليبى وكان الكهنة بصفة عامة وخاصة كهنة الاله امون هم المدبرين فى الخفاء لهذه الثورات.ومن المفاجأت التاريخية بان كان المتصدريين لهذه الثورات هم النوبيين المصريين، والكثير منهم ابلوا البلاء الحسن فى هذه الثورات.
  • قامت مناطق كوش بالمساعدات الكاملة لمصر والنوبين وهناك وثائق كثيرة فى هذا الموضوع ولكن بعضها حدث فيها اجتهادات واهواء شخصية حديثة من متخصصين!!.
  • ومن المفاجأت التاريخية ايضا بانه مع اخر ليبى كان ملكا على مصر وهو الملك(رعمنى) قامت مجهودات جبارة كوشية كبرى ونوبية مصرية، ودخلت مصر فى حقبة جديدة من التاريخ وهى الاسرة 25 وحكم الكوشيين لمصر.

الحكم الكوشى فى مصر والاسرة 25

لا خلاف بين المدارس الاثرية المختلفة بان الاسرة 25 التى حكمت مصر هى الاسرة الكوشية او النوبية ولكن الخلاف هنا يمكن فى ان هؤلاء الملوك كانوا من الاصل النوبى المصرى ام من اصل منطقة كوش؟؟ ومن هنا وجب علينا لفض هذا النزاع بان نلقى نظرة عامة سريعة ومختصرة عن اصل ملوك هذه الاسرة من واقع الكشوف الاثرية والوثائقية وخاصة مع اول منهم وهو (كشتا ماعت رع).

ولقد افرد لهذا الموضوع التقارير والبحوث الكثيرة عن طريق الاثرى الالمانى (ريزنر) ووضع تاريخ خاص لهذا العهد، لاثبات بانهم من اصل كوش وليس من الاصل النوبى المصرى بل ان بعضهم لم يحضر الى مصر على الاطلاق. ولتسهيل ذلك اثريا نتناول الموضوع فى عدة نقاط:-

  • ستة جبانات ملكية كوشية فى محيط منطقة (نباتا) ومحيط مدينة (مروى) وتقعان على النيل. ومن المعروف بان منطقة نباتا كانت عاصمة رسمية لبلاد كوش وكما فى التقسيم الادارى المصرى الذى حدث فى عصر الدولة الحديثة. ثم اصبحت مروى هى العاصمة الجديدة لبلاد كوش فى العصر المصرى المتأخر وكذلك اثناء الحكم الكوشى على مصر الا ان نباتا احتفظت بالمركز الثقافى والادارى لبلاد كوش. ومنطقة مروى هذه فى السودان تعرف باسم (مروى القديمة) وليس لها علاقة من قديم او بعيد بمنطقة مروى الجديدة، حتى لايقع التباس اثرى او ثقافى فى الموضوع.
  • اربعة اهرامات ملكية للملوك :بيعنخى- شباكا- شبتاكا- تانوت امون. بجلنة مقبرة طهرقا فى جبانة نورى الواقعة لمشارف مدينة نباتا.
  • جبانات ملكية ثلاثة كبرى واقعة فى محيط نباتا وهى:
    جبانة الكورو:- وتقع على بعد 1،6 كم غرب النيل وعلى مسافة 15 كم شمالى جبل البرقل.
    جبانة نورى:- تقع على مسافة 1،6 كم جنوب النيل وعلى مستافة 10 كم جنوب جبل برقل وهى التى فيها مقبرة الملك طهرقا.
    جبانة برقل:- وتوجد بها مجمعتان من الاهرامات الصغيرة وتقع بالقرب من برقل فى الجنوب والغرب.
  • اهم الاثار التى وجدت هناك بصفة عامة توضح الكثير والكثير للمتخصصين سواء ملكية او علية القوم او بعضا من افراد الشعب ومن أهم ما وجد هناك:
    كميات وفيرة من الذهب على الرغم من النهب المريع الذى شهدته مقابر الكورو قديما وحديثا.
    تماثيل من الذهب الخالص وللعجيب منها بارتفاع 3 سم فقط وقطع من الذهب منقوشة ايضا فى واجهة منها متن سحرية مصرية وباللغة المصرية القديمة.
    مجمعات من حجر الصوان وكذلك رؤوس سهام من طراز ليبى معروف منذ العصر الليبى الاول والمتاخر.
    قطع من اوانى المرمر اللطيف واوانى الفخار المطلى المزخرف مصرى الصنعة.
    لوحات ونقوش باللغة المصرية القديمة تفيدنا بلا شك فى معرفة تاريخ موثق لهذه الحقبة فى مصر وبلاد كوش، وتفيدنا تماما فى معرفة كيفية وصول كوش الى حكم مصر.
  • نصوص كاملة لمعرفة تاريخ هذه الحقبة وهى بكثرة ولكننا هنا نتناول اهم لوحة ملكية تخض احدى الزوجات الملكية وهى تابيرى وهى محفوظة بمتحف الخرطوم.

لوحة تا بيرى

انها الزوجة الملكية الممتازة لجلالة الملك بيعنخى (ثانى ملوك كوش) معطى الحياة ابنة الارا وابنة كاسفا العظيمة للنوبيين والمساعدة فى تولى الملك كشتا عرش مصر وكوش وكان ذراعه الايمن زوجها بيعنخى.

وكانت النقوش فى الجبابات كلها بصفة عامة غنية وثرية جدا بالمعلومات بل تمدنا بتاريخ كامل حقيقى عن كيفية وصول كوش الى عرش مصر، وكذلك احداث كانت فى العصر الليبى. ومن كل ذلك يمكن ان نستخلص هذا التاريخ للتسهيل فى نقاط موجزة مثل:

(أ) لاحظ النوبيي المصريين قديما فى عهد الملك المصرى شيشانق الالث بهجرات مكثفة من القبائل الليبية الى مصر،واستوطنوا وادى النيل وكونوا لانفسهم ممتلكات فى الدلتا ومصر الوسطى (اهناسيا) واسسوا لانفسهم أسر محلية تابعة اسما فقط لملك مصر.

(ب) ظهور زعيم ليبى يدعى (يويوواوا) وكان له شأن عظيم فى البلاد فى عهد الملك شيشانق الرابع والذى اتخذ من اهناسيا المدينة مقرا له.

(ج) بعد موت الملك شيشانق الرابع مباشرة استولى اللوبيين على حكم مصر وصبوا واحدا منهم ملكا على مصر وهو (بادو باستت مرى امون) ووقعت مصر كلها هكذا فى ايديهم واستمرار حكمهم مدة القرنين من الزمان ويزيد.

(د) فى اواخر حكمهم بدات سلطتهم تضعف على البلاد وقيام ثورات، وانقسمت مصر الى مقاطعات صغيرة او كبيرة وكانت مستقلة منذ بداية حكم الملك الليبى اوسركون الرابع وبداية الانحطاط الداخلى.

(ل) فى عهد الملك نفركا رع الليبى نهض النوبيين المصريين وبمساعدة نوبى كوشى وسيطروا على الجنوب المصرى ووصل الزمام بالسيطرة على مدينة طيبة فى عهد الملك الليبى من خبر رع وهو اخر ملك ليبى على مصر.

(م) فى عهده ظهر الرؤساء النوبيين انذاك ومنهم الزعيم كشتا واصبح مركز سيادته فى طيبة ومعه ابنته الثورية امنردس الاولى واخذت لقب المتعبدة الالهية. وهذا اللقب نفسه اخذته من قبل الاميرة الليبية (شبت ان وبت) وهى ابنة الملك الليبى اوسركون الثالث ولكنها كانت تدافع طبعا عن ملك ابيها والملك الليبى فى مصر، على عكس امنردس طبعا.

(ن) ظهور قوة الثوريين النوبيين فى بلاد النوبة والوصول بهذه القوة الى مصر وعلى راسهم بيعنخى وزوجته تابيرى.

(هـ) فور موت اخر ملك ليبى وهو من خبر رع انقض النوبيين على الحكم وخاصة الامير كاشتا الموجود فى طيبة واستولى على الحكم وبداية تطهير البلاد من اللوبيين وتدمير مقابرهم كذلك كلها. ولذك وحتى اليوم فى الاثار والحفريات المصرية بخصوص العهد الليبى لم نجد سوى ثلاثة مقابر فقط فى منف.

(و) وهكذا دخلت مصر فى العهد الكوشى وتربع الامير كاشتا على عرش البلاد وصابح ملك مصر وبلاد النوبة وظهور ابنته الشهيرة الاميرة امنردس فى التاريخ المصرى والكوشى وتعتبر من اوائل الزعيمات النسائية فى التاريخ المصرى والعالمى ايضا. وهناك اراء تقول بانها عاصرت فى صباها الاميرة الليبة (شبت ان وبت) وطردتها من هذه الوظيفة مما يظهر التاثير النوبى والكوشى على الجنوب فى العهد الليبى المتأخر وخاصة فى عهد اوسركون الثالث.

دراسة أهم ملوك كوش على مصر

لحسن الحظ يعد هناك دارسة موثقة لأهم ملوك كوش على مصر، لا جدال عليها، وأهم الملوك هم كالآتى:

الملك كاشتا

بالتأكيد حكم مصر وكوش من مصر وكما اسلفنا الذكر فى الاحداث السابقة الا انه دفن فى موطنه ببلاد كوش. واثبتت الدراسات الحديثة بان القبر رقم (8) فى الكورو ليس قبره كما ظن الاثريين الاوائل وقبره غير معروف حتى الان. ولكن من نصوص عهده يقال بان بيعنخى كان ابنه ولكن هذا الامر مشكوك فيه لان ابن كشتا فعلا هو الملك شبكا ثالث ملوك كوش. ولم تتحدث النصوص على ان بيعنخى كان ابنه بالرغم من صلته الوثيقة به منذ احداث الثورات ضد الليبين،وان كاشتنا تزوج عدد من النساء الذين ذكرن فى نصوصه ومنهن السيدة (ببامتا) وهى والدة شبكا. وكان مركز حكم كشتا فى طيبة وانه وصى بدفنه فى ارض الاجداد بكوش. ومن هنا ظهر الجدال حول تولية بيعنخى عرش البلاد فى ظل امير وراثى على العرش وهو شبكا الصغير انذاك.

الملك بيعنخى

هناك راى اخر يقوله الفرنسين بانه كان اخ كشتا!!. ولكن هذا ايضا لم توضحه النصوص ولم تكتب ما يشير الى ذلك. وكان له دور كبير بجانب كشتا فى الثورات ضد الليبين وهوالذى استولى على الوجه البحرى ومصر الوسطى اثناء تطهير مصر من الليبين. وحول ذلك الملك كتب المؤرخين القدماء مثل (يوسيفوس وافريكانوس) بان كان هناك عدد من ملوك كوش حكموا مصر باسم بيعنخى؟؟. الا انه وحتى الان لم نجد سواء فى كوش او مصر سوى ملك بعنخى واحد فقط وهو الذى نكتب عنه الان. وكان له الكثير من الاولاد المشهورين وهم الامراء شبتاكا وطهرقا وخاليبوت وهم الذين ال لهم الحكم فيما بعد. وهنا ظهرت الاراء والمجادلات حول كيفية انتقال الحكم من اسرة الى اسرة هكذا بسهولة؟؟. ولذلك تمسكت المدرسة الفرنسية بان بيعنخى اما اخو الملك كشتا او ابنه وكما سبق القول. ولكن لم يثبت ذلك حتى الان على الاطلاق. كما اننا لم نعثر سوى على بيعنخى واحد فقط، ومن المؤكد بان مركز حكمه كان فى طيبة ولكنه كتب فى وصيته ايضا الدفن فى مناطق الاجداد بكوش.

الملك شبكا

وهو بلا ادنى شك ابن الملك كشتا وكان فخورا بذلك وهناك نصوص تؤكد ذلك فى مقبرته رقم (15) فى الكورو.وعثر له على لوحة شهيرة توجد الان فى متحف اللوفر، بجانب اثار متعددة توجد له حتى الان فى متحف الخرطوم. وكان ايضا مركز حكمه فى طيبة وكما هو المعتاد وصى بدفنه فى منطقة الاجداد ببلاد كوش.

الملك شبتاكا

وهو فعلا ابن الملك بيعنخى وقد ذكر ذلك فى هرمه رقم (18) فى الكورو. وكذلك ظهرت بجانبه فى الحكم زوجته الشهيرة الملكة (قالهاتا) وهى التى انجبت له ابنه الامير تانوت امون الذى سيصبح ملكا فيما بعد، وكان مركز حكمه فى طيبة ووصى بدفنه فى ارض الالاجداد.

الملك طهرقا

وهو ابن الملك بيعنخى ومقبرته رقم (11) فى نورى. والكثير من اثاره وخاصة اوانى الاحشاء محفوظة فى متحف بوسطن بامريكا. وكذلك عثر له على تمثال جميل جدا من الجرانيت فى مبعد برقل وهو محفوظ الان فى متحف مروى.

الملك تانوت امون

وهو ابن الملك شبتاكا ومقبرته رقم (16) فى الكورو ويقال بانه اخر ملوك كوش على مصر، واهم أثاره حتى الان تمثال جميل من الجرانيت موجود فى متحف بوسطن بأمريكا.

وهؤلاء هم وثائيقيا اهم ملوك كوش على مصر،وان الحكم الكوشى على مصر بجميع المقاييس لم يشمل سوى اسرة واحدة فقط. اما بخلاف ذلك فيعتبر هرطقة تاريخية غير موثقة على الاطلاق، لانه بعد العهد الكوشى ظهر فى مصر اسرة مصرية خالصة وهى الاسرة 26 وهى اسرة التجديد او محاولة التجديد ولنا وقفة مبسطة معها فيما بعد. فكفى من مغالطات وتحامل على التاريخ المصرى يا أصحاب العقول!!.  ألا فأين مثلاً هؤلاء الملوك الذين حملوا اسم بيعنخى؟؟

ومن ناحية اثرية كذلك فى التاريخ المصرى فان كل الملوك حملوا خمسة اسماء ملكية، اثنين منهم فقط كتبوا فى الخرطوش وهذا ما سار عليه ايضا ملوك كوش، فلما الجدل حول بيعنخى الا نتعلم من التاريخ؟؟. على العموم ها هو التاريخ المصرى المختصر امامكم وهذا العصر الكوشى المختصر اماماكم وبالتوثيق، ولكن هناك جدل ولا ادرى لماذا الجدل؟. وهذا الجدل يقول بان اثنين من هؤلاء الستة ملوك حكموا من طيبة وهم كشتا وبيعنخى فقط، اما الاربعة الاخرين فحكموا من العاصمة نباتا، وبعضا منهم زار مصر ووصلوا الى الدلتا كذلك.

وهذا يوضح الان بان الكشوف الحديثة الان هى اهم مما كتبه المؤرخين القدماء والذى يسير على نهجهم بعضا من المدارس حتى الان وبالرغم من كل ما كتبناه هنا، وخاصة ذلك الذى كتبه المؤرخ الهرطقى هيرودوت والذى اتمنى من كل قلبى ان نمحو اسمه من قائمة المؤرخين القدماء.

ومن ذلك اللغط كذلك والذى احتاج من ايام وليالى لللوصول الى حقائق الامور وخاصة بعد نهاية العصر الكوشى، وظهور الاسرة 26. ولكن هنا من يقول وبكل جزم بانه كان عصر مملكة اشور وحكم الاشوريين لمصر، فهل هذا صحيح؟؟. فلننظر الى ذلك الان فى بسطة وجيزة ايضا.

الإمبراطورية الأشورية وأحوالها مع مصر

اثناء الحكم الكوشى فى مصر ظهرت قوة عالمية فى التاريخ وهى مملكة اشور الكبرى وتنافسها مع مملكة فارس فى تسيد وحكم العالم. وكانت عاصمة اشور الكبرى هى (دمشق الان). وفى هذا العهد استولت اشور على معظم مناطق اسيا الصغرى وجميع ممالك العالم القديم والتى انصهرت فيها ووصلت اشور الى منطقة فلسطين والى حدود البوابة المصرية فى سيناء. وكان لدى عقيدة اشور هى نشر سلطان بلادهم على بقاع العالم القديم ولذلك كانت اخر نقطة لهم انذاك هى مصر. وظهور مطالبتهم التاريخية بحقوقهم الضائعة فى مصر والتى تعود الى عهد الملك رمسيس الثانى عندما تزوج من ابنة امير قادش (خاتوسيلى) وحضرت الى مصر وانجب منها الاولاد الكثر. وبعد موته لم يحصلوا على ميراثهم وحقوقهم وكان ذلك سب النزاع والحروب بين مصر ومملكة قادش فى عهد الملك رمسيس الثالث والرابع وبداية ظهور مشاكل مصرية اشورية وكما فى التاريخ الموثق.

ولذك عندما ظهرت اشور بمملكة كبرى وسيطرتها على المناطق الاسيوية الصغرى ووصولهم الى البوابة المصرية فى سيناء نادوا بحقوقهم الضائعة منذ القديم، ومن هنا بدات المناوشات الحدودية وتصدى اهل غزة لهؤلاء الاشوريين فى بادىء الامر. وكان ملك غزة انذاك يسمى (هانو) ومعه قائد مصرى من اصل نوبى يدعى (شبكا) وكالن مركز العسكر فى رفح، وكان على عرش اشور الملك الشهير (أسرحدون) والذى فشلت كل محاولاته تماما لدخول مصر ولقوة جيش غزة حتى توفى وتربع على عرش اشور الملك الاشهر اشور بانيبال.

الملك الآشورى آشور بانيبال

وهو الذى فتح مصر فعلا كتاريخ حقيقى موثق غير مغلوط وقضى على قوة جيش غزة ودخل مصر،وكان على راس مصر انذاك الملك الكوشى طهرقا. ولقد وصف هذا الامر كاملا حاكم طبية انذاك وكان مصريا خالصا المدعو (منتومحات) وهذه اللوحة القيمة للاسف الشديد محفوظة فى المتحف البريطانى. وهاهو التاريخ الحق الغير مزيف ولقد وصف لنا الاحداث كاملا ومما قاله على هذه اللوحة الهامة جدا، ان اشور بانيبال قد هزم جيش غزة فعلا ودخل الى مصر ووصل الى الدلتا ومنها الى منف ولقد وقعت منف فى يد الاشوريين بعد ثلاثة ايام كاملة من المقاومة. وهرب عظماء منف الى طيبة فى حماية حاكمها العظيم القدر منتوحات لانه فى هذه الايام توفى الملك طهرقا وفاة طبيعية وتجهيزه لنقله ودفنه فى منطقة كوش.وتربع على عرش البلاد الملك تانوت امون فى كوش والذى جهز جيشا كبيرا هناك ووصل به الى طيبة والتجهيز للوصول الى منف وتطهيرها من الاشورين الذين يعدون العدة للوصول الى طيبة. ووصل الملك تانوت امون فعلا الى منف ولكنه هزم هزيمة منكرة من الاشوريين مما دفعه بالانسحاب عائدا الى منف وحمايتها.

وفى تلك الاثناء فى داخل مملكة اشور حدثت مشكلة كبرى مما ادى الى الاستدعاء الفورى للملك اشور بانيبال مما اضطرته الظروف بالعودة الفورية الى دمشق وترك على رأس جيشه فى منف القائد الكبير (نابوشربانى) الذى سار على رأس الجيش ووصل الى طيبة ودخلها وقطع هذا الطريق من منف الى طيبة فى عشرة ايام فقط. وحطموا مدينة طيبة كانهم فيضان عظيم وعاصفة كاسرة واخذوا من طيبة ذهب عظيم وكانه التبر واحجار ثمينة بل اخذوا كل مل يملكه الملك انوت امون بل حتى ملابسه الجميلة. وترك هذا الجيش طيبة واخذ كل هذه الغنائم وعاد الى مدينة (ننوى بالعراق لامر هام) وهكذا ترك الاشوريين مصر)). هذا كل ما تم تدوينه على اللوحة فقط لاغير..

ومن شواهد الاحداث هذه يمكن الان ان نقول بكل صدق وبدون تكهن بانه عندما دخل الاشوريين طيبة هرب الملك تانوت امون وكل حاشيته الى مناطق كوش، وهكذا تركت طيبة مخربة. وهنا ندخل فى جدل كبير جدا وهو ماذا حدث فى التاريخ المصرى بعد هذه الاحداث؟؟. ولكثرة الجدال حول هذا الامر ظهر راى مفرد فى هذا الموضوع عم طريق المدرسة الالمانية والاثرى ريزنر وخاصة لظهور ملك على مصر انذاك وهو بسماتيك الاول من هو؟؟. وهذا الراى المفرد يقول بان بسمتاك هذا هو نفسه القائد الاشورى الشهير (نابوشرباتى) ودلل على ذلك من نصوص اشورية من عهد الملك اشور بانيبال نفسه، ولكن هذا الراى لم يجد الصدى والموافقة من جميع المدارس الاثرية الاخرى بالرغم من انه لم يعطوا لنا دليل واحد موثق عن هذا المدعو بيسماتك وخاصة ان الاسم لم يكن مصريا ايضا.

وبالرغم من اننى من انصار المدرسة الالمانية الا اننى لا اجد سوى الموافقة على هذا الراى لانه وحتى الان لم تعطى لنا وثائق او معطايات اخرى، ولما الغرابة فى ذلك ونحن نعرف بان التاريخ يعيد نفسه دائما. ففى تاريخنا الحديث الواضح وضوح الشمس نجد ان محمد على مؤسس مصر الحديثة البانى الاصل، وكان ضابطا برتبة عالية فى الجيش التركى ونزح على راس هذا الجيش الى مصر ليحررها من الفرنسيين بقيادة نابليون بونابرات، وبعد طرد الفرنسيين اخذ حكم مصر واصبح سلطان البلاد واعلن انفصاله عن الخلافة التركية، وهكذا تاسست الاسرة العلوية فى مصر وكان اخرهم الملك فاروق.

فبالتأكيد هذا هو نفسه ما حدث فى مصر ونجد اشارة الى ذلك فى التاريخ والمواثيق الاشورية، فبعد تحطيم طيبة وعودة الجيش بالغنائم الى مدينة ننوى، قام القائد الاشورى نابوشرباتى بمسك امور البلاد ونصب نفسه ملكا على مصر واحتمال كذلك بامر من اشوربنيبال واخذ الاسم (بسماتيك الاول) واسس الاسرة 26 او انفصل عن المملكة الاشورية الكبرى لانه فى عهده استعان مستأجرا بجنود يونانيين وكارين من ملك ليديا،وهاذا ايضا ما ذكره الهرطقى هيرودوت. ولكن هذا ما يتكب هنا لم نجد له اى اثر فى النقوش المصرية، ولكن من المؤكد وثائقيا بان الملك بيسماتيك الاول لم يكن مصريا خالصا. ومن المؤكد كذلك انه فى عهده كثر الجنود اليونانيين والكارين وكانوا هم يمثلون له الحماية وجيش الدفاع عن مملكة مصر فى عهد؟؟.

الملك بسماتيك

ونعود الى عهد الملك بيسماتيك نجد انه اخذ لقب مصرى خالصا وهو (واح ايب رع) ونجد انه وثائقيا بانه عندما علم الملك أشور بانيبال بهذا الامر، اعد العدة بالعودة الى مصر والاستيلاء عليها وجمع كل قواته من اماكن كثير فى المناطق الاخرى. وهذا ما دفعه بمواصلة الحروب ضد الكلدانيين الساميين وضد مملكة ليديا اليوانية وهكذا بدأ الاشوريين وكانهم يحاربون العالم انذاك. وهذه الحروب التى استمرت سنوات عدة مما ادت فى نهاية الامر الى اضعاف مملكة الاشور وبداية الافول التاريخى لها، وخاصة بعد ظهور الفرس مرة اخرى وتحديهم ومحاربتهم لمملكة اشور كذلك. وعن طريق اهل غزة وهؤلاء الجنود اليونانيين الكثر الذين اصبحوا يمثلون قوة ضاربة للملك بسماتيك، لم يستطيع الاشوريين من دخول مصر.

ونجد ايضا الملك (نى كاو رع) المتربع على عرش مصر والذى يقول هيردوت عنه بانه ليس مصرى الاصل بل اشورى، وهذا الراى غير مؤكد لعدة اسباب ولكن لا تهمنا الان. المهم فى كل الاحداث لم نعد نسمع شيئا قط فى النصوص المصرية عن بلاد كوش. ولكن فى هذا العهد من الاسرة 26 مهما كان الاصل والامر نجد تطورات عالمية جديدة فى التاريخ العالمى واثارها على مصر مثل:

  • بداية علاقات قوية بين مصر وبلاد اليونان (مملكة ليديا) وخاصة ان الملك بيسماتيك الاول استعان بهم وبقة وكثر كجنود له وحاميين لمكله فى مصر.
  • ظهور قوة عالمية مرعبة وهى قوة الفرس مع افول تاريخى ريجى لممكلة اشور الكبرى والرغبة الفارسية فى تسيد كل مناطق اشور او المناطق التى تسيدتها اشور، ومن هنا ظهرت العيون الفارسية نحو مصر.
  • ظهور مناطق اليونان بحضارة كبرى وهى البداية الحقيقية للحضارة اليونانية او الفينيقية فيما بعد.

وبعودتنا الى مصر بعد وفاة الملك بيسماتيك الاول تربع على عرش مصر الملك (بيسماتيك الثانى) وهنا حدث الجدل والمجادلات بين المؤرخين والاثريين والعلماء حتى يومنا هذا مما دفع ببلبلة اخرى بين الحديثون ومن كثرة هذه المجادلات نستخلص الاتى:-

  1. من الاصل والاساس هناك شكوك اصلا حول الاسرة 26 واصل ملوكها الاوائل وخاصة ان هذا الامر انفرد به منذ القديم المؤرخ هيرودوت فقط دون غيره الاخرين من المؤرخين القدماء.
  2. هناك من المدارس بان اصل هذه الاسرة ليبية وخاصة ان اسم بيسماتيك فى اللغة اللوبية تعنى ابن الاسد وهى فى الاصل اللغوى (باسام تيك = ابن الاسد) وان سام فى هذه اللغة تعنى الاسد. وقد وافق هذا الراى المدرسة الانجليزية والاثرى بيترى وكذلك الاثرى الالمانى القديم لبسيوس ومعه الاثرى الالمانى ايرمان.
  3. اما الاثرى بروكش فقال انها من الاصل النوبى وان الاسم بسماتيك هو مصرى الاصل والنخاع وان كلمة (تيك = انسان الاله) فى اللغة المصرية القديمة؟؟؟. وان تيك كان اله محلى لمدينة انشأتها هذه الاسرة، فهل سمعنا من قبل كلمة تيك او تك فى اساس اللغة المصرية القديمة او حتى لها مثل هذا المعنى؟؟؟.
  4. اما المؤرخ هيرودوت والذى ادعى ان اصل هذه الاسرة اشورية، شرح لنا اصل ومعنى هذا الاسم بهرطقته،وقال ان اصل الاسم اثيوبى؟؟؟ وان بسمتيكوس كان اثيوبى الاصل وفر الى سوريا امام الملك الاثيوبى (سبكون) وفى سوريا اعطى الولاء الكامل لاشور ولذلك ارسله الاشوريين الى مصر لحكم البلاد وفى مصر اخذ اللقب المصرى (نى كاو رع).

هذا الاختلاف والجدل وكما بينا هنا يدخلنا حقا فى مهاطرات واقاويل بين المدارس والمؤرخين وكلا له اسلوبه ومنهجه وتحاليله.ولكن من الاصح فى كل هذا ؟؟. هل عرفت الان لماذ يثر الجدال حول التاريخ المصرى القديم؟؟. مع انه فى اصل النصوص نجد ان الملك(نى كاو رع) كام مصريا حتى النخاع وليس من الاصل الاشورى او النوبى او الليبى،واما ان تكون هذه النصوص المصرية فى عهده كاذبة حتى النخاع؟؟.

وفى نفس هذه الاسرة ايضا وللغرابة نجد ظهور ملك مصرى حتى النخاع بل يعتبر اعظم ملوك هذه الاسرة بل ومن عظماء التاريخ المصرى وهو الملك ابرس (حج ايب رع)

الملك أبرس (حح ايب رع)

وهو مصرى حتى النخاع ولا شك فى ذلك وهو الذى نادى انذاك بعودة الروح المصرية وعودة الامجاد المصرية القديمة والاصيلة،اعاد ترميم الكثير من المقابر والاهرامات والمهعابد ولذك عرف عصره فى التاريخ المصرى باسم (عصر التجديد واحياء القديم) ولكن للاسف الشديد لم يستمر طويلا فى الحكم. وبخصوص بلاد النوبة فى عهده كانت ايضا تحت مسمى مملكة كوش وشهدت كوش فى عهده سلاما اجتماعيا ولم يكن بها اية حروب،واعاد مملكة ناباتا لتكون مرة اخرى تحت السيادة المصرية وكما كان الحال من قبل.

وهذا الملك بصفة عامة له شهرة تاريخية كبرى ولكن القليل من الاثريين والناس يعلمون. ولذلك نجد ان 85 % من اثاره موجودة فى متاحف العالم المختلفة بل وكثيرين من عظماء عهده. ولتجميع ورؤية كل اثاره يتطلب منا زيارة جميع المتاحف الاوروبية بدأ من الدنمارك فى الشمال حتى ايطاليا فى الجنوب. وهذا الملك هو نفسه الذى ذكر فى التوراة باسم(حفرة) وطبعا قالت عنه التوراة الاقاويل والاقاويل الكاذبة وغير التوراة المؤرخ هيرودوت ايضا،والذى اعتبره اكثر المؤرخين فى التاريخ القديم والحديث كرها لمصر،وهذا لا شك فيه على الاطلاق.

ونحمد الله بان النصوص الكاملة من عهد هذا الملك موجودة ومنتشرة فى متاحف اوروبا كلها. ولقد عثر له على لوحة شهيرة جدا والمعروفة باسم (لوحة الفنتين الشهيرة) وهى محفوظة الان فى متحف برلين. وتقص علينا هذه اللوحة مشكلة كبرى حدثت فى عهده وهو نفسه الذى قص هذه القصة كاملة وليثبت بين طيات السطور بانه مصرى الاصل والنخاع،ولقد كتب هذه اللوحة حزنا على ذراعه الايمن ووزير دفاعه (امسيس) ويقص علينا ويقول:

ان امسيس كان راغبا وبشدة فى اعطاء اليونانيين مكانة كبرى فى مصر وخاصة انهم اصبحوا يمثلون جالية كبرى انذاك، و لهم مكان خاص بهم فقط فى الشمال فى مدينة نقراطيس (الاسكندرية الان) وهذا التوغل الجامح لا يعجبنى على الاطلاق. ومن هنا دب خلاف بينى وبينه بعد صداقة دامت لاكثر من 12 عاما كاملة حتى عينته وزيرا للدفاع.

يدا هؤلاء اليونانيين يسرقون مناجم فى غرب الدلتا(؟) وبدا المصريين هناك يشتكون لى،وكذلك حقول الزبرجد بالقرب من (سايس وبوتو) وكونوا حزبا لايستهان به وكانوا فخورين لحماية أمسيس لهم، ولم يفعل شيئا ما امام شكاوى المرصيين. ان امسيس لم يبالى او يهتم بامر الجيش وخاصة لذلك الصوت العدائى من جانب الفرس، فهل نسكت او ننتظر دخلوهم البلاد، وان امسيس بذلك يعتبر خائنا.

ومن عظماء عهده كذلك والمحبوب جدا الى قلبه هو نائب الملك على كوش (نسيحور) والذى نجى من القتل باعجوبة وله لوحة شهيرة توضح كل ذلك وهى موجودة الان فى متحف كوبنهاجن بالدنمارك، وفيها يشرح لنا بالتفصيل احداث هذا العهد وهذه الخيانة.

لوحة نسيحور الشهيرة

لقد شعرت بمكيدة امسيس فى بلاد النوبة وعندما اخبرت الملك ابرس بذلك وتاكد من خيانته وعلم امسيس بالامر،قام مع مجموهة من اليوانيين الموالين له بقتل الملك ابرس وتم قتل رسولى الذى ارسلته بسرعة لاخبار ابرس بذلك. واستولى امسيس على حكم البلاد واخذ لقب احمس الثانى، وحوال قتلى عدة مرات كثيرة ولكننى نوجت باعجوبة.

فهذا هو تاريخ حقيقى موثق ياصاحاب العقول فلما دائما المجادلات؟؟. ام هى طبيعة فى فكر المدارس الاثرية وبدونها لا يمكن الوصول او الحديث عن التاريخ المصرى القديم. وبذلك ظهر على عرش مصر اشهر خائن فى التاريخ وخاصة انه شخصية ملكة وهو الملك احمس الثانى والذى اكرهه بشدة منذ كنت طالبا صغيرا فى كلية الاثار،ومن تاريخه الاسود على مصرو بل اننى اجزم الان بانه المؤسس الحقيقى للفرس فى مصر وكما فى تاريخيه الوجز هنا الان.

الملك أحمس الثانى

للاسف الشديد استمر فى الحكم 44 عاما، اما صديقة السابق الملك ابرس فكان على الحكم 15 عاما فقط. وهذا الملك احمس الثانى كان مهوسا فعلا بالقوة والعظمة، يشبهنى الان فى خيانته الكبرى لمصر بالرئيس حسنى مبارك. ومن ناحية الغرور والعظمة بمجنون ليبيا القذافى وادعوا الله ان يريحنا من كلاهما كما رحمنا فى السابق من احمس الثانى هذا.

فلقد كان الاهتمام الاول للملك احمس الثانى هو بنفسه واسرته ولو حتى على حساب الشعب،هذا الملك الذى كتب عنه المؤرخ الهيرطقى هيرودوت بانه كان اسطورة عظيمة لا يمكن لتاريخ مصر تجاهلها. ولنعرف ما هى تلك الاسطورة التى اشار اليها هذا المؤرخ الهرطقى، وكيف يكون اسطورة وهو الخائن الاكبر لبلاده وتاريخها العظيم، ويمكن سرد تلك الاسطورة فى عدة سطور مثل:-

لقد اهتم احمس الثانى بعائلته واصدقائها بصورة ملفتة للنظر لم تحدث من قبل فى التاريخ المصرى كله، ولو حتى فى العهد الليبى والاميرة (شبت ان وبت) نفسها. فلقد كانت له اسرة كبيرة من البنات والاولاد وتزوجوا وانجبوا بخلاف الاهل والاقارب وكونوا ثروات كبرى بل مذهلة على حساب الشعب، بل هناك نصوص كثيرة تؤكد ذلك. وهناك نص يؤكد فيه بان احد ابنائه كان ضد حاكم احدى الواحات(؟) فدبر له مكيدة وخلعه من حكم هذه الواحة بل وصادر امواله واملاكه.

عملت هذه الاسرة على اخذ اموال من المعابد او مخصصة للمعابد وكونوا ثروات وثروات واشتكى بعض كهنة المعابد لملك احمس الثانى نفسه ولكنه لم يفعل شيئا على الاطلاق. كانت هذه العائلة باكملها وعلى راسها الملك موالية تماما لليونانين ولاترفض لهم طلبا فى اية منطقة فى مصر على الاطلاق،وبالرغم من اهتامهم الكبير هذا باليونانين الا انه فى المقابل لا اهتمام على الاطلاق بشكاوى المصرييين.

دخل فى صداقة سرية مع الفرس وكلنه لم يطيع امر الفرس بفك وحدته مع اليونان مما اغضب منه الفرس تماما،وعندما دخل الملك الفارسى قورش فى ارض اليونان ووصل الى قلب مدينة (كورسوس) هرب الكثيرين من اهل هذه المدينة الى مصر طالبين الحماية. ورفض طردهم وهذا ماثار منه الفرس ايضا. اما عن بلاد النوبة فى عهده فلا اهتمام على الاطلاق،وكأن العالم فى نظره هو منطقة اليونان فقط.

فى عهده وصلت البلاد الى ازمات حقيقة فى الغلاء ونقص المنتجات،كما ان النوبيين قللوا من نزولهم الى مصر بل مصريين ذهبوا لاول مرة وبكثرة للعيش فى مناطق النوبة. اما عن اثاره بالرغم من طول مدته فى الحكم فهى بالمقارنة لا تساوى شىء بجانب سابقه ابرس والذى اهتم حتى بمناطق الواحات كلها. وهكذا انقضى اربع واربعون عاما ضاعت فيها مصر تحت حكم هذا الخائن الاسطورى احمس الثانى،اكثر ملك فى التاريخ المصرى مجده الهرطقى والمخرف وليس المؤرخ هيرودوت.

وبعد موته تربع على العرش الملك بسماتيك الثالث، ذلك المجهول حقا بين ملوك مصر،وخاصة ان حكمه لم يتسمر سوى ستة اشهر فقط بالتقريب، وفى هذه الفترة كان الملك قمبيز قد وصل الى غزة بوابة مصر الشرقية.وكان قمبيز قد وصل الى غزة منذ اشهر كاملة اى مع تتويج هذا المك والذى لم يفعل شيئا للدفاع عن مصر،وهكذا دخل قمبيز الى مصر على راس جيش عرمرم ولم نسمع عن بسماتيك اى شىء على الاطلاق وهكذا دخلت مصر تحت حقبة الحكم الفارسى وبادية الاسرات الفارسية.

الحكم الفارسى على مصر وبداية الاسرة 27 وحال مصر مع بلاد كوش

دخل الملك قمبيز الى مصر وكما تقول المصادر التاريخية بدون اية مقاومة تذكر وخاصة لوجود مساندة له من اليونانيين فى الدلتا وهذا امر عجيب حقان بجانب اخرين على متن المراكب اتيين من مناطق كورسوس الخائنين لبلادهم واتباعهم للفرس وكما هى عادة بعضا من البشر المنافقين او الخائنين ووصل قمبيز الى منف. وكان هناك جيش فارسى اخر يسيطر على المنطقة الليبية ويتوغل صحراويا لرغبته فى الوصول الى واحة سيوة ومواصلة السير الى مناطق الواحات الاخرى.

وللملك قمبيز رأسا جميلة الصنع والذى قال عنها الاثرى (بنديت) بانها راس هذا الملك لان هيردوت ذكره فى تاريخه،وبخلاف ذلك لانجد له اى اثرا فى مصر. اما المنظرين له فى معبد الكرنك ففيهما شك كبير حتى الان لعدة اسباب غير هامة الان. وهذه الرأس توجد الان فى المتحف البريطانى. وهكذا فى العهد الفارسى الاول نجد اعدادا بلا حصر من اليونانيين الموالين للفرسن وكذلك لوبين مؤيدن للفرس وهم قبائل المشوش الليبية وتاسيس مستعمرات حربية لهم فى مقاطعات الدلتا لمساندة الفرس من الدرجة الاولى والكراهية الجامحة للمصريين والنوبيين على السواء.

اما عن بلاد النوبة فاعدوا العدة الكاملة للدفاع عن مملكة كوش وخاصة لانهم غير مصدقين بوقوع مصر فى يد الفرس اشرس غزاة هذا العصر،وكان على راس مملكة كوش انذاك الملك (امانى لبتى).

وهكذا وصلت السيادة الفارسية فى مصر انذاك حتى منطقة الفنتين فى عهد الملك قمبيز، وابعد من الفنتين لم يستطيعوا لوجود المقاومة النوبية الشديدة. وترك الملك قمبيز ديار مصر ورحل الى مملكته لتنظيم الامور بها وتوج على مصر الملك (دارا الاول) والذى بدأ يخطط بجدية كبيرة الى الدخول الى قلب مملكة كوش. ولكن لحسن الحظ انذاك وان قامت مظاهرة مصرية كبرى موثقة بالرغم من اغفالها فى الكثير من المدارس الاثرية وهى ثورة خباباشا.

ثورة الثائر المصرى خباباشا

ففى عهد الملك دارا قامت ثورة مصرية كبرى بقيادة الثورى المصرى خبا باشا والتى استمرت حتى بداية حكم الملك الفارسى (اكزركزس).وهذه الثورة الممتدة تدل على عدم خمول الشعب المصرى والذى قيل عنه ويقال حتى الان انه شعب خامل ولاينشط ضد الاجنبى وما الى اخره من اقاويل ظهرت مع الاحتلال الانجليزى على مصر. وهذه الثورة تدل على شجاعة الشعب المصرى منذ القديم من الزمان،ولاننسى من قبل ثوراته اثناء الحكم الليبى. وهذا كله يدل على عدم خمول هذا الشعب وانه يناهض من يهين كرامته او يحتل بلاده والى اخر قطرة دماء.

وان الثورات المصرية فى تاريخه القديم والحديث لاتحصى ولاتعد، بل يمكن ايجادها فى عهد الرعامسة انفسهم وخاصة تلك الثورة الشهيرة فى عهد الملك رمسيس الثالث والمطالبة بتحسين الاوضاع والاجور. وهى اول ثورة فى التاريخ المصرى والبشرى ككل، ولاننسى الثورات فى العصر الليبى والعصر الاشورى وهى كبرى الثورات التاريخية والممتدة منذ عهد الملك دارا الاول وكانت بقيادة خباباشا وواجه هو بنفسه الملك اكزركزس.

فالكلام عن المصريين عالميا لا يتوقف ولذلك يجب علينا نحن ترميم التاريخ لنثبت للعالم باننا شعب طيب الاعراق بل اقدم شعب فى التاريخ فى نواحى عدة ولاحصر لها ويكفينا فخرا باننا اول شعب فى التاريخ كله من نادى بالتوحيد. فكفى مغالطات فى التاريخ المصرى وكفى مغالطات فى حق الشعب المصرى نفسه صاحب هذه الارض وهذه الحضارة التى سجدت امامها كل شعوب الارض قديما وحديثا. ومن عظمة مصر والمصرى بانه لم ينصهر فى اية حضارة غازية او غير غازية على الاطلاق، بل كل الحضارات التى تعاملت معه انصهرت فيه وهاهو التاريخ شاهد على كل ذلك.

وهذه الثورة المصرية الكبرى بقيادة خباباشا موثقة على ورقة بردى محفوظة الان فى متحف اللوفر وان كان هناك شك فى اسم الملك الفارسى فقط، وهناك اراء عدة حول اسم هذا الملك وكما هى العادة فى التاريخ المصرى من جانب المدارس المختلفة. اما عن الحدث نفسه بخصوص هذه الثورة فقد ذكر على عدة اوراق بردى سواء فى هذا العهد او بعده، بجانب ذكرها والحمد له فى تاريخ الهرطقى هيرودوت.وفى عهد الملك اكزركزس تم القضاء نهائيا على هذه الثورة ولم نسمع عن خباباشا اى شىء بعد ذلك.والاحتمال الاكبر انه قبض عليه وقتل. وبعد هذه الثورة الكبرى وانكسارها عاش الشعب المصرى حقا منكسرا تحت وطأة الحكم الفارسى وفى ذلك مراجع كبرى.

وبعد هذه الثورة قامت ثورة اخرى بقيادة المصرى الثورى (ايناروس) وهذه النقوش والنصوص حول هذه الشخصية وتلك الثورة عثر عليها الاثرى الالمانى (فيدمان) واثبت بان الدلتا كانت فى ثورة عارمة بلا توقف ولكنه استنبط فقط لعدم نصوص فى الجنوب. وهنا نقول بانه كان مخطأ فى الترجمة لان الاثبات الحديث كان على العكس من ذلك تماما وان الجنوب كان هو المشتعل وفى المقابل الخمول فى الدلتا، وهذا كله اثر بطبيعة الحال بدخول الفرس الى مناطق النوبة او كوش.

واثبت جميع المؤرخين والاثريين بان اخر ملك فارسى على مصر كان هو (دارا الثانى) ولكن الاختلاف الان فى طول مدة حكم الفرس فى مصر وخاصة ان هيردوت قال بان الحكم الفارسى امتد الى ثلاثة اسرات كاملة!!!. على العموم فان احداث النوبة غير واضحة المعالم فى العهد الفارسى من جانب التاريخ المصرى،ولكن من المؤكد الان بان الفرس لم يدخلوا بلاد النوبة قط كمستعمرين او غزاة. اما من الناحية التجارية فهى ضعيفة ايضا ولكن من المؤكد فى داخل مصر بان سيادتهم وسلطتهم وصلت الى مناطق الفنتين.

ولكن فى التاريخ المصرى ووثائقى ذلك نجد اسماء اخرى لملوك مصريين وهم ملوك الاسرة الثلاثونا خر اسرة مصرية حكمت مصر قبل دخول الاسكندر الاكبر وتحريرها من الفرس. ولكن ظل السؤال حتى الان كيف ظهرت هذه الاسرة فى ظل وجود فارسى وبدون ملك فارسى رسمى على البلاد؟؟. ونتحدث ههنا عن الملوك نقطانبو وخاصة الاول، لان هيرودوت فى تاريخه ذكر بانه من الاصل اليونانى وحضر الى مصر فى عام 450 ق.م. ولنا وقفة مبسطة حول ذلك الموضوع:-

  • ان تاريخ هيرودوت مشكوك فيه اصلا من اوله الى اخره وانا من المؤمنين بانه لم يحضر الى مصر اصلا وكتب تاريخه هذا عن طريق السمع فقط لاغير، ولذلك الف كثيرا فيه. وانه ذكر بان نقطانبو يونانى الاصل ووصل الى مصر ثم تربع على عرش مصر،ونقول له كيف وهو اصلا من اليونانيين الكارهين للفرس!! هذا اذا كان حقا يونانى الاصل. وكيف تركه الفرس يدخل البلاد بل والاعجب تربعه على عرش مصر حتى وان كان مواليا للفرس، وهذا افتراض اخر. لانه فى نصوص الملك نقطانبو الاول نجد كراهيته الشديدة للفرس.
  • بما انه عاصر الفرس وتركوه بهذه السهولة على عرش مصر كان الاجدر به منافقة الفرس او يكتب تاريخ حقيقى مؤكد عن هذه الفترة، ولكنه لم يفعل. وتاريخه حتى الان غامض فى التاريخ المصرى وهناك كثير مغلوطة عنه لا اساس لها من الصحة حتى الان، وخاصة انه ملك على مصر العليا والسفلى كما تقول بعض نصوص وعهده والسؤال هو: اين كان الفرس انذاك؟؟. ام ان الفرس قد خرجوا فعلا من مصر لخسائرهم على مستوى العالم القديم فى الحروب التى منوا بها وخاصة امام اليونان اخيرا.
  • بعد موته ظهر على عرش مصر الملك نقاطانبو الثانى وهو يعتبر اخر ملك مصرى فى التاريخ. وانه اقام الصرح الاول فى معبد الكرنك الان ونصوصه كلها تؤكد مصريته الشديدة. وفى عهده كذلك اشار الى وجود بقايا فارسية عسكرية فى البلاد بل وفى طيبة نفسها. انكذبه هو ونصدق هذا المدعو هيرودوت؟؟. وفى حكمه وكما يشاع لم يجد حريته الملكية مما دفع بعض الكهنة وخاصة كهنة امون عن طريق اليونانيين المحبين لمصر وفى مصر، بان يتجهوا للقوة الجديدة الظاهرة على الارض وهى المملكة المقدونية والملك الصغير الشهير الاسكندر الاكبر ملك مقدونيا والكاره للفرس بشدة كبيرة. ومن هنا رغب الاسكندر الاكبر وكما فى نبؤات مقدونيا القديمة بانه سيكون قاهر الفرس والقاضى على مملكتهم وحضارتهم بل سيكون ملك على مصر وهذا ما لم يصدقه فى صباه. وهكذا دخل الاسكندر الاكبر الى مصر ولم يكن بها ملكا على الاطلاق، ومما لاشك فيه بان الملك نقطانبو الثانى قد مات فى ذلك الوقت. وهكذا حارب الاسكندر الفرس فى مصر وطردهم خارج البلاد واتبعهم حتى عقر دارهم هناك. وكل هذه الاحداث المصرية لم نسمع فيها اى شىء عن بلاد كوش على الاطلاق، وظلت الاحول هكذا حتى ظهور كوش مرة اخرى فى التاريخ المصرى فى عهد البطالمة.

العهد البطلمى فى مصر وبلاد كوش

فى الحقيقة التاريخية انه فى العهد البطلمى كانوا الملوك كلهم بصفة عامة ينظرون الى بلاد النوبة على انها جزءا مكملا لمصر على الاقل حتى الشلال الثالث. كما ان الحضارة البطلمية فى مصر لم تكن استعمارية كما يقول بعض المؤرخين المصريين الحديثون الغير المنصفين على الاطلاق.

فالعهد البطلمى فى مصر كان عهد خيرا ونماء واستمرار للحضارة المصرية القديمة مع بعد التغيرات الدينية والاجتماعية وكما ذكرنا من قبل فى نقطة الديانة. وبتلك النظرة البطلمية لبلاد النوبة نجد التواصل الحضارى بين مصر والنوبة او بلاد كوش، وازدهار التجارة بينهما.

ومن ناحية السيادة فكانت مصر سيادتها حتى منقطة دنقلة او حتى الشلال الثالث،اما بعد ذلك فهو يخص مملكة كوش ولم تحدث مشاكل تذكر على الاطلاق. الا ان التاريخ عودنا دائما بانه لم يكن هناك عصرا من العصور بلا مشاكل، ولكنها مشاكل ليست هامة هننا. ونجد نص تاريخى موثق عن طريق الاديب الاغريقى (سيمونيديس) والذى ذكر الكثير والكثير عن بلاد النوبة، وكان ذلك فى عهد بطليموس الثانى ووصل حتى منطقة مورى.

ووما كتبه عن ذلك باختصار شديد بانه تجول فى ربوع النوبة، ولقد سمع ملك كوش عن شهرته كاديب اغريقى ولذلك طلب منه ان ينزل ضيفا عليه فى بلاطه، لانه كان من قبل وصل الى بلاد الهند وكتب عنها وتعجب من حضارتها كذلك. ولكنه فضل العيش فى كوش وخاصة فى منطقة مروى وفيها كتب كتابه الشهير باسم (اثيوبيا) وعاش فى كوش ومروى خمسة اعوام كاملة. ولكنه للخطأ التاريخى لم يفرق بين النوبة واثيوبيا، وخاصة انه كتب كثيرا ايضا عن الزنوج ومن هنا جاء اللغط والخطأ التاريخى والذى وضحناه من قبل.ومن الغريب انه هو نفسه اشار الى ذلك لانه قال ((ان مناطق الزنوج الحقيقية توجد من بعد الشلال الخامس وممتدة حتى الشلال السادس وفيما بعد وليس قبل ذلك)). وكتب عن العلاقات الطيبة الكوشية البطلمية وان كثيرا من النوبيين يعيشون فى مصر بل ويعشقون مصر، وكان انذاك ملك نباتا هو (ارجامنز) والذى استضافه واكرمه. ومن هنا قال الاثرى الالمانى ريزنر بان هذه الاحداث لابد ان تكون فى عهد بطليموس الرابع وليس الثانى، ومن هنا حدث جدال تاريخى اخر وخاصة ان ملك كوش او نباتا ارجامنز كان فى عهد بطليموس الرابع!!.

على كل حال هكذا كانت احوال النوبة فى العصر البطلمى لا يعكر صفوها اى شىء، وهذه كانت بلاد النوبة والتى تذكر تاريخيا فى العهد البطلمى باربعة مسميات فى النصوص وهى (بلاد النوبة أو مملكة كوش أو مملكة نباتا او مملكة مروى)) وكانت ممتدة هذه البلاد من بعد الشلال الاول الى نهاية الشلال الخامس وما بها من زنوج كما وضحنا من قبل. اما بعد الشلال الخامس فكانت تدخل فى نطاق الحضارة الاثيوبية كاول حضارة افريقية فى التاريخ ولكنها كانت مزالت بدائية عند المقارنة بحضارة مصر او كوش والتى هى بحق ارقى وادق من الحضارة الاثيوبية.

ولكن فى العصر البطلمى وخاصة فى عهد بطليموس الرابع بدات مشاكل جديدة تظهر لاول مرة من نوعها وهى المشاكل الزنجة او (الاثيوبية) وصراع حضارى حول نهر النيل والرغبة فى الامتداد الزنجى او الاثيوبى الى مناطق مروى ونباتا، ووقوف الزنوج كاملا فى صف ذويهم والاثيوبين ((بداية المشاكل التاريخية منذ الجذور الاولى بين شمال السودان وجنوب السودان)).

وانتهى العهد البطلمى فى مصر ولم يكن هناك اية مشاكل بين مصر وبلاد النوبة، ولكن كانت هناك مشاكل بين النوبة وبين الزنوح او اصحاب الحضارة الاثيوبية، لاول مرة فى التاريخ والمناوشات هناك. وهكذا دخلت مصر الى الحقبة الرومانية ولنا وقفة مبسطة معها الان.

العهد الرومانى فى مصر وبلاد كوش

وباختصار شديد لانه عهد ممتد لقرون طويلة، الا انه وباختصار شديد يمكننا ان نقول بانه كما عانت مصر من العهد الرومانى بشقيه قبل المسيحية وبعد المسيحية فعانت كذلك بلاد النوبة او كوش او ممكلة نباتا او مملكة مروى. والسبب فى ذك تلك النظرة الرومانية الغير انسانية للبشرة السمراء. فى العقيدة والعرف الرومانى كان اصحاب البشرة السمراء فى نظرهم عبيد نجس وغير ادميين،وهذا اقل ما يوصف به العهد الرومانى فى مصر وفى بلاد النوبة. وهو تاريخ ملىء بالقهر والاذلال وخاصة بعد ظهور المسيحية ودخول الكثير من النوبيين مثل المصريين فى الديانة المسيحية وما نتج عن ذلك من تعسف رومانى وتاريخ ملىء بالدماء والقهر حتى جاء الفتح الاسلامى على مصر وتحرير البلاد من التعسف الرومانى سواء فى مصر و فى بلاد النوبة.

الفتح الاسلامى فى مصر واثره على بلاد النوبة

لا ينكر احدا من الجاحدين بان الفتح الاسلامى قد حرر مصر وبلاد النوبة من العبودية والرق الرومانى، كما ان بلاد النوبة كانت لها اهمية كبرى منذ الفتح الاسلامى فى نظر الخليفة عمر بن الخطاب. وكان ينظر الى بلاد النوبة على انها امتداد طبيعى لمصر.

وفى عهد الدولة الاموية رجعت بلاد النوبة الى الاحضان المصرية وسميت المنطقة كاملة فى العهد الاموى باسم (مصر وافريقية) وكان المركز الرئيسى مصر وامتدادها الى بلاد النوبة والتى انتشر فيها الاسلام تاريخيا كاول مناطق اسلامية. ودخول كل النوبيين فى العقيدة الاسلامية ولكن مناطق الزنوج تمسكت اما بالحضارة القديمة لهم او بالمسيحية الاثيوبية.

وبعد فتح منطقة (زنجبار) عرفت المنطقة باسم ارض السود ومنها فيما بعد مع التطور التاريخى اطلق عليها اسم السودان. ومن هنا حدث تصادم اخر بين السودان وبين الزنوج او اثيوبيا وكان النزاع الاول من نوعه عقائديا فى افريقيا. ثم التوغل الاثيوبى فى مناطق الزنوج اى فى الجنوب السودانى. ولذلك نجد حتى يومنا هذا جنوب السودان اما مسيحى واما ليس له اية عقيدة على الاطلاق ومتمسك بالحضارة الزنجية البدائية بالرغم من اننا الان فى القرن الحادى والعشرين.

السودان والإحتلال الإنجليزى الحدث فى القرن 19

اثناء الاحتلال الانجليزى لمصر كانت السودان تعتبر الامتداد الطبيعى والتاريخى لمملكة مصر. وبداية الانجليز فى اثارة المشاكل بين شمال السودان المسلم وبين الجنوب المسيحى او بلا دين. وعند قيام الاستعمار الايطالى وقعت اثيوبيا فى قبضته والرغبة فى امتداد ايطالى فى جنوب السودان على اساس انها مكملة للحضارة الاثوبية القديمة، وهذا ما شانه اثار مشاكل ايضا بين شمال وجنوب السودان ووقوف مصر كاملا مع الشمال السودانى والذى هو ايضا فى قبضة الانجليز.

ولذلك فى العهد الاستعمارى الانجليزى كانت مصر والسودان تحت تاج واحد وخاصة عندما توج السلطان فؤاد ملكا على مصر فى عام 1922 واصبح فؤاد الاول ملك مصر والسودان. وظل الحال هكذا حتى قيام الثورة المصرية فى عام 1952 وانهاء الملكية فى مصر، ثم انفصال السودان عن مصر فى عام 1956.

جمهورية السودان

بعد حصول السودان على استقلاله التاريخى من الاستعمار الانجليزى، ظهرت لاول مرة فى التاريخ جمهورية السودان. ولكن لم تتنبه مصر او السودان الى المشكلة التاريخية الكبرى وهى الزنوج والفرق بين الشمال والجنوب. ولبث السموم الاستعمارية اقيمت الوقيعة بين الشمال والجنوب، ثم الوقيعة بين السودان واثيوبيا، ثم بين السودان واوغندا والمكملة ايضا للزنوج فى جنوب السودان. تلك المشاكل الافريقية الظاهرة منذ حقبة الستينات، وخاصة الاهم الان بين الشمال والجنوب السودانى، والـيد الصهيونىة الكاملة لجنوب السودان والرغبة فى انفصال الجنوب عن الشمال تحت مسميات مختلفة ومنها الدينى كذلك.

ثم رغبة الامم المتحدة الخفية فى تقسيم السودان، وعلى ما اعتقد والله اعلم على كل حال سوف تقسم السودان الى شمال وجنوب فى القريب العاجل وها هى المشاكل والنداءات والتدخل الاممى فى المشكلة ظهرت الى افاق السياسة العالمية، ولسوف تقسم السودان وخاصة انه مطلب امريكى وصهيونى،هذا موضوع اخر تماما.

وبذلك نكون قد انتيهنا بفضل الله من اهم النقاط الثلاثة والتى يجب علينا ترميمها فى التاريخ. ذلك الموضوع والكتاب الذى اخذ منى الجهد الجهيد وما ابغى من كل ذلك سوى الدفاع عن مصر وحضارة مصر بسلبياتها وايجابيتها، وان مصر حقا اقدم دولة فى التاريخ بل واعرقها، ولكن دائما يلح على سؤالا مؤرقا ولااجد له تفسير حتى الان وهو: لماذا مصر بقدمها هذا وحضارتها الكبرى وخاصة الاسلامية تصل الى هذه الدرجة من السوء امام امم العالم فهل ياريس ويا ايتها الحكومة من مجيب؟؟؟.

المراجع البحثة الهامة فى هذا الموضوع

  • موسوعة مصر القديمة ج11 الدكتور سليم حسن
  • The Egyptian Sudan. vol.1 Budgeتناول فى هذا الجزء الثانى علاقة مناطق كوش بالمملكة المصرية فى الدولة الحديثة وما بعدها. وكذلك تناول حضارة مملكة كوش وملوكها فى تسلسل تاريخى سلس ومعقول وبعيدا عن القيل والقال.
  • The Great Stela of prince Akinizaz Griffithوتناول باستفاضة الاحتلال الرومانى لمصر ولبلاد النوبة. ولوحة اكينزاز فى عهد الملكة النوبية (امانيرتاسى) وهذه اللوحة التاريخية الشهيرة مكتوبة باللغة المصرية القديمة وهى هامة جدا وثائقيا وعثر عليها فى مروى وهى وحفوظة الان بالمتحف البريطانى.
  • Urkunden Der alteren Athiopen Konige. Schieffer 1960كتابه تخصص فى نهاية العصر الكوشى فى مصر وخاصة فترة الملك تانوت امون ولوحته الشهيرة المعروفة باسم لوحة الحلم وهى محفظة والحمد لله بالمتحف المصرى.
  • Der Auszug Der Hathor – Tefnut aus nubien. Junker 1912تكلم عن الحضارة النوبية والالهة المشتركة مثل حاتحور وتفنوت وتمسك ملوك وشعب النوبة وكذلك مملكة كوش والالهه والكتابة المصرية القديمة.
  • The Archaeological Survey of Nubia. Firth 1925تحدث فيه عن حفرياته فى بلاد النوبة منذ عام 1911 وكانت اخر ابحاثه فى عام 1925 عندما اصدر هذا الكتاب، ولقد اصدره بمصر وباللغة العربية ويمكن ايجاده فى المكتبات المتخصصة، وهناك نسخة منه فى مكتبة المتحف المصرى المتخصصة. وادصر لاول مرة عالميا باللغة الانجليزية فى عام 1927 بلندن.
  • ندوات متخصصة عدة بالمركز الثقافى المصرى – بجاردن سيتى.
  • ندوات متخصصة بكلية الاثار جامعة القاهرة وكلية السياحة والفنادق.
  • جرائد متخصصة اجنبية ومجلات.
  • مكتبة المتحف المصرى المتخصصة فى المتحف المصرى بالقاهرة.
  • بعضا من رسالات الدكتوراة والماجيستر لبعض الزملاء الاثرين.

التعليقات