التخطي إلى المحتوى
ظاهرة تذكر الموتى في الحضارة المصرية القديمة ( الفرعونية )
ظاهرة تذكر الموتى في الحضارة المصرية القديمة ( الفرعونية )
إرتبطت ظاهرة تذكر الموتى في الحضارة المصرية القديمة بالرجوع إلى الماضي و الإتصال به ، فإذا كان أساس وجود الماضي هو حدوث إختلاف و تباين واضح بين ( الأمس ) و ( اليوم ) ، فلاشك في أن الموت يعتبر بهذا المعنى و هذه الكيفية بمثابة التجربة الساطعة و الأساسية لحدوث مثل هذا الإختلاف . و لذلك يمكن لنا أن نؤكد على هذه الحقيقة الهامة التي تتمثل فيما يلي :إرتبطت ظاهرة تذكر الموتى في الحضارة المصرية القديمة وفقا لما أشارت إليه الأساطير ( و لاسيما في العصور المتأخرة ) بالصور و الأشكال الأولى للذكرى الحضارية المصرية القديمة ، و بمعنى أدق كان هؤلاء الموتى هم أول من وضعوا لبنات و أساس حضارة مصر في زمن أول أسطوري مفترض و من هنا سعى المصري القديم للإتصال حضاريا بهم لإحياء زمن الأمجاد من ناحية ، و لإكتساب هويته الحضارية الإجتماعية من ناحية أخرى . إن ظاهرة تذكر الموتى في حضارة مصر تندرج في إطار ما يعرف بتقديس و عبادة الأسلاف و التي نشأت منذ عصور ما قبل التاريخ و أدت لتبلور مفهوم ( الآلهة ) خلال العصور التاريخية .

من جانب آخر تنقسم ظاهرة تذكر الموتى في واقع الأمر إلى نوعين من الذكرى : الأولى هي ذكرى موجهة إلى الماضي و الثانية هي ذكرى تتجه نحو المستقبل . أما عن الذكرى الموجهة إلى الماضي فهي تتمثل في ( الصورة ) التي تعيش فيها الجماعة المصرية القديمة مع موتاها حيث تجعل هؤلاء الموتى حاضرين و موجودين دائما في الزمن ( الحاضر ) و بهذه الطريقة يتمكن المصري القديم من رسم صورة لوحدته و هويته الحضارية التي لا ينفك عنها أبدا ، فلا هوية حضارية دون الإتباط بالأسلاف الذين عاشوا في عصر ذهبي أول لا تزال بقاياه تشهد عنه في آثار يراها المصري القديم في حاضره .

تمكنت الحضارة المصرية القديمة في الربط بين ( البعد المستقبلي ) و ( البعد الماضي ) في ظاهرة تذكر الموتى . و كان أكبر تجليات هذا الربط تتم عمليا من خلال ما يلي :

1 – يقوم الإنسان في عالم مصر ببناء مقبرته في اللحظة التي يتولى فيها منصبا رفيعا في الدولة ، و بالتالي يضع هذا الإنسان و بشكل ( مستقبلي ) النواة لتذكره بعد موته ، فعلى سبيل المثال نقرأ في نقش كبير كهنة المعبود ( وب واووت ) في أسيوط و هو الموظف ( حقا إيب ) خلال عصر الدولة الوسطى النص التالي :

” و فوق كل هذا قمت شخصيا بإتمام هذه المقبرة ، كما أمرت بكتابة النقوش عليها و كل هذا أشرفت عليه بنفسي خلال حياتي و حتى يتحدث عني كل من يمر أمام قبري هذا ”

2 – كان الإنسان في عالم مصر ينفق بسخاء من أجل إتمام مقبرته و يمكن خلف هذه النفقات وجود تصور خاص عن عمل متبادل بين الفرد و الجماعة و بمعنى آخر : فمن حق الإنسان المصري القديم أن ينتظر من جماعته بعد موته ” برا و إحسانا ” نحوه بالقدر نفسه الذي يقدم به هذا الإنسان من جانبه ” البر و الإحسان ” لأسلافه من الموتى ، فكلما كان الإنسان في مصر بارا بأسلافه ، كلما تحدث عنه الأجيال اللاحقة و زادت إهتمامها نحوه و قدسته لأنه يستحق ذلك .

3 – كانت المقبرة في الحضارة المصرية القديمة بمثابة ( نصب تذكاري ) يعبر عن ( رمز خارجي ) لإنجاز حياتي بعينه يستحق الخلود ، فيظهر الإنسان في عالم مصر داخل مقبرته كفرد عاش حسب تعاليم و مباديء الأخلاق السائدة في مجتمعه بل و تحولت المقبرة و منذ عصر الدولة الوسطى لكي تؤكد على أن ( النصب الحقيقي ) في حياة الإنسان هو هو ما يجمعه من فضائل و خصال و أخلاق حسنة و لهذا السبب فإن الفضائل و الخصال الحسنة هنا تعكس العلاقة بين الفرد و الجماعة في مصر ، فالإعتراف بالجميل و الإعتزاز بالأهل و الأسرة و حب الإنتماء للمجتمع و التضامن و الولاء و الوعي بالمسئولية و الإلتزام بالواجبات و الوفاء و البر و الإحسان ، كل هذه الخصال تلعب دورا في النظام الأخلاقي المصري كما كانت هي ذات الفضائل التي تحدد و توجه حياة الإنسان المصري القديم في دنياه و قبل الإنتقال إلى عالم الموت و كل ما يحدث هنا هو سحب هذه القيم الطيبة إلى عالم الموت و المقبرة و بهذا فهي تشمل الموتى أيضا و تؤسس لذكراهم الطيبة في المستقبل من جانب الأجيال اللاحقة .

4 – تحدثت النصوص المصرية القديمة و منذ عصر الدولة الوسطى عن مفهوم ( التفكير من أجل الآخرين ) أو ( العمل من أجل الآخرين ) و أن مكافأة الإنسان الذي يعمل من أجل الآخرين هي أن يعمل الآخرون من أجله و بهذا يتحقق معنى الماعت ( النظام و الحق و العدالة ) في قلوب الآلهة . إن العمل من أجل الآخرين لم يكن سوى ترجمة عملية لذكرى إحياء الموتى من الأسلاف ، فمن عمل من أجل الآخرين سيجد حتما من يقوم بالعمل من أجله في المستقبل .

5 – إهتم القانون الأخلاقي المصري بفكرة هامة تتمثل في ضرورة أن يحافظ الإنسان في عالم مصر على الشبكة الإجتماعية من الإنهيار و ذلك من خلال التفكير و العمل الدائم من أجل الآخرين و ذلك عن طريق وضع هذا النداء الهام و هو : تذكروا ! و هو نداء المقابر الأثرية المصرية القديمة الذي نقش على جدران المقابر آلاف المرات و هو موجه للعالم الخارجي و حتى يتم تأسيس ذكرى الموتى الذين لا تزال لديهم القدرة على التعامل مع الأحياء في المستقبل .

يتبين لنا مما تقدم أن مبدأ ذكرى الموتى في الحضارة المصرية القديمة في بعد الماضي و بعد المستقبل هو الإنجاز الثقافي المميز لهذه الحضارة التي سعت لنشر الرسالة التالية و هي : أن الأمل يتمثل في أن يعيش الإنسان في عالم مصر في ذكرى الآخرين و تأسيس و إدامة أن يصطحب الإنسان موتاه معه في حاضره المتجدد بإستمرار عن طريق تذكرهم و أن هذه الذكرى تؤسس لهوية الجماعة المصرية القديمة ، فكلما تواصلت الجماعة مع موتاها في شكل الرجوع إلى الماضي ، كلما إستوثقت من هويتها الإجتماعية و من هنا نفهم كيف كانت التماثيل و النصب التذكارية و المقابر في عالم مصر بمثابة تأسيس و بناء لهوية الأحياء و الأموات ، و هكذا لم تترك مصر أسلافها من الموتى كرواية حدثت في الماضي و إنتهت ، بل هي رواية لاتزال تروى في الزمن الحاضر و المستقبل حتى يتواصل الأحياء مع الأموات في حالة فريدة من نوعها .

التعليقات