التخطي إلى المحتوى
بحث عن فجر الحضارة فى مصر القديمة
الحضارة فى مصر القديمة

عندما  أتحدث عن فجر الحضارة فى مصر القديمة كان من كل بد على أن أستعرض فضل مصر وأهلها على العالم القديم، وما كان لها من قداسة ومكانة تاريخية وعسكرية وعلمية وتجارية بين دول وممالك وشعوب العالم القديم، وهذا بعين الباحث والمفتش فى تاريخ وحضارة مصر القديمة وليس بعين المصرى العاشق لتراب وطنه، والمحب لكل ما فيها سابقا وحاليا ولاحقا من سلبيات وايجابيات مستندا على قول الشاعر احمد فؤاد نجم:

بَحِبِّكْ يا مصرْ وبعشقْ ترابكْ .. وألِفْ المداينْ وأرْجعْ لبابِكْ .. وأحِسْ بكياني وكرامتي فْرحابِكْ .. يقولوا فقيرة .. يقولوا أسيرة .. بشوفِكْ أميرة .. وأحبِّكْ يا مصرْ .. بحبِّكْ ملايه .. ومنديلْ بِقُويا .. مقالبْ من أختي .. وغتَاتة مْنْ أخويا .. ودعوة مِنْ أمّي .. تنسّيني همِّي .. وحِكْمَة مْنْ أبويا .. وأحبِّكْ صبيِّة .. على البحرْ جايَّة .. في ساعةْ عصَارى .. ونسمة قُبَالْها .. تطيَّرْ في شالْها .. تبَيِّنْ جمالها .. وتِرجعْ تداري .. وأحبِّكْ مراكبْ .. تعدِّي اللِّي راكبْ .. لبرْ الأمانْ .. يدوبْ جوَّا نيلكْ .. ويعطشْ يجيلكْ .. يقول لِكْ كمانْ

وكما قال أمير الشعراء أحمد بك شوقى فى حب مصر:

أنساك يا مصرُ ؟ .. كيف القلبُ يسكنني
وكيف للروح أن تمضي عن الجسد؟
أهــواك عــمــرا جميلا لا يفــارقني
وقـصـة من هوى تحــيـــا إلي الأبد
يا مصرُ .. يا قبلة العشاق .. يا وطني
كل الأماني مضت .. وبقيت لي سندي
في القلب نبضُ وفي الأعماق أغنية
مهما رحلتُ سيبقى .. القلبُ في بلدي

وقبل أن نبدأ فى سرد تاريخ مصر فى فجر حضارتها كان لازما علينا أن نبين فضل مصر فى الكتب السماوية وما جاء من ذكر لها فى الكتب المقدسة، وكذلك الأنبياء الذين وعاشوا وتربوا وترعرعوا فى مصر، ونبين ونوضح مدى قداسة أرض مصر وفضلها وكيف كرمها رب العزة  كما جاء فى الكتب السماوية، ومن بعدها نستعرض تعريفا تاما لنشأة الحضارة فى مصر.

ونبدأ وبالله التوفيق، وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من غلط أو تقصير أو نسيان فمن نفسى ومن الشيطان، سألين الله التوفيق وأن ينال البحث إعجابكم أن شاء الله.

مصر فى الكتب السماوية

ذكرت مصر صراحة وأشير إليها فى الكتب السماوية سواء فى التوراة أو الأنجيل أو القرآن.

ففى التوراة عندما ذكرت قصة نبى الله إبراهيم لمصر ورد فى سفر التكوين ما يلى:

وحدث فى الأرض جوع. فانحدر أبرام إلى مصر ليتغرّب هناك. لأن الجوع فى الأرض كان شديدا. وحدث لما اقترب أن يدخل مصر أنه قال لساراى امرأته إنى قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر. فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته. فيقتلوننى ويستبقونك. قولى إنك أختى. ليكون لى خير بسببك وتحيا نفسى من أجلك. (تكوين، 12 : 10 – 20)

وأيضا ما جاء فى سفر إشعياء 19:25

“مبارك شعبى مصر”

فى إرميا 2 : 6 يجىء اسم مصر بصورة عارضة فى عبارة:

“الرب الذى أصعدنا من أرض مصر”

وكذلك فى كثيرا من المواضع الأخرى من التوراة والتى وصلت إلى 563 مرة

أما فى الأنجيل فقد ذكرت مصر 23مرة  ومنها:

“ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه. فقام وأخذ الصبي وأمه ليلاً وانصرف إلى مصر. وكان هناك إلى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني” متى 2 : 13-15

أما فى القرآن يقول الشيخ جلال الدين السيوطى أحد علماء الأسم ومشايخه العظماء:

 “لا يعلم بلد في أقطار الأرض أثنى الله عليه في القرآن بمثل هذا الثناء ولا وصفه بمثل هذا الوصف ولا شهد له بالكرم غير مصر”

وقد ذكرت مصر فى القرآن صراحةً فى خمس مواضع منها:

“اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ” (البقرة 61)

“وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا” (يوسف 21).

“فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ” (يوسف 99)

“وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ” (يونس 87)

“وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ” (الزخرف 51)

وفى مواضع كثيرة ذكرت سيناء وأرض الطور فى القرأن، وأيضا ذكرت بصورة غيرة مباشرة فى كثيرا من الأيات القرآنية كقوله تعالى: “أن فرعون علا فى الأرض” وغيرها من الآيات الأخرى

الأرض المقدسة

عندما شاء  رب العزة جل فى علاه أن يقسم بالأرض المقدسة فى سورة التين قال:

“وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”

فالتين والزيتون هى بلاد الشام والقدس، وطور سينين هو جبل الطور فى سيناء، والبلد الأمين مكة المكرمة، كما جاء فى التفسير. من هنا يتضح لنا قدسية أرض مصر ممثلة فى سيناء وجبل الطور الذى تجل ربنا سبحانة وتعالى على الجبل لسيدنا موسى عليه السلام، وهذا لم يحدث لأى بقاع المعمورة إلا فى مصرنا الغالية، وهو تشريف عظيم للأرض المصرية.

وقول المولى عز وجل لسيدنا موسى:

“إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى” سورة طه 12

فما أعظمة من تكريم لقداسة وطهر ونقاء تلك الأرض المباركة، وليس هذا فقط فقد كرم الله نبت أرض مصر فقال تعالى:

“وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ” سورة المؤمنون20

وأن تحدثنا بذلك المنطلق فلم تكفينا مجلدات ومجلدات فى حقيقة طهر ونقاء أرض مصر المباركة.

الأنبياء فى مصر

من المعروف أن مصر شرفت بوجود أنبياء الله على أرضها الطاهرة، فمنهم المصرى الخالص، ومنهم من تربى وعاش فى مصر ومنهم من جائها زائرا او مهاجرا إليها. ومنهم وعلى سبيل التذكير وليس الحصر نبى الله أدريس، وهو أول من خط بالقلم كما جاء فى الكتب السماوية والسنة النبوية، وهو مصرى عاش ومات فى أرض مصر الطاهرة.

وأيضا نبى الله إبراهيم عليه السلام والذى زار مصر بل وشرفت مصر بزواجة بالسيد هاجر أم نبى الله أسماعيل عليه السلام جد نبينا محمد صل الله عليه وسلم، ومن هنا فالمصريين أخوال العرب مرتين مرة من ناحية السيدة هاجر أم أسماعيل عليه السلام، ومرة أخرى من ناحية السيدة مارية القبطية والتى أهداها مقوقس مصر للنبى صل الله عليه وسلم وأنجبت لنبينا محمد صل الله عليه وسلم  أبنه إبراهيم.

وأيضا نبى الله يوسف عليه السلام وقصتة معروفة للقاصى والدانى، بغضه أخوته وأحتضنته مصر، فسار مالك الخزانة بها وكبير الوزراء فيها، والذى أستقبل بطبيعة الحال والده نبى الله يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم جميعا السلام، ومن المعروف أن سيدنا يوسف وسيدنا يعقوب ماتوا فى مصر ونقلوا إلى فلسطين بعد موتهم.

كما ولد وتربى فى مصر عددا أخر من الأنبياء فى مصر عاشوا وماتوا فيها، ومنهم ذا الكفل ويوشع بن نون ونبى الله دانيال عليهم جميعا السلام. ولا ننسى نبى الله موسى وأخوه هارون عليهما السلام، وهم من ذرية سيدنا يعقوب بن أسحاق وتلك الذرية عاشت فى مصر أكثر من 400عام.

ومنهما من جائها هاربا من ظلم الرومان وهو سيدنا عيسى عليه السلام وأمه الطاهرة البتول مريم عليها السلام. ومن هنا وبسبب كل ما سبق  أعترف أنى مريض بحب مصر، مثلى فى ذلك مثلك كثير من سكان المعمورة وإليكم الدليل بشكل موثق فيما يلى.

أنا وظاهرة الإجيبتومانيا!

تسيطر على شخصيا ظاهرة الإجيبتومانيا وهى ظاهرة معانها بكل بسطاة حب التاريخ المصرى القديم والفخر والأعتزاز بما صنعوه أجدادى. ويمكن القول بأن ظاهرة الإجيبتومانيا كانت منتشرة أيضا عند قدماء المصريين، وكانت تأخذ صورة التغنى دائما بالماضى باعتباره أفضل من الحاضر – وهذا هو حال كل المصريين إلى الآن- الذى كانوا يعيشون فيه.

فالمصرى القديم الذى كان يعيش فى بداية عصر الأسرة الثامنة عشرة مثلا كان ينظر إلى المصريين الذين عاشوا فى عصر بناة الأهرام فى الأسرة الرابعة باعتبارهم من المصريين القدماء. وذلك على أساس أن الفاصل الزمنى بينه وبينهم كان   يتجاوز  ألف ومائة سنة. وبطبيعة الحال فإن مصريين الأسرة الثامنة عشرة كانوا مبهورين أمام عظمة الأهرام وتمثال أبى الهول(1). وهكذا النظرة لكل جيل من أجيال المصريين للأجدادهم السابقين.

الاجيبتومانيا عند الأوربيين والأمريكان

ليس المصريين فقط سواء القديم منهم أو الحالى هم وحدهم المصابون بظاهرة الإجيبتومانيا -الجميلة كما أعتبرها- بل تعدى الأمر إلى الأوربيين والأمريكان بل وقد سبقنا جميعا فى هذا قدماء الأغريق والرومان.

ففى خلال القرن 17 والنصف الأول من القرن 18م، وفد إلى مصر كثير من الفنانين والرحالة الأوربيين الذين رسموا مئات اللوحات عن مظاهر الشرقية التى كانت سائدة فى مصر خلال تلك الفترة، وعن الآثار المصرية الضخمة خصوصا الأهرام وأبو الهول وغير ذلك من المسلات والمعابد الفرعونية الضخمة التى كانت تطل على أجزاء منها ما بين الرمال التى دفنتها فى الأزمان الغابرة(2).

لوحة فنية بريشة المستشرق البريطاني ديفيد روبرتس تجسد رحلته إلى ربوع ومعالم وآثار مصر العظيمة والتي قام بها عام 1838 واستغرقت عاما كامل
لوحة فنية بريشة المستشرق البريطاني ديفيد روبرتس تجسد رحلته إلى ربوع ومعالم وآثار مصر العظيمة والتي قام بها عام 1838 واستغرقت عاما كامل

لوحة فنية بريشة المستشرق البريطاني ديفيد روبرتس تجسد رحلته إلى ربوع ومعالم وآثار مصر العظيمة والتي قام بها عام 1838 واستغرقت عاما كاملا.

أمريكان يعبدون رع وإيزيس وآتون

عندما تتمكن ظاهرة الإجيبتومانيا من النفس تماما، فأنها تأخذ مسارات سلوكية مختلفة .. فهناك 17 مليون فى أمريكا وحدها يعتقدون فى ديانة رع أو إيزيس أو ديانة آتون .. أو يعتقدون أنهم من سلالة قدماء المصريين، أو كانوا يعيشون حياة سابقة على أرض مصر الفرعونية(3).

وهذه الجماعات معروفة فى أمريكا ولهم جمعياتهم وحفلاتهم  وأجتماعتهم الخاصة والمنتشرة فى الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك لهم مجلات ودوريات منتظمة يكتب فيها أفكارهم الخاصة عن العقيدة المصرية، وكذلك ترجمة لصلاوات مصرية قديمة والتى لحنت ووزعت فى شكل أسطوانات توزع منها الملايين كل عام، ذاكرين أن تلك الصلوات تسبب لهم راحة نفسيه كما يعتقدون.

وليس من الغريب أن نشاهد الآن صلوات جماعية تجرى طبقا للطقوس القديمة فى ساحات المعابد المصرية، يقيمها جماعة من السياح فى معبد إيزيس بجزيرة فيله جنوب أسوان، أو فى قدس الأقداس بمدينة دندره، أو فى الخلاء قرب أطلال آخت آتون “تل العمارنة بالمنيا” أو فى غير ذلك من المعابد فى مختلف المناطق الأثرية.

وليس غريبا أيضا أن يموت رجل أمريكى بعد دخوله هرم خفرع بالجيزة، وتقول زوجته بصدق أنه تنبأ بهذه الميته وتمناها طوال حياته، رغم أنها لم تكن تتصور أن ذلك سيحدث فعلا بهذه الدقة(4). ولنا الآن أن نتسأل عن سبب أسم مصر؟

أصل اسم مصر

كان يطلق عليها قديما اسم “كيمى” وقد بقى محفوظاً إلى أن جاء الأغريق فأسموها “أجبتيوس” ولم يفسر الاسم تفسيراً شافياً إلى الآن، وأفضل هذه التفاسير “حا- كا- بتاح” أى مكان نفس المعبود بتاح. الذى كان يعبد فى بلدة منف عاصمة الديار المصرية فى عهد الدولة القديمة(5).

ولفظة “كيمى” تعنى الأرض السوداء، وكانت تطلق على الوادى الخصب المنزرع، أما الأرض التى كانت تحيط به من الشرق والغرب فكانت تسمى “تا- دشر” وتعنى بالمصرية البلاد الحمراء أى الصحراء(6). ومن هذه الكلمة أشتق اليونانيون  Aigyptus ومنها اشتق اسم مصر الحالي Egypt.

ولهذا سمي أهل مصر بالاقباط نسبة “حا – كا – بتاح” بعد أستبدل وتحريف بعض الحروف للكلمة الأصلية، وعندما فتح العرب مصر أطلقوا على أهلها لقب (قبط) وتعنى سكان مصر.

وهناك آراء أخرى فى سبب تسمية مصر بهذا الاسم فيرى البعض انها نسبة إلى نقراوس بن مصرايم بن مركابيل بن روابيل بن غرياب بن آدم عليه السلام، وقد أسماها نقراوس علي أسم أبيه مصرايم تكريماً له بعد مماته، وكان ذلك قبل غرق الأرض بالطوفان فى عهد سيدنا نوح عليه السلام.

ويرى البعض الأخر أن سبب التسمية نسبة إلى مصر  بن بنصر بن حام  بن نوح عليه السلام والذى سكن مصر بعد الطوفان.

وكلمة مصر: هى مفرد وجمعها أمصار، وتعنى بلد أو مدينة كما جاء فى المعجم.

والسؤال هنا هل أهل مصر عمرهم 20,000 عام كما هو سائد فى كتب التاريخ؟

مصر من ملايين السنيين

فى قرية صغيرة اسمها “السلسلة” تقع شمال كوم امبو بمحافظة أسوان، عثرت إحدى بعثات التنقيب الأثرية على جمجمة متحجرة لإنسان مصرى كان يعيش فى تلك المنطقة فى عصر موغل فى القدم .. وعندما أجريت الدراسات والفحوص العلمية لتلك الجمجمة باستخدام أحدث أجهزة التحاليل الطيفى والاشعاعى، تبين عمرها يزيد على مليون سنة! ومعنى ذلك أن منطقة جنوب مصر “الصعيد” كانت عامرة ومأهولة منذ أكثر من مليون سنة(7).

أصل سكان مصر

كانت مصر مسكونة منذ عصور ما قبل التاريخ بقوم من الجنس الحامى يقال انه نشأ من البلاد نفسها أى إفريقى الأصل، وينسب إلى لوبيي إفريقية الشمالية المسمين الآن بالبربر، وإلى السكان الحاميين من أفريقيا الشرقية  “الصوماليين” ولا مراء فى أن الحاميين  المصريين يمثلون أقدم مدينة معروفة فى وادى النيل. (8)

خريطة مصر
خريطة مصر

وعلى ذلك تكون مصر جزءا من مجموعة المدنيات الحامية الأفريقية الأخرى ، غير أنه فى قبل الأسرات نجند بعض التغير أخذ يدخل على هذا الشعب الحامى الجنس الناشئ من طبيعة البلاد نفسها، والظاهر أن هذا التغيير جاء عن طريق الهجرة. وأهم العناصر الجديدة التى دخلت البلاد يظهر أنها من أصل أسيوى، وكانت لها مميزات خاصة تختلف اختلافا بينا عن الشعب الأصلى، وهؤلاء الأسيويون قد أختلفوا شيئا فشيئا بالسكان الأصليين وأندمجوا فيهم(9).

شكل مصر فى العصور الأولى من فجر التاريخ

مما لاشك فيه أن شكل مصر فى العصور الجيولوجية الأولى لم يكن كما هى عليه مصر الآن بشكل الوادى والنيل والصحارى والوديان الحالية. فمثلا من المعروف أن نهر النيل الحالى لم يكن كما هو عليه الآن فقد كان هناك النيل الأزرق الذى كان يشق الصحراء الغربية والذى قامت عليه حضارة سابقة مما لا شك فيه، فالماء العذب يجذب إليه البشر والحيوانات ضمانا للمعيشة، وهذا ما يظنه بعض علماء المصريات ولكن الدلائل والحفريات فى تلك المنطقة لم تأخذ مأخذ الجد إلى الآن ولذلك فتأكيد تكون حضارة فى تلك المنطة لم يثبت بعد بشكل قاطع.

  • ويذكر لنا الدكتور سليم حسن

أن نهر النيل الحالى قد شق مجراه فى هذه الهضبة – يقصد مصر- غير المتكافئة فى ارتفاع جبالها، بخط يكاد يكون مستقيما وكون منها منطقتين منفصلتين تختلفا اختلافا بيناً من حيث الأرتفاع والشكل، أحدهما شرقية وتسمى صحراء العرب، والمنطقة الثانية يطلق عليها أسم صحراء ليبيا(10).

وعلى هذا النحو تكون هيكل بلاد الفراعنة فى الزمن الجيولوجى الثالث، وفى نهاية هذا العصر الزمن وبداية العصر الجيولوجى الرابع أخذت العوامل الجوية توثر بفعلها حتى  فى سطح  هذه الهضبة وادى النيل الحالى. إذ كانت تتساقط فى هذه الجهة سيول جارفة يمكن أن نعرف مقدار عظمها وشدتها على الأمطار الأستوائية الحالية.

وكونت هذه الأمطار عدة مجارى من الماء قامت مقام العمال فى نحت وديان عدة فى الصخور، وهذه الوديان قد جف ماؤها  منذ أزمان سحيقة، غير أن أماكنها لا تزال باقية إلى الآن دالة على وجودها رغم نضوب الماء منها(11). ومرت عصور طويلة كانت الأمطار تسقط فيها بغزارة شديدة جدا، فظهرت النباتات البرية ذات الحبوب والثمار والجدور التى تصلح للغذاء، وظهرت بالتالى أنواع كثيرة من الحيوانات والطيور. (12)

ونتيجة لتلك الأمطار الكثيرة كانت هناك أفرع كثيرة لنهر النيل وليس كما هو عليه الآن بفرعية رشيد ودمياط، ولكن تلك الفروع جفت وأنحصرت نتيجة لقلة الأمطار عما كانت عليه فى العصور الجيولوجية الأولى وانحصارها.

فعلى سبيل المثال أثبتت البحوث والدراسات الجيولوجية أن منطقة كوم أمبو كانت فى الماضى عبارة عن بحيرة واسعة من الماء العذب، يصب فيها نهران ينبعان من جبال البحر الأحمر ويخترقان الصحراء الشرقية، وينتهيان إلى مصب تلك البحيرة. كما كانت هناك أيضا عدة أنهار تنبع من تلك الجبال وتحفر وديانها فى الصحراء الشرقية حتى تصل إلى وادى النيل(13).

أما الصحراء الغربية فلم تكن مغطاة بالرمال كما تبدو الآن، بك كانت مناطق مخضرة معشوشية، حافلة بالأشجار والنباتات وعيون المياة العذبة. ودلتا النيل فقد كانت فى البدية خليجاً من الماء المالح يمتد من البحر إلى داخل الأرض .. ثم أخذ النيل يغمرها بطمية المتراكم –كما فعل النيل بالوادى فى صعيد مصر – على مدى آلاف السنين حتى تكونت أرضها .. وجرى النيل فوق الأرض فى عدة فروع لم يعد باقيا منها الآن سوى فرع دمياط وشيد، ولذلك كان النيل يغمر أغلب مناطق الدلتا، فامتلأت بالأحراش والنباتات الكثيفة(14).

اننا نحتاج كثيرا من الخيال حتى نتصور حياة الانسان المصرى الأول فى تلك البيئة الطبيعية فى أرض الصعيد وأحراش الدلتا!

البيئة المصرية القديمة واللبنات الحضارية الأولى للبشرية

يقول الكاتب جمال حمدان: “مصر ملحمة جغرافية تُرجمت إلى ملحمة حضارية، وهى واسطة كتاب الجغرافيا، تحولت إلى فاتحة كتاب التاريخ” فمصر جنة الله فى الأرض وخزانة غلالها وثمارها وخيراتها وسحر وجمال طبيعتها الخلابة ونيلها الفياض وطقسها المعتدل.

فلم يكن غريبا على قدماء المصريين أن يتصوروا جنة الآخرة التى سيسكنها الصالحون على أنها ليست سوى مصر أخرى يجرى فى أرضها نيل أخر، وكانهم لم يكونوا يرغبون فى حياتهم الأخرى فى أكثر من النعمة التى شملتهم فى دنياهم، ولم يتخيلوا أن هناك نعمة أوفر، وحياة أرغد، ذلك أنهم نظروا إلى جيرانهم فوجودهم يقاسون شظف العيش فى أرض مجدبة، فيندفعون -إذا انقطعت عنهم أسباب الحياة – إلى مصر مغيرين أو متسللين(15).

فالمصرى القديم لم يجد حين يلتفت حولة إلى جيرانة سوى مجموعات بدائية تنتقل هنا وهناك دون أن تدرك من مظاهر الحضارة شيئا يمكن أن يُقارن بحضارته الراقية فى شتى مناحى الحياة، وكان المصريون منذ فجر التاريخ يشعرون بأنهم هم الذين وضعوا اللبنات الأولى فى الحضارة البشرية(16).

ويظهر تأثير البيئة فى مصر، ليس فقط فى الخطوط الطويلة الموحدة لتكوينها الطبيعى-وكان لهذا تأثير فى التنظيم الاقتصادى وفى التطور السياسى-بل أن البيئة كان لها تأثير أيضا على العمارة المصرية القديمة(17). وترجع أصالة الحضارة المصرية بدون شك، إلى العامل الجغرافى، وذلك لأن مصر بلد متميز عن غيرة من البلاد الأخرى، فقد كانت هناك أربع ظواهر جغرافية أثرت فى المجتمع المصرى القديم(18).

  • الواحات.
  • الصحراء الجافة المترامية شرقا وغربا.
  • أن مصر تبلغ فى الطول عشرة أضعاف العرض.
  • وأخير النيل.

مصر الواحة الخضراء وجنة الله فى الأرض

منذ وقت طويل أكد بعض علماء الجغرافيا، أن مصر تعتبر واحة (وفى الواقع أن كلمة واحة كلمة مصرية لها أصل مصرى قديم) ولنا أن نضيف أنها واحة صحراوية. والواحة لا تعتبر فقط نقطة خضراء فوق سطح صحراوى. كما جرت العادة على تعريفها، ولكن الذى ساهم فى خلق واحة بمصر وبصورة مباشرة مجموعة من العوامل الطبيعية والنشاط البشرى أيضا(19). وهذان العاملان متلازمان بصفة أساسية، بحيث إذا لم يتواجد إحداهما، فإن طابع الواحة لا يصبح له أى وجود.

وفى ظل هذا المناخ  الصحراوى لمصر كان لابد من ثلاثة عوامل لخلق هذه الواحة: المياة، الأرض الصالحة للزراعة، والمجهود البشرى، ولابد من وجود هذه العوامل متكاملة. والمعجزة الحقيقة فى مصر هى نهر النيل والذى اعطى لمصر المياة العذبة والأرض الصالحة للزراعة(20).

هل مصر هبة النيل؟

تحدث بعض العلماء عن العوامل الفريدة للحياة على شواطئ النيل، وقد نسوا أن هذه العوامل ليست إلا من عمل الأنسان الذى روى الأرض للزراعة(21). وعلى الرغم من ذلك يردد البعض ما قاله هيرودوت بأن مصر “هبة النيل” ولكن إذا كان النيل قد أعطاها الأرض الخصبة. فهى أولا وقبل كل شئ من إعداد الإنسان، وقد تأثر الإطار الجغرافى منذ البداية بمجهود الإنسان. (22)

الشعب المصرى أقل الشعوب ثورة

يتعجب بعض المؤرخين من استقرار شعب مصر وهدوئه والذى “يعتبر أقل الشعوب ثورة”، وهذه الخاصية ليست مجرد وهم ولكن عوامل الاستقرار قد تواجدت أيضا بفضل وجود حكومة قوية من الناحية السياسية لكى تستطيع أن تراعى شئون الرى وتنظيم توزيعه(23).

فساد الهدوء ربوع مصر بسبب وفرة الخيرات والذى ترتب عليه بطبيعة الحال الأمن والأمان داخل البلاد، فى الوقت التى كانت فيه -ما تدعى الآن بأنها دول متقدمة وراقية – يقمون بأكل لحوم البشر يتجولون حفاة عراة بين الغابات والمستنقعات، تحكمهم الهمجية ويسودهم التوحش، كان الشعب المصرى يسطر التاريخ بأقلام من ذهب ومداد من نور.

الرقى والتقدم وقيام الحضارة فى مصر القديمة

ان وادى النيل المعشب الواقع شرق ارض الصحراء لم يجذب الى داخل جدرانه الصخرية المنكمشة صيادى ما قبل التاريخ المشتتين فحسب بل هيأ لهم مجتمعين التسلط على كل الموارد اللازمة للتقدم الانسانى فى أحوال حسنة جدا لدرجة جعلت الجماعات المحلية التى كانت تتألف منها البلاد تتوحد تدريجيا، حتى أصبحت أول مجتمع عظيم مؤلف من عدة ملايين يحكمهم ملك واحد فى أيديهم كل الأسس الرئيسية الازمة للحضارة. ففى القرون التى تقع بين 5000، 3500 قبل الميلاد قامت أول دولة متحضرة كبيرة فى وقت كانت فيه أوروبا ومعظم غربى آسيا لا تزال مسكونة بجماعات مشتتة من صيادى العصر الحجرى(24).

والأرجح أن أول اندماج تألفت به أمة واحدة حدث فى وقت لا يتجاوز سنة 4000 ق.م وقد كان من نتائجه أن بقيت البلاد متحدة مدة بضعة قرون أطلق عليها الآن اسم (الأتحاد الأول) وكان من نتيجته تأسيس حكومة مركزية قوية  تعد أقدم نظام إنسانى معروف يضم عدة ملايين من الأنفس(25).

ولما تألف (الأتحاد الثانى) فيما بعد بدأ تطور قومى فى شكل هائل فى نظام الحكم ونواحى الاقتصاد والاجتماع والدين والعمارة والفن والأدب أخذ يسير بخطى ثابتة مدة ألف سنة من القرن الخامس والثلاثين إلى القرن الخامس والعشرين ق.م، وهذا العصر البالغ ألف سنة هو مرحلة فريدة فى حاة الإنسان على الأرض لأنه يوضح لنا أن أول فصل فى تقدم الحياة البشرية إنما هو عملية اجتماعية، تكشف لنا عن مبدأ ظهور العوامل الاجتماعية وتأثرها فى المجتمع الإنسانى.

ومن المهم أن نؤكد كلمة “فريدة” التى أستعملناها فى العبارة السابقة، لأنه لم يكن فى العصر البعيد نمو مطرد متعاقب فى اى بقعة آخرى من بقاع العالم القديم، وان مدة الألف سنة هذه هى التى وضعت مصر من الوجهة الخلقية والثقافية فى مرتبة تفوق بكثير ما كان فى بابل حيث كانت الشحناء قائمة بين بعض المدن وبعضها  الآخر (26) وذلك على سبيل المثال فى ممالك العالم القديمة.

مصر تكرم الوافدين عليها

فى العادة كانت تكرم مصر الوادين عليها، ومن الأدلة على ذلك  استيطان عدد كبير من الأسويين فى مصر فى فترات معينه – كما سبق الذكر فى أصل الشعب المصرى- فعملية التسلل إلى مصر عملية قديمة، حتى أن الكثير من الوافدين-المتسللين- فضلوا البقاء بمصر بعد زوال أسباب الازمة، واحتلال الهكسوس لمصر فى عصر الأنتقال الثانى هو أحد مظاهر هذا التسلل.

وقد استمر تدفق المهاجرين على مصر فى العصور التالية، كأن المصريين لم يستوعبوا درس الهكسوس، فقد كتب أحد ضباط الجبهة إلى رئيسة أثناء حكم مرنبتاح – من الأسرة التاسعة عشر (1224-1214ق.م تقريبا)- تقريراً أشار فيه إلى شئ من هذا القبيل:

رسالة أخرى إلى سيدى القائد: لقد أنتهينا من السماح للبدو من قبائل أدوم بأجتياز قلعة مرنبتاح – حتب حر ماعت – فليعيش فى رخاء وصحة – الواقعة فى ثيكو، لزيارة بحيرات بيثوم لمرنبتاح – حتب حر ماعت الواقعة فى ثيكو لكى ننقذ حياتهم من الموت، حسب العطف السامى من الفرعون- فليعش فى رخاء وصحة(27).

والسؤال أين كان يعيش سكان مصر قبل النزول إلى الوادى وما مهنتهم وشكل المجتمع الذى كانوا يعيشون فيه؟

كان أهل مصر قبل أن ينزلوا الى وادى النيل يعيشون فى الهضاب العالية وفى أماكن مرتفعة لحمايتهم من الفيضانات المتكررة للنيل فى ذلك الوقت الى عهد بداية الاسرات وتوحيد الملك مينا للبلاد. حيث كان البلاد عبارة عن مجموعة من القبال، كل قبيلة لها شيخ يقودها، وكانت هذة القبائل متفرقة فى بر مصر كلها لها عادتها وتقاليدها التى أجبروا حاكم مصر بعد توحيد البلاد بالأحتفاظ وأحترام تلك العادات والتقاليد.

كانت هذه القبائل تعيش على رعى الحيوانات والانتفاع بلحومها وجلودها وأوبرها وصوفها فى معيشتهم اليومية، وكانوا أيضا يعيشوان ويتقوتون على الصيد فى الصحارى، والتى كانت عامرة فى هذا الوقت بشتى أنواع الحيوانات من الغزلان والجاموس البرى والوعل  وغيرها من الحيوانات التى هجرت مصر إلى أفريقيا فيما بعد بسبب جفاف الصحراء وأنعدام الماء فيها.

وأيضا عمل سكان مصر قبل توحيد البلاد فى صيد الأسماك وصنعوا المراكب من البوص ونبات البردى وغيرها من الحرف البسيطة الأخرى. الى أن جف والوادى من حول النيل، وبدء السكان فى النزول الى الوادى والعمل فى زراعة الأرض وأستصلاحها، إلى جانب أن بعضهم أحتفظ بمهنته القديمة إلى جانب الزراعة، وقد قسموا السنه الزراعية إلى فصول وعرفوا مواعيد الفيضانات وموعيد الجفاف.

وكانت هذة القبائل لكلا منها حدود جغرافية لا تتعدها القبائل الأخرى، وأذا تعدتها  قامت الحروب والنزعات بين القبائل من أجل أسترجاع الأرض المغتصبة من القبيلة الاخرى.

وفى هذه الاثناء ساد المجتمع القبلى فى بر مصر كلها، و هو عبارة عن قبائل متفرقة، وكان يحدث نوعا من أتحاد قبيلتين او أكتر عند تعرض أحد القبائل للخطر فيشارك القبائل المتحدة فى صد العدوان عن أى  قبيلة من قبائل الأتحاد ألا أن كان لكل قبيلة على الرغم من الاتحاد عادتها وثروتها الخاصة لا تتدخل فيها القبيلة الاخرى وفى هذه الاثناء بدأت تظهر المدن.

ظهور المدن والقرى فى مصر القديمة

أقام المصرى القديم المساكن وأستقرت كل جماعة من المصريين فى قرية يتعاونون فى زراعة الأراضى المحيطة بهم، ومن تجمع القرى قامت المدن وأخذ الناس ينظمون حياتهم فى تلك القرى والمدن.

نشأة الاقاليم فى مصر القديمة

وبمرور الوقت أنضمت وأتحدت القرى والمدن بعضها إلى البعض فتكونت الأقاليم، وكان لكل أقليم حاكم، وكانت هناك مجموعة أقاليم فى الوجه البحرى و أقاليم فى الوجة القبلى. وبعدها توحدت بعض الأقاليم فى الدلتا، وأصبح لهم دوله صغيرة تسمى مصر السفلى وعاصمتها مدينة (بوتو) والموجود شمال مدينة دسوق بكفر الشيخ حاليا وكان ملكها يزين رأسه بالتاج الأحمر.

التاج الأحمر
التاج الأحمر

إلى جانب أتحاد الصعيد وأصبح له أيضا حاكم، وسمي بمصر العليا عاصمته (نخب) قرب مدينة أدفوا حاليا محافظة قنا، وكان ملكها يزين رأسة بالتاج الأبيض.

التاج الأبيض
التاج الأبيض

وقد كان لكل منها أحكامه وقونينه الخاصة التى يحكم بها فى مملكته الملك، يعاونة بعض الكبراء من مشايخ القبائل المتحدة وبعض الموظفين. ظل هذا الوضع سائدا فى بر مصر كلها إلى أن جاء رجل الأتحاد الأول فى التاريخ المصرى القديم، ألا وهو الملك مينا والذى قام بتوحيد مصر التى كانت تنقسم قبل الأتحاد الى قسمين الدلتا، وتسمى مصر السفلى والصعيد ويسمى مصر العليا.

ويقول عالم المصريات فراسوا دوما: فى خلال الألف الرابع تكونت مملكتان فى الوادى، فى بداية الامر. الأولى فى الشمال وكان حورس معبودها الرسمى، ويعتقد أن عاصمتها كانت “بحدت” الشمال، تل بلمون حاليا. والأخرى كانت فى الجنوب وكانت تعبد “ست” إله مدينة “أومبوس” كوم بلال حاليا(28).

المعبود حورس
المعبود حورس

وغزا أهل الشمال الجنوب وفرضوا عليهم معبودهم “حورس” ثم عادت المملكة وانقسمت من جديد. وفى هذه المرة جاء الغزو من الجنوب، فى بداية الألف الثالث ق.م فاستولى الملك نعرمر على الدلتا، وكرس صلاية تذكارية من الشست تخليدا لهذه المأثر وأقامها فى معبد المعبودة “نخبت” فى “هيراكنبوليس” على مقربة من إدفو(29).

المعبود ست
المعبود ست

جاء الملك مينا أو نعرمر أو نارمر من مملكة الجنوب التى كان يحكمها قبل بداية الأسرات ب32 قرن قبل الميلاد ويقال أنه خلف الملك (سركت) والذى قيل أيضا انه هو (نارمر)  نفسه.

عاصمة مصر بعد الإتحاد

من الواضح أن ملوك الأسرتين الأولى والثانية لم يتخذوا منف عاصمة لملكهم، ولم يفكروا قط فى نقل مقر ملكهم إليها، ويحتمل يحتمل أن منف لم تكن يوما من الأيام عاصمة المملكة المتحدة، والظاهر أن الدور الذى لعبتة فى تاريخ البلاد كان أقل أهمية، فلم تتعد كونها معقلاً للبلاد من الجهة الشمالية أى أنها كانت قلعة حصين.

أما الملوك فإنهم استمروا فى إقامتهم فى جنوب البلاد متخذين بلدة “نخن” مقرا لهم ولذلك كانت أهمية منف الأشراف على بلاد الدلتا التى فتحت حديثا وضمت إلى ملك الصعيد، وقد كان لقرب منف من هذه البلاد التى ضمت حديثا أهمية أخرى إذ جعلتها مركزا سهلا لإدارتها. (30)

وكانت أهم أعمال الملك مينا والتى أدت الى تطور مصر وإنسلاخها من الحكم القبلى او الأقليمى الغير منظم الى الحكم المنظم القائم على أدارات قوية ومنظمة تحكم البلاد وتدير الاقاليم والمدن بشكل ممتاز، ومن أهم أعمال الملك مينا:

  • توحيد قطرى مصر الشمالى والجنوبى.
  • أنشاء مدينة جديدة تتوسط مصر لتكون قريبة من الدلتا والصعيد وسمها (منف) وهى قرية (مية رهينة) حاليا جنوب الجيزة، ويشير الدليل الأثرى إلى أن موقع هذه العاصمة المختارة كان موجودا منذ عصر ما قبل الأسرات، وكان من أبرز ملامح هذه العاصمة المبانى الإدارية مثل المبنى الأبيض الذى أحتوى على المقر الملكى ومكاتب الحكومة، وكانت تلك المدينة  مركزا للوحدة وميزان الأرضين الشمال والجنوب.
  • أقام حول المدينة سورا كبيرا عرف بالسور الأبيض.
  • أقام جيش قوى من أبناء الشمال والجنوب فى أول أتحاد لهم والمحاربة سويا تحت أسم وراية المملكة المصرية، وليس الأقليم.
  • أقام حكومة مركزية قوية، حيث جعل لكل أقليم حاكم ولكل مدينة عمدة، إلى جانب كم هائل من الموظفين تحت أمرتهم يسجلون ويتابعون ويساعدون الحاكم فى كل صغيرة وكبيرة فى الأقليم، وكل هذا كان تحت إمرة الوزير الذى كان يخلف الملك فى الشئون الإدارية فقط للبلاد.
  • أنشاء جهاز للشرطة كان غرضة الأول ومهمتة الأولى هى توزيع مياة النيل بالتساوى بين الموطنين لرى الأراضى الزراعية.

الإحتفال بعيد إتحاد القطرين المصرى

وأصبح  توحيد القطرين المصريين عيدا يقام كل عام عند المصريين يخرجون فيه للأحتفال بمناسبة ذكرى أتحاد الوجهين، ويقول الدكتور حسين عبد البصير:

وازدانت مدينة “إنب حدج” (أو “الجدار الأبيض”) بالرايات وعلامات الزينة خصوصا على أسوارها القوية البيضاء المبنية من أحجار منطقة طره الجميلة. وناد العيد المجيد الجموع، فلبى أهل مصر النداء هارعين إلى العاصمة من كل حدب وصوب من الدلتا، ومن الصعيد، ومن النوبة، ومن سيناء، ومن الصحراء الشرقية، ومن الصحراء الغربية.

وقطعوا كل الطرق والدروب وحملتهم صفحة النيل العظيم بغية الوصول إلى العاصمة الجديدة، ووصلوا إلى إنب حدج ليبايعوا ويهنئوا الملك المؤسس ويؤيدوا الوحدة ويشهدوا وقائع احتفال مصر بتوحيد القطرين وضم الشمال إلى الجنوب فى مملكة واحدة يحكمها الملك مينا الذى ارتدى لأول مرة تاجا واحدا هو التاج المزدوج الذى جمع فى تكوينه بين تاج الصعيد ذى اللون الأبيض وتاج الدلتا ذى اللون الأحمر، كحل وسط أبدعته العقلية الجمعية المصرية لترضى به جميع القوى الفاعلة على أرض مصر آنذاك.

وقد صورت لنا لوحة او صلاية نارمر  بعض الاحداث فى هذة الفترة.

المجتمع المصرى بعد توحيد البلاد

كان المجتمع المصرى القديم يتكون من مجموعة من الشرائح والطبقات المختلفة منهم الغنى ومنهم الفقير، منهم القائد ومنهم الجندى، منهم السيد وفيهم العبد، ولكن كل ذلك كان يدخل فى منظومة واحدة تعمل  كلها بتناغم وأنسجام إدارى منظم  لهدف واحد ألا وهو رفعة وأعلاء شأن مصر بين دول العالم القديم، وهذا ما جعل لمصر المكانة العظيمة بين ممالك ودول العالم القديمة.

وكانت كل شريحة من شرائح المجتمع  المصرى القديم تعرف حقوقها وواجباتها نحوا البلاد لا يتعدها، فلم نجد صانعا مثلا يتحدث فى السياسة وكان محرما على الصناع تغيير وظائفهم وقيل لعدم التدخل فى السياسة وأمور الحكم، وأيضا لم نرى فلاحا يتقلد وظائف إدارية ومناصب فى حكومات مصر القديمة، فقد كانت الشرائح والطبقات فى مصر تورث لأبنائها المهن والصناعات والحرف كما يرث ولى العهد الملك من والده الملك تماما.

وسوف نستعرض دور كل شرائح المجتمع المصرى القديم من واقع ما وصل الينا من نقوش وبرديات قديمة تدل وتوضح ذلك فقد كان المجتمع المصرى القديم يتكون من عدة شرائح إجتماعية لكلا منها مميزات وعيوب وهى كالتالى:

  • الطبقة العليا: ويمثلها فرعون وأسرته.
  • طبقة كبار رجال الدولة: وتشمل الوزراء وكبار الكهنة والكتبة وحكام الأقاليم وبعض المهن المميزة.
  • الطبقة الوسطى: وتشمل صغار الموظفين والتجار وصغار الفنانين والحرفيين المهرة.
  • طبقة العامة: وتشمل عمال الزراعة والرعاة وأصحاب الحرف الصغيرة.
  • طبقة الخدم والعبيد: وتشمل الخدم والعبيد والإماء.

وللحديث أبحاث أخرى فى طبقات الشعب المصرى أن شاء الله، هذا البحث من إعداد الآثارى/ محمود مندراوى – مدير الشئون الأثرية بمنطقة آثار مصر الوسطى.

التعليقات

إترك تعليقاً