التخطي إلى المحتوى
منطقة جبل السلسلة الأثرية بكوم أمبو (بحث كامل) دراسة هامة
منطقة جبل السلسلة الأثرية بكوم أمبو (بحث كامل) دراسة هامة

تعد منطقة جبل السلسلة الأثرية بكوم أمبو هي منطقة المحاجر التي منها تم بناء جميع معابد الدولة الحديثة ومعابد العصر اليوناني الروماني أي أنها ورشة العمل التي منها شيدت المنشآت الدينية في العصور القديمة.

  اشتقاق الإسم :

كان الاسم المصري القديم لمنطقة السلسلة هو “خنو” أو “خني” حيث نراه مكتوباً على صخور المنطقة خصوصاً على المدخل الرئيسي الأوسط لمقصـورة الملك (حور محب) العظيمة بالمنطقة حيث نقرأ: “سوبك نب خنو” أى الإله سوبك رب “خنـو” أو” خني”. وكان الاسـم “خنو” هو الاسم الأقـدم. وفى العصـور المتأخرة كان الاسم ينطق “خِنت” وهو بمعنى “التجديف في الدوامة” نظرًا لوجود دوامة في تلك المنطقة في الناحية الشرقية.

وقد تُرجم هذا الاسم بمعنى (الحاجز) وفى اللغة القبطية تحور الاسم إلى “خلخل” والذي يعنى الحاجز أو السور الحجري وهو بذلك يتناسب مع طبيعة المكان.وفى العصر الروماني تحور الاسم إلى” سِلسل ” والذي تحرف في العربية إلى “السلسلة” وأضيفت أمامه كلمة جبل العربية نظراً لطبيعة المكان الجبلية فأصبح الاسم الحالي الكامل هو (جبل السلسلة). أما الاسم الديني القديم للسلسلة فهو “مو وعب” بمعنى الماء الطاهر أو الماء النقي. ولقد ذُكرت السلسلة في النصوص اليونانية باسم “باتيرس.وكانت هناك أسطورة فحواها أن اسم السلسلة اشتق من أن النيل كان مغلقاً في وجه الملاحة في هذه المنطقة بسلسلة كبيرة تمتد بين ضفتي النهر، وأنه كانت توجد صخرتان غريبتا الشكل كمحطتين ارتبطت بهما السلسلة في الأيام القديمة ، وبالطبع ليس هناك دليل على وجود مثل هذه السلسلة الكبيرة ومن ثَم فالأسطورة ليس لها أي أساس من الصحة.

الموقع والمكان

تقع منطقة جبل السلسلة على بعد حوالي 20 كم شمال مدينـة كوم أمبو وحوالي 70 كم شمال مدينة أسوان, ويقسم نهم النيل منطقة جبل السلسلة إلى قسمين هما: منطقة جبل السلسلة شرق ومنطقة جبل السلسلة غرب. وقد قمنا بتكليف من رؤسائنا بتطوير منطقة جبل السلسلة غرب في المواسم الشتوية من الأعوام 1995 ، 1996 ، 1997، 1998 والتي تم افتتاحها للزيارة عام 1999 .

وتعتبر منطقة السلسلة غرب أخر حدود مركز ادفو من الجنوب، أما السلسلة شرق فتعتبر جزءاً من مركز كوم أمبو، ولكن المنطقتين (السلسلة غرب وشرق) يتبعان من الناحية الأثرية تفتيش آثار كوم أمبو. ويمكن الوصول إلى أي منهما براً والعبور للمنطقة الأخرى عن طريق نهر النيل ،أو الوصول لها عن طريق المراكب السياحية التي ترسو أمام آثار التي بها. كما يمكن الوصول إليها من الطريق العام غربي النيل. وقد تم تطوير منطقة جبل السلسلة غرب وافتتاحها للزيارة.

طبيعة المكان وتاريخه :

ومنطقة جبل السلسلة عبارة عن محاجر غنية جداً بالحجر الرملي الجيد تمتد على جانبي النيل بطول حوالي 2 كم، كما أن لها امتدادًا شمالاً وجنوباً. والناظر من وسط النيل على الجانبين يرى سلاسل جبال الحجر الرملي والمحاجر القديمة التي تظهر عليها آثار ضربات أزاميل عمال المحاجر من العصور القديمة، كما تظهر الآثار من مقاصير ولوحات متراشقة عل جدران هذه المحاجر، كما نرى الرمال الزاحفة بفعل الزمن على هذا المكان. وتمتد المحاجر القديمة في سلاسل متصلة على جانبي نهر النيل في تلك المنطقة مشكلة السلسلة شرق والسلسلة غرب؛ منها المغطى بالرديم ولا يظهر منه إلا أجزاءه العليا ومنها ما يظهر كاملاً. وقد أفلحنا في إزالة الرديم من منطقة آثار جبل السلسلة غرب من محاجرها ومقاصيرها الأثرية حينما قمنا بأعمال تطويرها وافتتاحها للزيارة.

وتتميز المحاجر القديمة بوجود آثار ضربات الأزاميل القديمة وشكلها القديم، وكذلك تتميز بجوانبها المتساوية والتي تظهر لنا قدرة الإنسان المصري القديم وصبره وجلده ومهارته في قطع الأحجار حتى ليخيل لنا كأنه ينحت في قالب من الزبد. كما يرى الناظر أيضاً الآثار التي تركها لنا الأجداد على الجانبين في هذه المنطقة من مقاصير ولوحات ونقوش متداخلة مع المحاجر القديمة في منظومة رائعة, وكل ذلك يوضح لنا القدرة والطاقة في مراحلها المُثْلَى لدى المصريين القدماء في التعامل مع الحجر الرملي لاستخراج كتل الأحجار، وتهذيبها وتسويتها وصناعتها في تلك المحاجر ونقلها عبر النهر إلى أماكن استخدامها.

ويضيق نهر النيل في تلك المنطقة بشكل كبير.ويعتبر هذا الموقع أفضل مكان مناسب يحصل منه الإنسان على الحجر الرملي، ذلك الحجر الذي بدأوا في استخدامه على نطاق واسع ابتداءً من عصر الدولة الحديثة الذي بدأ بالأسرة الثامنة عشرة, حيث توسع المصريون في استخدام الحجر الرملي لبناء معابدهم ونحت تماثيلهم وإقامة آثارهم وهياكلهم المختلفة، مما أضفى على آثار الدولة الحديثة خاصية الرشاقة والروعة والصمود في وجه عوادي الزمن. ولقد حل الحجر الرملي ابتداءً من الأسرة الثامنة عشرة فما تلاها محل الحجر الجيري الذي كان من سمات العمائر الدينية في الدولة القديمة والوسطى، فأصبحت محاجر الحجر الرملي بالسلسلة وامتدادها من الجنوب هي المحاجر الرئيسية حيث غطت على محاجر الحجر الجيري في طره والمعسرة وغيرها.

وقد تم استخدام الحجر الرملي من السلسلة في بناء منشآت الدولة الحديثة ومنشآت العصر المتأخر وكذلك العصر اليوناني الروماني؛ حيث تم استخدام محاجر السلسلة في جميع معابد ومقاصير تلك العصور تقريبا؛ مثل معبد الأقصر ومعبد االرامسيوم والكرنك والقرنة ودير المدينة، وكذلك معابد العصر اليوناني الروماني في دندرة وإسنا وادفو وكوم أمبو…الخ. وظل استخدام الحجر الرملي لمحاجر جبل السلسلة ممتدا حتى عام 200م, حيث توقفت أعمال التحجير بالمنطقة واستراحت الأزاميل والصخور لمدة حوالي 1700سنة، أي ما يقرب من 17 قرن من الزمان.ثم عادت أعمال التحجير في العصر الحديث عـام 1906م في منطقة السلسلة وذلك لإنشاء قناطر إسنا. وظلت عمليات التحجير بعد ذلك بالمنطقة. وفى الوقت الحاضر قمنا بإيقاف جميع المحاجر بالمنطقة حتى لا تُلقِى بتأثيراتها الضارة على الآثار الموجودة في هذه المنطقة الجميلة.

قداسة المنطقة في العصور القديمة:

لقد كانت منطقة السلسلة بكل الأدلة منطقة مقدسة عند المصريين القدماء ومن ثّمَّ كانت تؤخذ منها الأحجار المباركة لبناء المباني المقدسة.وتدل الآثار التي تُركت بالمنطقة على هذه القداسة التي حظيت بها تلك المنطقة، وذلك لقربها وارتباطها بنهر النيل، ومن ثَمَّ فقد عُبدت في هذا المكان المعبودات المرتبطة عندهم بهذا النهر الذى يمنح الحياة والخصوبة؛ فقد عُبد إله النيل”حعبي” (حابي)، وبالإضافة إلى (حابى) إله النيل نجد المعبود المحلى لمنطقة السلسلة وهو (سوُبك) الذي يُرمز له في الغالب برأس تمساح وجسم بشرى حيث كان التمساح يعيش في ذلك النهر العظيم, وقد عبدوه نظرا لما يحدثه من فزع ورعب وافتراسه للبشر والحيوانات فعبدوه اتقاء لهذه الصفات فيه. لذلك كان سوبك المعبود المحلى لمنطقة السلسلة؛ ونقرأ ذلك في نقوش المنطقة خصوصاً على واجهة المدخل الأوسط الرئيسي لمقصورة الملك حور محب، حيث نقرأ “سوُبك نب خنى” أي (سوُبك رب السلسلة). وكان سوبك هو الإله المحلى لكوم أمبو ولعدد من المناطق التي تقترب و ترتبط بنهر النيل كالسلسلة والفيوم.

كذلك نجد ثالوث الشلال( خنوم و ساتت وعنقت ) والإلهة (تاورت) إلهة الحمل والتي يرمز إليها بأنثى فرس النهر,وهى من المعبودات المائية المرتبطة بالنيل عندهم. وبجوار المعبودات المائية الخاصة بالنهر نجد معبودات أخرى ظهرت في نقوش المنطقة ويُقدم لها القرابين مثل أوزيريس و بتاح و مونتو و جحوتي, هذا بالإضافة إلى سيد معبوداتهم الوثنية في الدولة الحديثـة وهو المعبود الرسمي للدولة (آمون رع) وزوجته موت وابنهما خونسو. لذلك ولأجل هذه القداسة والقرب من الآلهة المائية وبما للمنطقة من سحر مستمد من جمالها وطبيعتها وجودة الحجر الرملي، كل ذلك جذب ملوك الدولة الحديثة وما تلاها لإرسال بعثات التحجير لمنطقة جبل السلسلة للحصول على الأحجار اللازمة لبناء منشآتهم الدينية، وفي نفس الوقت ينحتوا فيها مقاصيرهم التذكارية ولوحاتهم ونقوشهم وتذكاراتهم, وذلك بالتزامن مع عملية اقتلاع الأحجار؛ حيث نجد عدداً من ملوك الأسرات الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين وما تلاها ينحتون أو تُنحت لهم مقاصير ولوحات ومحاريب ونقوش في رحاب هذه المنطقة المقدسة وتقربا من المعبودات المرتبطة بها.

ففي السلسلة غرب نجد المقصورة التذكارية العظيمة للملك حور محب والمنحوتة في ضخر الجبل على النيل،وهي المزار الرئيسي في المكان، كما نجد مقاصير من عهد الملكة حتشبسوت و تحتمس الثالث وأمنحتب الأول و سيتى الأول و رمسيس الثانى و مرنبتاح و رمسيس الثالث ورمسيس الخامس ورمسيس التاسع. وكذلك شاشانق الأول من الأسرة الثانية والعشرين. ولقد حذا بعض الأمراء و بعض كبار رجالات الدولة وكبار الموظفين حذو ملوكهم في تسجيل أسماءهم ونحت مقاصير لهم بمنطقة السلسلة غرب في رحاب هذه القداسة مثل الأمير “خع مواست” الشهير الابن الرابع للملك رمسيس الثاني والوزير “باسر” وزير رمسيس الثاني, وكذلك “بانحسي” من كبار رجالات الدولة في عهد الملك “مرنبتاح” ,بالإضافة إلى عدد آخر من كبار الموظفين من الأسرة الثامنة عشرة. و هناك من هذه المقاصير ما تحول للدفن في عصور لاحقة, وهناك دفنات أيضاً كانت تتم في هذه المنطقة المقدسة في نفوس المصريين القدماء.

و في منطقة السلسلة شرق التي لم يتم تطويرها بعد فنجد عددا من اللوحات أهمها لوحة أخناتون وهي لوحة هامة وفريدة على مستوى الحضارة المصرية؛ فهي اللوحة الوحيدة والسجل الوحيد في مصر الذي يصور الملك أمنحتب الرابع (أخناتون) قبل اعتناقه الوحدانية كديانة جديدة.

كما نجد عددا من اللوحات المتباعدة عن بعضها البعض منها الغير مكتملة. كما توجد مجموعة من تماثيل لأبي الهول وهذه التماثيل نرى منها ثلاثة على شكل أبي الهول برأس كبش منحوتة في الصخرة الأم تتباعد عن بعضها في المسافة بالمنطقة.ويبدو أن هذه التماثيل كان مزمع وضعها في طريق الكباش الشهير الذي يصل ما بين معبد الأقصر ومعبد الكرنك والذي تم نحت تماثيله من هذه المنطقة. وتوجد أيضا بمنطقة السلسلة شرق آثار هامة وفريدة وهي مجموعة مساكن عمال المحاجر الذين كانوا يعملون بالمنطقة في تلك العصور السحيقة. وهذه المساكن فريدة وتتميز بها محاجر جبل السلسلة شرق عن سائر المحاجر الأخرى من جميع العصور القديمة.

وهذه المساكن عبارة عن مغارات ضخمة منحوتة في الجبل شاهقة الارتفاع تشكل حجرات عديدة هائلة الحجم يؤدي عدد كبير منها إلى بعض وقد نتجت هذه المساكن عن تفريغ الحجر منها باقتلاعه من المنطقة لاستخدامه في إنشاء المباني الدينية؛ بحيث كان الهدف اقتلاع الأحجار وفي نفس الوقت استخدام المكان بعد تفريغه للسكن فيها.كما توجد مجموعة من المقاصير المنحوتة في الصخر، منها المهدم ومنها المدمر تعود لعصر الملك أمنحتب الثالث. كذلك توجد مقابر صخرية صغيرة في الجزء الشمالي من منطقة السلسلة شرق تعود للعصر اليوناني الروماني. كما توجد بعض الدفنات الترابية بالمنطقة. وتنتشر بالسلسلة شرق مجموعة من المحاجر الأثرية الناتجة عن اقتلاع الأحجار من المنطقة. ويوجد بهذه المنطقة أضخم محاجر أثرية في العالم. هذا بالإضافة إلى العديد من النقوش الصخرية الموجودة بكثافة في منطقة السلسلة شرق. كما يوجد المرسى القديم الذي كان يستخدمه العمال وترسو أمامه المراكب في العصور القديمة.وهو يقع على النيل غير بعيد عن مرمى البصر للداخل لمنطقة السلسلة شرق من الناحية الشمالية.

المحاجر القديمة:

وكلما مررنا على جانبي النهر في منطقة السلسلة نجد المحاجر الأثرية ممتدة ومتصلة , ومعظمها مغطى بالرديم الناتج عن أعمال التحجير القديمة, وكذلك منها ما غطته الرمال الناعمة الزاحفة مع الزمن وفعل الرياح. ونرى ضربات الأزاميل القديمة واضحة لاقتلاع الأحجار آية في الإعجاز والصبر. وإنك لترى المحجر وقد اقتلعت منه الأحجار وقد تساوت جوانبه الضخمة الشاهقة الارتفاع كأن المصري القديم كان يقطع في قالب من الجبن أو الزبد. كما نرى علامات عمال المحاجر التي تركها رؤساء الفرق الخاصة بالعمال الذين يقومون بالتحجير نراها واضحة على جوانب المحاجر. وقد ارتبطت المقاصير واللوحات والنقوش بهذه المحاجر ارتباطاً وثيقاً.

حملات التحجير:

وقد كانت حملات التحجير في العصور القديمة يُجهز لها ويُعمل لها الاستعدادات من جانب الملوك وتُكرس لها جهود كبيرة خصوصاً البعثات التحجيرية الكبرى.

وعن حملات أو بعثات التحجير وكيفية تكوينها فيمكن أن نعرفها في صورتها المُثْلَى بالنظر إلى حملة الملك رمسيس الرابع إلى محاجر وادي الحمامات ويمكن أن نقيس عليها باقي حملات التحجير إلى المحاجر الأخرى مع اختلافات طفيفة قد تسببها حجم الحملة من حيث الكبر أو الصغر كما نستنتج منها كيفية وحجم التجهيزات التي كانت تجهز بها الحملة . وحملة رمسيس الرابع التحجيرية هي حملة متفوقة متكاملة. وكما تقول النصوص القديمة فإن الملك قد تأنَّى في إرسالها ورجع إلى كتب بيت الحياة , وبعث حملة استطلاعية قبل إرسالها.

وقد تكونت تلك الحملة المتفوقة من 9368 عاملاً , وأسند الملك القيادة العامة لهذه الحملة إلى 13 شخصية كبرى ؛ منها الرئيس الأعلى لكهنة آمون ومعه من يثق بهم ثم عشرين خبيراً من هيئة الجيش ، وقد كان هؤلاء الخبراء يعاونون في حل المشاكل التي كانت تعترض المهندسين , كما كانت الحملة تحتوى على 91 من رؤساء الاسطبلات ومن الفرسان والسياسيين وخمسين من رجال الشرطة بمختلف رتبهم وخمسين موظفاً من مختلف الدرجـات ، وكان عماد الحمـلة يتكـون من 5000 جندياً و2000 من خـدم المعابد و800 من الأجانب المرتزقة و900من موظفي الحكومة المركزية يُدرجون ضمن هذه الحملة ولكنهم كانوا لا يصحبونها عن قرب . وكان مع الحملة عربات تجرها ثيران كثيرة العدد كما لو كانت جيشاً.

أما الخبراء العاملون فهم رئيس هيئة الفنانين وثلاثة من رؤساء عمال المحاجر و130 من الحجارين والنحاتين ورسامان وأربعة من الحفارين . أما القسم الأكبر من العمال فكان يعمل فى جر الأحجار على زحافات أو في إحضار الطعام. وقد كانت المشكلة الكبرى التي تواجه الرؤساء هى إطعام آلاف الرجال وسط الصحراء , وتوزيع القليل من المياه على كل منهم والقليل من الجعة والكسرة من الخبز ، أما الرؤساء فقد كانت لهم كميات أوفر بالإضافة إلى إطعام الحيوانات المرافقة. وكان العمال الذين يصلون قبل زملائهم يقومون برفع الأحجار الموجودة فوق الطريق , ومن يأتون من بعدهم عليهم أن يتسلقوا المنحدرات ليدحرجوا الكتل الضخمة من أعلى إلى أسفل. ومن الجدير بالذكر أن الكثير من عمال المحاجر كانوا من أسرى الحروب أو من المحكوم عليهم ، ولكن كان الكثيرون من المصريين يمارسون أيضًا هذا العمل. وبالقياس إلى هذه الحملة الكبرى نستطيع أن نستنتج كيفية تكوين الحملات الصغرى أو المتوسطة فهي لابد أنها كانت أقل عدداً ولكن لابد أنها كانت تحتوى على نفس النوعية من التصنيف والتقسيم في العمال والرؤساء والفنانين والنحاتين والحجارين والحفارين ، كما نستخلص أنه كان يشترك في هذه البعثات التحجيرية عدد من الجنود وخدم المعابد وأنه كانت هناك شرطة لحراسة هذه الحملات.

كـيـفـيــة اقتــلاع الأحـجــار:

أما عن كيفية اقتلاع كتل الأحجار من صخرتها الأم فكان ذلك يتم بفصل الكتلة المرغوب في قطعها من جهاتها الأربع وذلك بخوابير من الخشب وعروق مبللة بالماء، أو أن الآلات التي كانت تستخدم في ذلك كانت آلات معدنية وهى أزاميل ومناقير من النحاس الأحمر أو البرونز، ومن ثَمَّ فقد كان الاثنان يستعملان جنباً إلى جنب، وكذلك كانت تستعمل مدقات من الخشب ومطارق من الحجر يُطرق بها على الأزاميل والمناقير.

المحجر الأثري الجنوبي الضخم بالسلسلة غرب كنموذج للمحاجر الأثرية:

يوجد محجران ضخمان هامان بالسلسلة شرق يرتفع أحدهما بجدرانه الحادة لحوالي خمسين مترا في منظر مهيب ورائع،مما يوضح لنا صبر وجلد وقوة عمال المحاجر في مصر القديمة. ولكن لم يتم عمل حفائر ودراسة في هذين المحجرين الضخمين ،لذلك سنتحدث عن أحد المحاجر القديمة بالسلسلة غرب التي قمنا بتطويرها وهو المحجر الضخم الذي يقع جنوب المنطقة كنموذج واضح للمحاجر القديمة بالمنطقة. وهذا المحجر تنتهي به الزيارة جنوباً سيراً على الأقدام ، تلك الزيارة التي تبدأ بأول أثر بالسلسلة غرب وهو المقصورة العظيمة للملك حور محب (معبد حور محب) ومنها تنطلق الزيارة جنوباً مارين بالمقاصير واللوحات الأخرى على مدق شبه مستقيم محصور بينها وبين النيل لتنتهي الزيارة بهذا المحجر الجنوبي الضخم والذي لا يقع جنوبه آثار سوى مجموعة آثار عهد الرعامسة, والتي لا يمكن رؤيتها إلا من خلال نهر النيل. والمحجر الجنوبي هو محجر قديم ضخم واسع شاهق الارتفاع عظيم المنظر غير منتظم الأبعاد ويحتوى على بعض الدخلات، وترتفع جدرانه الصخرية– التي تكونت نتيجة اقتلاع الأحجار منه- إلى حوالي أكثر من 30 متر وهذا المحجر مفتوح على النيل في أقصى جنوبه الشرقي فيما يشبه شرفه عالية تشرف على نهر النيل ، كما أن الذي يقف فوق هذه الشرفة يرى أمامه نهر النيل والنباتات والشاطئ الآخر للنيل كل ذلك منظر آية في الروعة والجمال . وزائر هذا المحجر حينما يدخله يشعر بشئ من العزلة الجميلة والرهبة المحبوبة والخيال الرومانسي الحالم حتى ليتمنى أن يعيش وقتاً بين جنباته مفكراً متدبراً ناسكاً في عالم الجمال الخالد.

ويرى الزائر أيضاً على الجدران الصخرية لهذا المحجر آثار ضربات الأزاميل القديمة وعلامات فرق عمال المحاجر في العصور القديمة, كما يجد كذلك حُفراً صغيرة في أماكن عالية في جدرانه ربما استخدمت ليضع العمال فيها أمشاط أرجلهم وأيديهم لتساعدهم على التسلق والتنقل أثناء عملية التحجير أو لوضع آلات لعلها من الخشب أو خلافه لتساعدهم في عملية التحجير واقتلاع الأحجار. كما نجد في أقصى الناحية الجنوبية الشرقية لهذا المحجر العملاق دَرَج نُحِتَ بطريقة غير دقيقة لعل الغرض منه كان الصعود إلى أعلى هذا المحجر وإلى باقي الصخور والجبال الأخرى المحيطة بهذا المحجر, وكذلك ليساعدهم في عملية التحجير أيضاً.

وقد أدت أعمال النظافة التي قمنا بها لهذا المحجر في بعض من أجزاءه ونقل كميات كبيرة من الرديم أدت إلى ظهور علامات في أجزاء من أرضية المحجر الغير منتظمة الارتفاع, وهذه العلامات عبارة عن شقوق بالأزاميل تشكل مستطيلات بشكل كتل حجرية كبيرة لم يتم اقتلاعها بعد مما يساعدنا على تفهم كيفية اقتلاعهم للكتل الحجرية. كذلك وُجدت بجوارها كتل مكعبة كبيرة من الحجر الرملي تم اقتلاعها ولم يتم نقلها من المحجر، كما وجدنا بعض تيجان الأعمدة التي تم اقتلاعها ولم تنتهي زخرفتها ولم يتم نقلها إلى أماكن تشييدها بل هي مازالت موجودة الآن بالمحجر. وقد ظهرت في أرضية المحجر أيضاً فراغات بشكل تيجان تم اقتلاعها وفراغات بشكل اسطواني لأبدان أعمدة بعد اقتلاعها ونقلها، وكذلك فراغات في جدران المحجر عبارة عن عينات كانوا يأخذونها في العصور القديمة لاختبارها وفحصها لاستبيان مدى جودة الحجر في هذه البقعة من المحجر.

وكل ذلك يساعدنا في معرفة كيفية اقتلاع الكتل الحجرية وكيفية عمل الأعمدة وتيجانها قبل نقلها إلى أماكنها. ومن الجدير بالذكر أننا نجد فتحات في الزوايا البارزة للجدران الصخرية لمدخل هذا المحجر من ناحية النهر ومجاورة للشاطئ ، وكذلك في أماكن أخرى متفرقة من المحجر بعضها في عمق المحجر بعيداً عن الشاطئ , وهذه الفتحات يرى الكثير أنها كانت تستخدم لكي تُربط بها المراكب الراسية حتى لا تتحرك أو حتى لا يجرفها تيار الماء من أماكنها.

لكنني أرى أن لهذه الفتحات استخدام آخر بجوار استخدامها كمرابط للمراكب, وذلك لأنه إذا كان الرأي القائل باستخدام هذه الفتحات كمرابط للمراكب الراسية ينطبق على الفتحات القريبة من الشط إلا أنه ليس من المعقول أن ينطبق على الفتحات من نفس النوع والتي توجد في عمق المحجر بعيداً عن الشط مما يرجح استخدام تلك الفتحات البعيدة في غرض آٌخر، وفى رأيي أن هذا الغرض هو نقل الكتل الحجرية الضخمة مما يتم اقتلاعها من المحجر, وتحميلها على المراكب وذلك بأن ينقسم العمال إلى مجموعتين؛ مجموعة تقوم بإدخال حبل في هذه الفتحة المقصودة بينما تقوم المجموعة الأخرى بسحب طرف الحبل وربط الكتلة الحجرية المراد نقلها إلى مكان استخدامها بحيث توضع على براطيم خشبية، ثم تقوم هذه المجموعة الأخرى بمرافقة الكتلة الحجرية المربوطة وسحبها على البراطيم الخشبية على أرضية المحجر المنحدرة في اتجاه النهر، بينما تقوم مجموعة العمال الأولى بالتحكم في الحبل وتفريطه رويدًا رويدًا من خلال تلك الفتحة المشار إليها حتى لا تتدحرج الكتلة الحجرية سريعا، وتظل المجموعة الأولى تفرط الحبل رويدًا رويدًا والمجموعة الأخرى تصاحب الكتلة الحجرية وتسحبها على البراطيم الخشبية في اتجاه النهر إلى أن تصل إلى المركب حيث يتم رفعها على ظهر المركب لتسير بها المركب إلى مكان استخدامها . والدليل على ذلك أيضًا أن بعض المقابر وجدت بها فتحات في مداخلها وممراتها كانت تستخدم هذه الفتحات في سحب وإنزال التابوت على الأرضية المنحدرة بنفس الكيفية. وبذلك يكون دور مثل هذه الفتحات التي في هذه المحاجر هو استخدام بعضها وخصوصًا القريبة من النهر، لربط المركب الراسية كما تستخدم أيضًا وخصوصًا الفتحات التي في عمق المحجر في نقل الكتل الحجرية إلى أماكن استخدامها بالكيفية التي سبق شرحها.

هذا ونرى على الجدران الصخرية لهذا المحجر العملاق علامات فرق عمال المحاجر والتي تركها رؤساء الفرق والعمال. ولم ينس بعض العمال أن يمارسوا هواياتهم برسم بعض الطيور والحيوانات على بعض جدران هذا المحجـر فيما يشبه النقوش البدائية.

وسنتكلم في الفترات المقبلة عن الآثار الموجودة بجبل السلسلة غرب التي قمنا بتطويرها كل أثر على حده في شئ من التفصيل؛ حيث كتبت عن السلسلة غرب كتابا هاما بعنوان (آثار جبل السلسلة غرب) صدر عام 2006. فإلى اللقاء.

التعليقات