التخطي إلى المحتوى
حضارات سادت ثم بادت (استقبال الملكة)
حضارات سادت ثم بادت (استقبال الملكة)

كان هناك تقليد جميل جدا فى مجلة العربى الكويتية التى تصدر كل شهر حتى الأن، وكان هذا التقليد يمتد من أواخر خمسينيات القرن الماضى حتى أوائل السبعينيات منه، ويتمثل هذا التقليد فى الغلاف الاول من الداخل إذ كان ينشر فيه بكامل حجمه صورة ملونة متخيلة لإحدى الحضارات العظيمة القديمة التى كان لها شان فى تاريخ الإنسانية، ويذكر سطر أو سطرين أسفل الصورة للتعريف بها، ثم يحيلنا هذا الغلاف الشيق لصفحة داخلية فى المجلة لتعريف أوسع و أشمل لشرح هذه الصورة و الحضارة التى أبدعتها ويتراوح هذا الشرح من ربع صفحة إلى صفحتين كاملتين.

ومن وجهة نظرى الخاصة فإن للصورة المتخيلة لإحدى الحضارات القديمة رونق خاص وجاذبية كبيرة، أولا للقارئ العادى ثم للمتخصص الذى يدرس التاريخ أو الاثار القديمة، فهذه الصورة المتخيلة تبرز الالوان و أشكال البشر و الحيوانات و الأدوات المستخدمة فى هذه العصور القديمة بشكل يقربها لزماننا الحالى، أكثر من بعض اللوحات الجدارية التى لا يظهر فيها أى حركة أو تكون عبارة عن مناظر جامدة صماء، لذا فستكون للصورة المتخيلة جاذبية أكبر فى التوغل لمعرفة الكثير من أسرار هذه الحضارة او تلك ودراسة كل أو معظم تفاصيلها.

الحضارات التى كانت تحتويها مجلة العربي

و للأسف الشديد انقطع هذا التقليد الجميل للغاية من مجلة العربى بدون اسباب معروفة، بعد أن امتعنى شخصيا كثيرا جدا بالتعرف على أربعة حضارات عظيمة قديمة كان لها شأن كبير فى تاريخ الإنسانية، وهذه الحضارات هى

  1. الحضارة المصرية القديمة
  2. الحضارة العراقية القديمة
  3. الحضارة اليونانية القديمة
  4. الحضارة الرومانية القديمة

بالإضافة إلى صورة واحدة متخيلة لمصارعة الثيران فى حضارة كريت القديمة، وكل حضارة من الحضارات الأربعة تحتوى على عدد كبير من اللوحات المتخيلة لها مع شرح وافى للوحة داخل المجلة.

كنت اتمنى فعلا أن يتم الإبقاء على هذا التقليد و التعريف بالعديد من الحضارات القديمة على كوكب الأرض ولا يقتصر الأمر على الحضارات المذكورة فقط، حتى تعم الفائدة لكل طبقات القراء، و إن كان هذا الجهد و النشر مشكور للغاية لإدارة المجلة التى امتعتنا كثيرا جدا بتقليد جميل ساد ثم للاسف باد.

وسوف نتناول بإذن الله فى كل مرة لوحة من هذه اللوحات المتخيلة للحضارات القديمة ونقوم بشرحها، ونبدأ ان شاء الله بالحضارة المصرية القديمة

استقبال الملكة حتب حرس

إذ يطالعنا عدد مجلة العربى الصادر فى شهر فبراير 1966 بصورة رائعة جدا ملونة ومتخيلة للملكة حتب حرس والدة الملك خوفو، صاحب الهرم الأكبر فى هضبة الجيزة وهو ثانى ملوك الأسرة الرابعة من عصر الدولة القديمة

وتعود بنا هذه اللوحة المنشورة إلى أكثر من خمسين قرنا من الزمان إلى الوراء، والمكان الذى نراه فى الصورة هو بلاط الملك خوفو نفسه، وتكاد الصورة أن تكون متحركة ويكاد المشهد الذى تسجله لنا أن يكون فى غير حاجة إلى الشرح والتعقيب، فالملك خوفو (ومعنى إسمه – المعبود خنوم الذى يحمينى) لأن أسمه الكامل هو خنوم خواف وى فالملك يجلس على عرشه بعيدا فى أخر الممر و الملكة الأم حتب حرس محمولة على الأكتاف وهى فى طريقها إليه لزيارته.

أما الرجل الذى يسير فى الممر بإتجاه الملكة فهو احد المسؤولين عن التشريفات فى البلاط الملكى، ولا يحيط بالملك أحد من وزرائه أو أفراد حاشيته حاملا حملة المراوح، والفتيات الجميلات الأنيقات السائرات فى موكب الملكة لسن من حاشيتها لكنهن من حريم الملك خففن إلى إستقبال الملكة ومواكبتها داخل البلاط ترحيبا بمقدمها.

ويظهر فى الصورة أيضا قزم الملكة يسير تحت محفتها، فقد كان للأقزام شأن فى حياة الفراعنة كشأن المهرجين فى القرون الوسطى من تاريخ الأوروبيين.

واللوحة تشير إلى إبراز بعض ما أصابه الفراعنة من رقى فى زمن من التاريخ سحيق، ويدل على ذلك الترف و الزينة و التأنق التى أخذت بها الملكة وفتيات القصر على السواء، فالحلى الفضية الرائعة فى الأعناق و المعاصم و الأرسغ و الشعور المصففة و الثياب الفاخرة الزاهية تكاد الا تختلف عن مثيلاتها فى زماننا الحالى.

ولعل ما تبرزه الصورة على الصعيد المعمارى أصدق أنباء بما بلغه قدماء المصريين من صناعة فى ذلك الزمن القصى، فالبلاط المصقول الملون الذى يكسو كامل الجدار المواجه للناظر إلى الصورة، وهو جدار لا يعدو كونه جدارا عاديا من جدران القصر الخارجية، يضاهى فى رونقه وبهائه بلاط القيشانى الشهير الذى اقتصر إستعماله فى عصرنا أو كاد على تغطية جدران الحمامات وما إلى ذلك من إستعمالات، هذه المعالم التى تبرزها الصورة المنشورة على غلاف مجلة تدل على مدى ما أحرزته الحضارة المصرية القديمة من مستوى رفيع فى عصر من عصورها قديم.

التعليقات