التخطي إلى المحتوى
البحرية المصرية وأشهر الملاحين في مصر قديماً وحتى العصر الحديث (بحث كامل)
البحرية المصرية وأشهر الملاحين في مصر القديمة وحتى العصر الحديث

أنعم الله على مصر بطبيعة جميلة تحيط بها المياه من جوانب كثيرة فنجد أن مصر يحيط بها البحر الأبيض المتوسط شمالاً والبحر الأحمر شرقاً ، إلى جانب النيل العظيم الذي كان يخترقها من الجنوب إلى الشمال راسماً على الوادى لوحة جميلة تتمثل فى الخضرة والمحاصيل التي تتغذى من مياه النيل ،أيضا حبي الله مصر مجموعة من البحيرات المالحة والبحيرات العذبة مثل بحيرة قارون في الفيوم وبحيرة البرلس وغيرها من البحيرات الكثيرة التي بمصر. هذا إلى جانب فيضان النيل والذي يجعل مصر في أيام فيضانه بحيرة كبيرة، حيث تغمر مياه الفيضان جميع ربوع الوادي والدلتا.

وهنا قال هيرودوت الرحالة الإغريقي عندما زار مصر فى القرن السادس قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام وصفاً مشهد فيضان النيل وغرق الوادي: ((عندما يفيض النيل على البلاد ، لا يظهر منها إلا المدن فقط من وسط الماء ويكون مثلها كمثل الجزر الصغيرة في بحر إيجة وباقي مصر يصير بحراً تسير في طول السهل وعرضه  فالمسافر من (نقراش) متجها إلي نحو (منف) يمر بالضبط بالقرب من الأهرام)).

ويقول (شارلجوتيه) فى كتابة الملاحة المصرية: ((أن الملاحة لعبت فى مصر فى كل عصور التاريخ دوراً هاماً جداً ، حتى أن عدداً عظيماً من المسائل السياسية والاجتماعية والدينية التى كانت تظهر كل لحظة حسن سير الإدارة فى هذه البلاد الغريبة التى خلقها نهر النيل ، كانت لابد بتوقف فلاحها من قرب أو من بعد على القارب والسفينة)).

المحتويات

لماذا كان المصري القديم مغرماً بالإبحار؟

بسبب تلك المساحات الشاسعة  التى أنعم الله بها على مصر من المياه ، أصبح  المصري القديم مغرماً بالماء والبحار والنيل من حوله ، وتطلع إلى اكتشاف ما وراء تلك المياه فنجدة مثلاً قد تطلع لمعرفة من أين يبدأ النيل وتخرج منابعه الأولى حيث قام بذكر ذلك فى كتاب للموتى وجد مكتوبا فى ورقة بردية (من ضمن أوراق كتب التحنيط) نص بالمعنى الآتي (فى بطاقة عند مقبرة أحدى الموتى): ((انك أيها الرجل فى لحد الخلود، سيفيض عليك النيل فى مضجعك الأخير أثراً من بركاته ،لأن ماءه آت من مدينة أبو (أي جزيرة أسوان)، وهذا النيل ينفجر من هويته، هذا (نو) الخارج من ينبوع صخري كأن الفيضان يفور من خزانته والمياه تتدفق من ينبوعها)).

ويعبر النص المترجم عن مدى شغف البحار  المصري القديم بالكشف عن منابع النيل، ومعرف من أين تأتى المياه التي تهب الوادي الحياة، والتي شبهها بأحب المعبودات إليه وهو المعبود أوزير ،والذي أعتبره المصريين القدماء من آلهة النيل وواهب الفيضان والخير لمصر.

 أثر الملاحة في العقيدة المصرية

غرام المصري القديم بالملاحة وركوب البحر جعله يجعلها جزء من  عقائده ومذاهبه الدينية القديمة، فنجدة كثيرا ما يتغنى بالسفر والإبحار في أناشيده الدينية ،بل وادخلها في صلب العقيدة المصرية القديمة كما سنرى في الآتي:

مذهب الأشمونين

والذي صور فيه المصري القديم أن العالم القديم  والأرض كانت على مياه تسمى المياه الأزلية، حيث كان التكوين الأول في الأساطير المصرية هو ظهور الثامون الإلهي الذي يدل على الهيولى، وذلك قبل خلق الكون والإله الشمسي الذى خلق الكون، وقد أتت هذه الأسطورة من خنمو (الأشمونين) بالقبطية، وهرموبوليس باليونانية) وتنص على أنه فى الأصل، كانت ثمانية آلهة أولية موجودة فوق تل ظهر فى (خنمو) من المحيط الأزلي وهى أربعة أزواج يتكون كل زوج منها من ذكر وأنثى، الذكور فيها على هيئة ضفادع التي ترمز إلى المحيط المائي والإناث على هيئة أفاعي والتي ترمز إلى الحياة المتجددة.

إبحار المعبود رع بمركب الشمس فى الليل والنهار ومراكب الشمس

إلى جانب الاعتقاد برحلة المعبود رع في مركب الشمس ورحلتي الليل والنهار من هنا يتضح لنا مدى لوعة المصري القديم بالمياه وقيمتها وما ورائها فمنها بدأ الخلق ومنها يستمد الخلق أقواتهم ومنافعهم.

وفى هذا الشأن يقول الدكتور سليم حسن في موسوعته مصر القديمة الجزء الثاني ص222: ((وقد كان  للملاحة أثر عظيم فعال فى معتقدات القوم الدينية وفى شعائرهم، فكان فى نظرهم الإله (رع) يسير فى الفجر فى سفينة الصباح وعند الغروب يسبح فى سفينة الليل أما النجوم فكانت تسبح فى قواربها الخاصة)).

عقيدة الإبحار عند الموتى

كان للموتى قوارب لخدمتهم وكانت توضع نماذج منها فى مقابرهم. من هنا ظهرت السفن التي وجدت فى مقابر المصري القديم وبالقرب من مقابرهم ،والتي عرفت فى علم المصريات بمراكب الشمس، والتي كان الغرض منها هو إبحار المتوفى بتلك المركب عالم الآخرة والوصول بها إي حقول النعيم سالماً غانماً ومراكب الشمس التي وجدت فى الأهرامات والتي قام بتجميعها المرمم العظيم أحمد يوسف والذي أستغرق 10 أعوام كاملة فى تجميع وتركيب مركب من المركبين،و الذى عثر عليهم فى الخمسينات من القرن الماضى ،فى أحدى الحفر بالقرب من هرم خوفو، وتلك المركب دليل قوى على حب وعشق المصرى القديم للإبحار ، وترى فى تلك المركب مدى عظمتها وروعتها وجمالها.

ويقول جوتيه عن تلك المراكب: ((كانت تستعمل منذ الاحتفال بالجنائز ،لنقل رفات المتوفيين فى توابيتهم، وكذلك لنقل تماثيلهم وأقاربهم وأصدقائهم وخدمهم والكهنة والبكائين. والطعام اللازم للولائم الجنائزية، والصناديق التي تحتوى على الأثاث المأتمي الذي كان لابد منه لضمان بقاء المتوفى فى العالم الآخر، ولحمل الموسيقيين والمغنين والرقاصين الذين كانت مهمتهم إدخال السرور على أقارب المتوفى ،الذين كانوا يشاركونه آخر وجبة)).

وتروى لنا نصوص الموت كيف كان يعترف الميت فى حياته الأخرى انه حافظ على النيل ولم يلوثه، كنوع من أنواع المحافظة عليه، لأنه يعلم تمام العلم مدى أهمية النيل للمصريين.

أسباب حب المصرى القديم للملاحة  والإبحار

أراد البحار المصرى أن يعرف ما وراء تلك البحار العظيمة، التى تأتى بأمواجها كالجبل، فى زمان قل  فيه العلم والتكنولوجيا الحديثة، التى تساعده على التغلب على تلك الجبال العالية من الأمواج، وذلك التطلع الرهيب لكسر وعبور تلك البحار العظيمة بمراكب بدائية،  تطلب من البحار الذى سيقودها أن يكون على حرفية كبيرة بعلوم كثيرة، مثل علم الفلك وعلم الحساب ومعرف فصول السنة ومتى يرتفع وينخفض المد والجذب.

وكان لعبور تلك البحار العظيمة غرض عند البحار المصري القديم يتلخص في الآتي:

  1. حب المصري القديمة لمعرفة المجهول والمغامرة وما وراء تلك البحار .
  2. تسويق المنتجات المصرية من بردى، ومنسوجات كتان ،وغيرة من المنتجات التى اشتهرت بها المملكة المصرية القديمة فى أسواق العلم القديم ،التى كانت منتشرة فى بلاد الشام وشرق آسيا وأوربا القديمة والعراق.
  3. جلب الأخشاب والبخور التى كانت تستخدم فى المعابد المصرية القديمة وفى الأغراض الجنائزية التى كان مهتم بها المصري القديم أكثر من دنياه ، ففي عقيدته انه بعد الموت سيبعث مره أخرى وينعم فى حقول النعيم، فوجب عليه أخضار الأخشاب الجيدة والتى لا تفنى مع الزمان، وكذلك البخور المستخدم فى الصلوات والتراتيل والطقوس الدينية ،هذا إلى جانب المنتجات الأخرى والتي كان يحتاج إليها المصري القديم في حياته اليومية.
  4. توسيع المملكة المصرية بالفتوحات ومحاربة الأعداء.
  5. عمليات الصيد وتلك المهنة احترفا المصرى القديم من عصر ما قبل التاريخ، وكانت هذه المهنة لا تخص الفقراء من الشعب المصرى فقط فقد كان يمارسها الملوك والأمراء كنوع من الرياضة والتسلية ، مثلها فى ذلك مثل لعبة الضامة والألعاب الأخرى ، وتشير لنا المقابر المصرية فى الرسوم الواردة عليها مدى اهتمام المصرى القديم سواء كان من العامة أو الخاصة بمدى حبة لتلك المهنة ،فقد ظهر فى مقابر بنى حسن على سبيل المثال مناظر للأمراء أثناء ممارستهم لتلك الرياضة أو المهنة ، مما يدل على تعلق المصرى بتلك الرياضة ويدل أيضا على حب المصرى القديم للإبحار وممارسة الرياضة فى النيل العظيم ، واهب الحياة لمصر أو كما قال هيرودوت فى القرن الخامس قبل الميلاد لما رأى كيف كان المصريين يحبون النيل ويحافظون عليه فقال: (مصر هبة النيل).

 

هذا بإيجاز فأن للسفر والإبحار سبع فوائد كما يقول لنا المثل القديم، من هنا تطلب لهذا الإبحار مراكب ذات كفائه خاصة تتحمل تلك الجبال من الأمواج، والظروف الجوية القاسية من أمطار ورياح وعواصف وغيرة مما ترتب عليه بالتبعية اختيار قائد أو ملاح ماهر يستطيع التغلب على كل تلك العقبات.

وقد كان للبحارة المصريين القدماء باعاً كبير فى عمليات الاكتشافات القديمة ،والوصول إلى مناطق بعيدة جدا من العالم القديم، ولما لا وقد عرف عن البحار المصري القديم البراعة والمهارة في الإبحار إلى جانب الشجاعة والأقدام على المجهول بدون خوف، ولهذا تغنت الأساطير المصرية القديمة بالبحار المصرى القديم ورسمت مدى شجاعته وبراعته وأيضا ذكائه كما سيأتي ذكره عند الحديث عنهم عبر التاريخ المصرى القديم من ما قبل التاريخ مرورا بالأسرات الفرعونية حتى دخول الفتح الإسلامي إلى مصر.

تطور السفن والإبحار عبر العصور المصرية القديمة

كما وضحنا سابقا أن الله قد من على مصر بالكثير من المسطحات المائية التى يستطيع المصرى القديم أن يمارس الإبحار فيه بحرية كان الإبحار فى مصر على محورين المحور الأول يتمثل فى الإبحار فى النيل والترع الكبيرة والبحيرات الداخلية ،أما المحور الثانى فيتمثل فى إبحار البحار والمحيطات الكبيرة، حيث كان لكل نوع من الأنواع السابقة فى الإبحار أسلوب وسفن معينة فى الإبحار ،حيث أنة أيضا أختلف من زمان إلى زمان، سنتحدث عنها فى إيجاز فى السطور القادمة.

وقد كانت المراكب فى مصر القديمة متنوعة ومختلفة كلا منها يستخدم فى غرض ما، وما ينطبق وتستعمل من أجله لا تستعمل الأخرى فيه، وتنقسم إلى أربع مراكب لكلا منها غرض كما قلنا وهى كالتالي:

مراكب دينية

وتلك المراكب استخدمتها المعبودات المصرية القديمة فى رحلات التزاور فيما بينهم، مثل زيارة حورس لمعبد حتحور فى دندرة،وزيارة المعبود آمون للمعبودة أمونت زوجته وابنهما خنسو، من معبد الأقصر لمعبد الكرنك، وقد كان خروج أمون يعتبر عيدا عند قدماء المصريين. فقد كان  العيد يبدأ من معبد آمون بالكرنك وينتهي بمعبد الأقصر، حيث يخرج تمثال آمون من قدس الأقداس بالكرنك فى مركبه، والذي يحمله ثلاثين كاهناً يتقدمهم الملك ومن حوله قوارب آخري محملة بالقرابين.

يتقدم مركب المعبود آمون  جندي ينفخ فى النفير، ويأتي من بعد مركب آمون مركب الملك والملكة، ثم قوارب القرابين، وسط الغناء والطبول وعزف الموسيقى، وعند وصول المراكب إلى النيل توضع فى المياه، وتبدأ رحلة الإله، وكان بعض العامة يجرون المركب عكس اتجاه الريح خدمه للإله.

أما الملك والملكة فيأخذوا مكانهم بوسط المركب فى رحله الإبحار وحولهم الرعية على شاطئ النيل يهللون ويحتفلون بالأغاني والمعازف ،إلى أن يصل إلى معبد الأقصر وحينها ينضم إليه مركب المعبودين (موت) زوجة المعبود آمون  وابنة  خنسو معبود  القمر.

المراكب الجنائزية

وهذا النوع تحدثنا عنه سابقا ، بأنه ينقل تابوت الموتى إلى الجبانة أو المقبرة التى سوف يدفن فيها. هذا إلى جانب أن تلك المراكب كانت تستخدم لنقل الملك لزيارة الأماكن المقدسة، كزيارة الملك المتوفى للأماكن المقدسة للمعبود أوزير فى أبيدوس جنوباً وبوتو شمالاً، بالإضافة إلى أن تلك المراكب كانت تنقل الملك من قصره، والذى كان غالبا ما يقع على النيل أو يمتد إليه مجرى مائى يوصله بالنيل، ومنه يعبر تابوت المتوفى فى النيل إلى مقبرته او الهرم الذى سوف يوارى جسده الأخير.

المراكب العادية أو الدنيوية

وهى تلك المراكب التى كان يستخدمها المصريين فى حياتهم اليومية، كمراكب الصيد، والسفن التى تنقل الأحجار والبضائع عبر النيل من الجنوب للشمال والعكس ، وكذلك مراكب السفر والركاب، وأيضا المراكب التى كانت ترسل إلى البلاد الأجنبية لجلب الأخشاب والبخور وغيرة من منتجات تنقص السوق المصري كما سيأتي ذكره عند الحديث عن البعثات إلى البلاد الأجنبية.

مراكب الشمس

وهي أيضا مراكب رمزية‏,‏ واحدة لرحلة النهار-كما ذكرنا- أطلق عليها المصري القديم اسم معنجت وأخري لرحلة الليل أطلق عليها اسم مسكتت. وسوف نتحدث أولا عن التطور الذي لحق بالسفن والمراكب المصرية عبر العصور المختلفة وكيف كانت السفن فى كل عصر من العصور فى مصر وأوجه الاختلاف والإضافات التي أضيفت من عصر إلى عصر.

تطور المراكب والسفن  فى العصور المصرية المختلفة وأشكالها

شيد النجارون خلال العصور المختلفة طرزا متنوعة من المراكب ومجاديفها وقد اتخذوا أوضاعا حركية مختلفة سواء كانوا بجوارها أو فوق هياكلها مستخدمين القادوم والبلطة لتشكيل الألواح والجوانب الخارجية فضلا عن المقدمة والمؤخرة وبعض المجاديف.

منذ عصر ما قبل التاريخ كان المصرى القديم يصنع زوارقه بطريقة ساذجة وذلك برابط حزم من سيقان البردي ببعضها، وكان يصنع نماذج طين من هذه الزوارق فى المقابر حتى بتمكن المتوفى من أن يسبح بها فى عالم الآخر حسب اعتقاده، كما كان يفعل مدة حياته فى مياه  المستنقعات.

وقد شيدوا نجارو عصر ما قبل الأسرات وبداية الأسرات قوارب ومراكب من جذوع الأشجار التى ربطوها معا ربطا محكما بحبال من ألياف نباتية وبطنوا سطحها العلوي بسيقان من نبات البردي ،ثم ما لبسوا أن صنعوا بعضها من أشجار ضخمة وجوفوا أجزاءها الوسطى بالبلطة والقدوم، ثم ارتقوا بصناعة المراكب وصنعوها من ثلاث أجزاء القاع والجانبين، ونتيجة لفقرهم إلى الألواح الطويلة لجئوا إلى ثقب الألواح المتجاورة وربطوها معا لتشكل سطحا طويلا، واستخدموا الألياف النباتية فى عملية الربط، كما جهزوا بعض المراكب الصواري ذات ارتفاعات متفاوتة ومجاديف كثيرة استخدمت كثير كدفة.

والزوارق الخفيفة كانت شائعة الاستعمال فى عصر الدولة القديمة وقد كانت صغير الحجم لا تتسع إلى أكثر من شخصين، وقد عثر على أشكال زورق أخرى أدق صنعا يحمل الواحد منها ثوراً، وهذه الزوارق كانت تسير بالمدرة والمجداف، وكانت صالحة للنقل فى المياه الهادئة أذا كان يستعملها صيادو الطيور فى المستنقعات، وصيادو الأسماك ،وكذلك لنقل الأبقار يومياً.

أما فى مياه النيل التى غالبا ما تكون سريعة وشديدة الأمواج فإن هذه الزوارق البردية كانت لا تستعمل إلا نادراً، وكذلك  لم يستعمل لنقل المسافرين أو الحيوان أو البضائع الثقيلة، إذ كان يلزم لذلك سفن من الخشب الصلب، ونحن نعلم أنه منذ عصر ما قبل الأسرات كانت تصنع فى مصر مثل هذه السفن.

ولا أدل على ذلك من الرسوم التى وجدناها مع الأواني الفخارية التي يرجع عهدها إلي عصر نقادة على أننا نصادف أحيانا فى مقابر عهد الدولة القديمة مصانع للسفن تعمل بكل نشاط فنشاهد مثلا على الجدران عدداً لا بأس به من النجارين يشتغلون حول قفص السفينة الذى قد تم بناء جانبيه، وكذلك الألواح، ونشاهد الثقوب التى نقرت ليركب فيها المجاديف والسكان، والواقع أن ألواح قفص السفينة لم تكن مثبتة على هيكل بل كانت موضوعة بعضها فوق بعض كلبن ثم على هيئة عاشق ومعشوق.

وصنعوا نجارو عصر الدولة القديمة مراكب إما تسير بالمجاديف أو بالشراع بورش النجارة المحلية التي كانت منتشرة فى ربوع مصر كلها، وقد انتقل فيما يبدوا بعضهم إلى مناطق نموا الأخشاب الصالحة لتشييد المراكب خاصتاً الأمارات الجنوبية، والتي كان يكثر فيها أشجار  السنط على الحدود الجنوبية لمصر. وقد ابتكروا مراكب ذات مقدمة بشكل بهيمة برؤؤس حيوانية أو بهيئة نعل الحذاء أو على هيئة أحزمة البردي والنباتات.

وكان المركب له دفة واحدة لتحديد سير المركب أو السفينة ،والذى تطورت بطبيعة الحال فى العصور اللاحقة، فنجد أنها  ظهرن عليها الشراع المصنوع من الكتان أو البردى، والمثبت على الصارى المصنوع من خشب السنط، والذى يساعد على عمليه الإبحار عن طريق الرياح الشمالية الجنوبية الخفيفة والتى تستمر فى مصر قرابة 300 يوم فى السنة، وهذه الرياح كانت تسهل عملية الإبحار من الشمال إلى الجنوب، أما من الجنوب إلى الشمال فكان يتكفل بها نهر النيل العظيم ومياهه التي تنحدر من الجنوب في مصر العليا إلى الشمال فى مصر السفلى والدلتا.

هذا وقد ظهرت المجاديف بشكل كثير فى المراكب الكبيرة وقد صورت فى مشاهد المقابر وعددا كبيراً من الرجال الأقوياء يقومون بعملية التجديف، وتلك السفن كانت تحمل البضائع الثقيلة  والعدد الكبير من المسافرين فى بر مصر شمالاً وجنوباً. حيث نشاهد فى مقبرة تى القارب الذى يصنع يسير على النيل فيرى الشراع منتشراً ومعلقاً فى عارضة السارية كأنه قب الميزان، ونشاهد كذلك جماعة المجدفين فى وضع منتظم، وكان لابد من ثلاثة رجال على الأقل فى مؤخرة السفينة للإدارة.

وقد تطورت صناعة السفن النيلية بشكل سريع جداً فى مصر القديمة لدرجة أنهم صنعوا سفن عملاقة تحمل أشياء ثقيلة جدا، فى غضون بضع أيام كما يذكر لنا الحاكم (ونى) وهو حاكم الوجه القبلي فى عهد الملك مرن رع (2258:2420 ق.م) الأسرة السادسة عندما تحدث فى مقبرته عن انجازاته  وتاريخه المشرف فى حكم الصعيد فيقول: ((لقد أرسلني جلالته الى (حتنوب) لإحضار مائدة قربين من المرمر، وقد سرت فى النهر شمالا من أجل الملك لاستخراج هذه المائدة من محاجر (حتنوب) فى 17 يوما، وسبحت شمالا فى سفينة نقالة، والواقع انى بنيت نقالة لهذا الغرض فى 17 يوما خلال الشهر الثالث من فصل الصيف، ورغم ان ماء النهر كانت قريب الغور فإني وصلت سالما معافى إلى هرم (مرن رع) (خع نفر مرن رع) وقد أتممت كل العمل بنفسي حسب الأمر الذي أمرني به جلالة سيدي)).

وهذه الشواهد تدل رغم فقر مصر من الخشب، على أن المصريين لم يكونوا قط فى حاجى إلى الأخشاب من البلاد الأجنبية ليقوموا بأعمال الملاحة، وأيضا حين ذكر أن ماء النيل كانت ضحلة ورغم هذا وصلوا فى وقت سريع  فإنما إن دل فيدل على مدى براعة البحار المصرى القديم ومهارته فى قيادة تلك السفينة العملاقة، والتى كانت تبلغ 60 ذرعا فى 30 ذرعا فى ماء ضحلة صعبة الإبحار، وهنا تظهر لنا وتتبين واضحة مهارة البحار المصري القديم.

أما فى عهد الدولة الوسطى فقد صنع نجارو عصر الدولة الوسطى مراكب فى هيئات لا تختلف كثيرا عن اشكال مراكب العصور السابقة وقد تميز اغلبها بمقدمة مرتفعة نحيفة وطويلة بينما تفوقها المؤخرة ارتفاعا وتنحنى قليلا من ناحية الداخل. وقد استخدموا أخشاب جيدة وأخرى من أخشاب رديئة ،يبدوا أنها قد فككت من بعض المشغولات الخشبية الأخرى، وخير شاهد على ذلك قوارب دهشور وشق (سنوسرت الثالث) أثناء حكمه (1978-1842 ق.م) قناة فى صخور الجندل الأول.

فكانت هذه القناة إلى جانب قيمتها التجارية طريقا لسفنه الحربية، واستعملته أساطيل الفراعنة لمئات السنين أثناء حروبهم المنقطعة مع (كوش) ويمكن اعتبار ذلك من أكبر الأعمال التى قام بها هذا الملك العظيم. وتعطينا لوحة على الصخور فى جزيرة صهيل عند الجندل الأول مقاييس الطريق المائي مما يؤكد اهتمام قدماء المصريين بالملاحة فى النيل – وهى 150 ذراعاً عرضاً (أي 34قدم) أما العمق فكان خمسة عشر ذراعاً (أى 25 قدما)، وترجع اللوحة إلى السنة الثامنة من حكم الملك (سنوسرت الثالث).

ومن آثار الأسرة الثانية عشرة والتى تم العثور عليها فى صيف سنة 1892 م بجبهة (مير) ومعروضة الآن فى المتحف المصري بالقاهرة سفن للأموات، معدة بطوائفها من الملاحين ومجاديف صغيرة وسفينة بشراع صنعت من الخشب وسفن تمثل تشييع جنازة ونقل الميت من مدينته إلى قبره إلى الدار الآخرة.

أما فى عهد الدولة الحديثة فقد تطور صناعة السفن بشكل كبير جدا وأدخلت عليه تطويرات كثيرة وكان عدد العاملين على المركب الواحد يزيد بأضعاف العاملين عليها فى العصور السابقة، وأصبح حجم السفينة أكبر وصنعت من أخشاب مستوردة كخشب الأرز الذى كان يؤتى به من لبنان.

فقد قام نجارو عصر الدولة الحديثة بتشييد مراكب من ألواح خشبية ذات مقاسات مختلفة عشقت مع بعضها البعض من جذوع أشجار الجميز والسنط واستخدموا ذات الوسائل والتراكيب الفنية التى أنتجها إسلافهم.

فشكلوا مراكب من ألواح خشبية ذات مقاسات مختلفة عشقت مع بعضها البعض فى هيئة الجدران المشيدة من الطوب اللبن، وقد صنعوا بعضها من جذوع أشجار ضخمة بمقدمة ومؤخرة مستديرة ونحتوا المقدمة والمؤخرة إما بهيئة رؤؤس أدمية أو حيوانية كالوعل والأسد والكبش والصقر. وقد جهزوا بعض المراكب بصواري ذات ساق خشبية واحده تتفاوت فى طولها من مركب الأخر. اما الدفات فتم صنعها إما من قائم واحد  ومجداف توجيه أو من قائمين ومجدافين وثبتوا تلك القوائم بمؤخرة المركب.

وشيد نجارو عصر الدولة الحديثة مراكب تميزت مؤخرتها بشق مستطيل كانت مقدمتها متسعة وعريضة ومقطوعة وزودوا بعضها بكبائن أو كمرات مستطيلة وصواري ودفات، كما صنعوا نوعاً أخر من المراكب تميزت مقدمتها  ومؤخرتها بالنحافة وكبر طولها وبهياكلها ذات القاع المقوسة.

أما السفن فى العصر المتأخر فقد وصناعتها فقد أهملت فى بشكل واضح إلا على فترات متفاوتة كان يأتي الاهتمام بصناعة السفن نتيجة للاستعمال الحرب فى معظم الأحيان، ونجد ذلك واضحا فى عصر الملك (نخاو) والذى اهتم بالأسطول وصناعة السفن، ومن بعده تدهورت الأحوال فى مصر كلها وبدأت الدولة الفرعونية فى بداية النهاية والانتهاء، على كلا فان السفن والمراكب فى تلك الفترة لم تختلف عن السفن والمراكب فى العصور التى سبقتها اللهم فى بعض أضافات قليلة كوضع الكبائن  ومكانها.

أما السفن فى العصر اليوناني الرومانى  فقد شهد شهدت تطورا كبيرا جدا حيث أدخل على صناعتها خامات جديدة واستخدمت أخشاب أخر مما يتميز بها البلاد الأوربية والتى تنبت  على أرضيهم ، وأهم ما ادخل عليه أن مقدمة السفينة كانت تنحت أو يضاف عليها إلهة البحر عند اليونانيين بوسيدون  إله البحار والمحيطات  عند قدماء اليونانيين، وقد بنيت معظم المراكب والسفن فى العصر اليونانى من خشب الأرز الذى كان يأتي من لبنان وقتها ،ومنها الأسطول والسفن التى قدم بها الإسكندر الأكبر إلى مصر وفتح معظم بلدان العالم القديم بها، ويتميز خشب الأرز بقلة العيوب فيه، وأيضا قلة العقد، كما أنه مقاوم جيد للماء وخفيف الوزن له رائحة  طيبة.

وقد أستخدم اليونانيين فى صناعة سفنهم المسامير المصنوعة من النحاس وذلك لمقاومة النحاس للماء وانه لا يتأثر بسرعة مثل الحديد بالرطوبة والتى كانت تعمل على صدأ المسامير الحديدية، و أيضا استخدموا الرصاص وصبوة على رؤؤس المسامير الحديد  حتى لا تصدأ. وكان خشب الساج قد استخدم كذلك فى بناء هياكل السفن، ويتميز هذا الخشب بأنة خشب قوى ومتين، مقاوم للماء أيضا وهو خشب مستورد لا يزرع فى مصر، مثله مثل خشب الأرز.

السفن فى العصر الإسلامي فقد كانت  تبنى على شكل الهراب أو سيف السفينة على الأرض، وتربط إليه ألواح أفقية على كلا الجانبين بخيوط من الليف، ولم تكن المسامير معروفة بل استخدم عيدان النخيل تقوم كدسر مكان المسامير. وقد أستخدم ليف النخيل والذى كان ينسج أو يفتل لصناعة الحبال، ولربط الألواح الخشبية بعضها فى بعض. ولم تستعمل المسامير إلا فى القرن الخامس عشر، وقد كان لهذا السبب تفسيرين:

أولهما قصة جبل المغناطيس: وهذة القصة قد شاعت فى المحيط الهندي فى الزمان القديم  حيث يذكر أن كاتبا يدهى بهوجا قد كان أول من قال أن فى البحر صخوراً من المغناطيس، تجذب السفن التى تحتوى على الحديد اليها وتحطمها، وقد شاعت تلك الأسطورة فى البحار الجنوبية لقربها من القطب.

وأيضا تلك القصة كانت لها قصة مشابهة لها فى الأساطير اليونانية إلا أن السفن اليونانية القديمة كانت تبحر وهى محملة بخام الحديد إلى مصر وغيرها من بلاد العالم القديم عن طريق البحر الأحمر ،وأيضا كانت تلك السفن يدخل في صناعتها المسامير المصنوعة من الحديد كما ذكرنا سابقا.

ثانيهما ذوبان الحديد فى مياة البحر الأحمر: حيث  يري المسعودى أن مياه البحر الأحمر تواثر فى المسامير المصنوعة من الحديد وتذيبه سريعا مما دعى البحارين والملاحين فى تلك المنطقة من استعمال الألياف فى ربط الأخشاب يبعضها فهى لا تتأثر بماء البحر الأحمر، وهذا السبب هو الأقرب الى الحقيقة، حيث أن الرطوبة التى يتميز بها البحر الأحمر سرعان ما تسبب صدأ للحديد وتضعفه وتعمل على تأكله، وسرعة تلفه.

من هنا كان اليونانيين القدماء يصبون على رؤوس المسامير الرصاص حتى لا يتاثر بالصدأ، وأيضا صنعوا المسامير من النحاس من أجل ذلك الغرض كما ذكرنا، أما المصرى القديم والذى عرفة عنه عبقريته فى تفادى مثل تلك الأخطار فقد عرف نظام العاشق والمعشوق فى الخشب، او تبديلها وتثبيتها بالخوابير الخشبية، والتى تعمل عمل المسامير بل واقوي من المسامير في كثيرا من الأحيان.

ثالثهما الشعب المرجانية: حيث من المعروف أن البحر الأحمر يتميز بكثرة الشعب المرجانية فى معظم أجزاءه، مما يعرض السفن للاصطدام بتلك الشعب، فالسفن المصنوعة بطريقة الحبال والليف فى شد أجزاءها أكثر متانة من السفن التي استخدمت المسامير فيها. وقد كانت الدفة الجانبية هى السائدة إلى أن ظهرت الدفة المزدوجة، أما السارى فكان يصنع من خشب السنط القوى فى مصر أو خشب النخيل، والشراع كان يصنع من البردي أو من الكتان أو القطن.

الإبحار فى مياه النيل والبحار والمحيطات

بسبب طبيعة فيضان النيل على مصر فى كل عام، والذى كان يحول البلاد جميعا إلى بحيرة كبيرة، لدرجة أن هيرودوت قال أن التنقل فى ذلك الوقت بين الشارع والأخر كان يتم عن طريق المراكب الصغيرة، من هنا أصبح المصري القديم على دراية تامة بالإبحار وأنكسر داخلة عامل الخوف من المياة والمجهول ،وبذلك أصبح الطريق سهل للإبحار فى البحر الأحمر والبحر المتوسط.

فنجد فى عصر الدولة القديمة أول أسطول بحري فى عهد الملك سنفرو، كما نجد النقوش فى المقابر الدالة على الإبحار فى البحر المتوسط -كما سيأتي ذكره – فيما بعد وكذلك البعثات التى تمت فى عصر الدولة الحديثة وإرسال البعثات والأساطيل الحربية من الملكة حتشبسوت ومن قبلها الملك أحمس والذى قضى على الهكسوس بأساطيله الحربية المتواجدة فى البحر وهذا واضح فى مقبرته ومرسوم في مدينة الكاب.

ولكن طبيعة الإبحار فى المياه المالحة المتمثلة فى البحار والمحيطات، تختلف كثيراً عن الإبحار فى المياه العذبة المتمثلة فى مياه الأنهار والبحيرات العذبة والترع والقنوات، فكل مياه لها طبيعتها الخاصة فى عملية الإبحار، وكذلك فى شكل السفن وتجهيزاتها، فمثلاً لا يمكن الإبحار فى البحار المالحة والتى تتميز بأمواجها العاتية الضخمة، وتقلب البحر وسوء الأحوال الجوية بداخلة بمركب صغير من مراكب الصيد، فتلك البحار تحتاج إلى مراكب وسفن مجهزة إلى جانب حاجتها إلى امهر البحارين والذين على دراية بعلم الفلك والبحر والإبحار والجغرافيا وأن يتميز البحار فيها بالذكاء وحسن التصرف والتدبر.

فمثل تلك الرحلات تأخذ شهور وأيام فى السفر داخل البحار، فإن لم تكن السف مجهزة والقبطان رجلاً عاقلا خبيراً تعرضت الرحلة إلى الخطر، هذا إلى جانب العدد الذى يتطلبه العمل على السفن الكبيرة يكون أكثر بكثير  من المراكب التي تعمل  فى الأنهار والسفن  والمراكب الصغيرة التى فيها. هذا مع العلم أن المصرى قام بحفر قناة  من النيل عند منفيس حتى البحيرات المرة بالقرب من الإسماعيلية حالياً، وذلك ليربط البحر الأحمر والبحر المتوسط، وكانت تعرف تلك القناة بقناة سيزو ستريس والتى شقت فى عصر الدولة الوسطى- كما سيأتي الذكر بالتفصيل لاحقاً.

إلى جانب بحيرة مريوط والتي كانت أكثر عمقاً هي عليه الآن، ومتصلة بالنيل بشكل مباشر، وبالتالي كانت بالغة الأهمية فهى طريق مائي مثلها مثل البحر. والجدير بالذكر أن السفن التي كانت توجد بالبحر الرومي كانت تختلف عن السفن التي تستعمل في المحيط الهندي من عدة وجود.

السفن فى البحر المتوسط

حيث يقول ابن جبير: أن السفن ذات الدفتين لم تكن موجودة إلا فى البحر الأبيض المتوسط كما انه شاع فى هذه السفن الشراع المربع وهو الذي ابتكره المصريين القدماء.

ويعدد النويرى السكندرى من صنوف السفن التى كانت موجودة فى البحر الأبيض المتوسط : مثل القراقير والزوارق والطرايد والغربان والشوانى والعشاريات. ولكل منها مكانة فى البحر ونقل الجيوش والخيول والبضائع ومستلزمات الجند ،ومن هذه السفن ما كان من ثلاث طوابق ،ولها ثلاث قلاع ،أما الغربان فكانت تحمل الغزاة وسيرها بالقلع والمجاديف ومنها ماله 180 مجدافاً.

السفن فى البحر الأحمر

أما عن السفن فى البحر الأحمر فكانت تسعى بالشراع المثلث وتخاط بالليف أو بخيوط من قشر جوز الهند ولا يستعمل فيها المسامير، ومنها ما أن كان عدانه من أعواد النخيل وكانت تطلى بالشحوم والنورة. وقد ذكر (أبو السيرافى) فى القرن العاشر الميلادى أن شحم الحوت كان يستخدم فى طلاء السفن ،كما كانت فقرات عظامه تستخدم كمقاعد للجلوس وضلوعه فى سقف المنازل.

وفى هذا يقول: ((وسمعت فى هذا فى قديم الأزمان إلى قرب سيراف من الحوت واحدة فقصدت النظر إليه، فرأيت قوما يصعدون على ظهره بسلم لطيف . والصيادون أذا ظفروا بها طرحوها فى الشمس، وقطعوا لحمها وحفروا لها حفر يتجمع فيها الدوك (الدهن) ويعرف الودك من عينها بالحرارة إذا أذابتها الشمس فيجمع ويباع على أرباب المراكب، ويسد بها حرزها ويسد بها أيضا ما يتفتق من حرزها)). ويرى ابن جبير ان دهن القرش أفضل من دهن الحوت فى هذه العملية.

المواد المستخدمة فى صناعة السفن

كان يستخدم فى صناعة السفن خشب محلى وخشب مستورد؛ حيث كان يتميز الخشب المستورد مثل الأرز بجودته وقلة العقد التي فيه، أما الخشب المحلى فأهم ما يميزه هو مقاومته للماء مثل خشب السنط ونبات البردي. وقد ذكر (حورنى) أن الخشب الذى كان تبنى به السفن فى السويس أو جنوبها يكاد يأتي من الهند أو جزرها ، فيما عدا أسطول (سنحريب) (والإسكندر) الأكبر أذا كانت تبنى بخشب الأرز القادم من لبنان.

واهم الأشجار التى بنيت بها السفن خشب جوز الهند وكانت تصنع منه الهياكل والصواري مع خيوط التغريز والحبال والشراع، وكان خشب الساج المتين قد استخدم كذلك فى بناء هياكل السفن.

البحار المصرى والملاحة البحرية  فى عصر ما قبل التاريخ

عرف البحار المصرى القديم الإبحار من عصر ما قبل الأسرات، فقد أخترع مراكبه وسفنه البسيطة من الطبيعة التى تحيط به، فأستخدم نبات البردى والذى يتميز بخفته فوق الماء ومقامته للماء أيضا فى بناء مركبة وقاربه البدائي.

وقد دلت  الآثار المصرية القديمة على أن المصريين أول من قام ببناء السفن وقادوها فى القنوات والأنهار ثم فى البحار. ومن أقدم السفن المصرية تلك التى وجدت صورتها منقوشة على أوان خزفية قيل أنها من أصل لوبى يرجع تاريخها إلى 7000،أو 8000 سنة قبل الميلاد.

وتدل الأواني الفخارية التى ترجع تاريخها إلى العصر الحجرى والرسوم التى عثر عليها على وجود قوارب بمجاديف تدل على إلمام المصريين فى تلك العصور الغابرة بركوب متن البحار على ظهر المراكب. ويرجع أول صور لمركب شراعي مصري إلى سنة 6200 قبل الميلاد وفيها ركبت السارية على شكل مربع منحرف أو شبيه المنحرف واستخدمت الشراع المربعة التى تلاءم الملاحة فى النيل حيث تهب الرياح عادة من الشمال.

وبتلك الآثار وتلك التواريخ السابقة يتبين لنا أن البحار المصري القديم هو أول من أبحر فى العالم القديم ،وغالب الظن أن ذلك الإبحار قد جاء بعد غرق الأرض بالمياه فى طوفان نبى الله نــوح (علية السلام) مما دعى الإنسان والبحار المصرى القديم أن يحتاط، حتى لا يحدث له مثل قوم نوح، وهم وقتذاك ليس عليهم ببعيدين، مما جعلهم يصنعون السفن ويتعلمون الإبحار، خوفاً أن يصيبهم ما أصاب السابقين قبلهم والذين نجوا بفضل  الله والسفينة التى صنعها نبى الله نــوح (عليه السلام).

ولكن للأسف الشديد لا تمدنا الآثار الواردة من العصور الحجرية فى مصر إلا بالقليل النادر عن المراكب وقتئذ، والتى كانت بسيطة الصنع كما قلنا ، والتى لم يصل لنا منها شئ وذلك بسبب سرعة فناء الخشب وتأكله مع الزمان، وأيضا لا تمدنا بمعلومات وافرة عن البحار فى تلك الفترة الزمنية السحيقة والتى تأكدنا أن المصرى القديم عرف ركوب البحر فيها.

كان يوجد فى مصر موان زاهرة غنية على شاطئ الدلتا منذ عصر ما قبل الأسرات كمدينة متليس (فوة) التى ترمز لها بالخطاف والقارب على لوحة (نعرمر) وكانت أساطيل هذه المدن تقوم برحلات تجارية مع السواحل السورية.

البحار المصرى والملاحة  فى عصر الدولة القديمة

بسبب نقص الأخشاب فى مصر فقد قام ملوك الدولة القديمة بإقامة علاقات ود بين مصر و(رمران) أى لبنان وميناء (كبن) أى جبيل، وذلك فضلا عما حملت من فنونها إلى جزيرة (كفتمو) أى كريت، وجزر بحر ايجة، وحسبنا من دليل على اتصالها المنتظم  الدائم القديم ما عرف منذ الدولة القديمة من طراز من سفن سميت (الجبيلية كبنت)، وذلك بحكم انتظام الرحلات بين مصر وجبيل، وما أقامت عليه منذ ذاك على امتداد تاريخها.

وقد انتشرت العمليات البحرية وإرسال البعثات وبالسفن والبحارين  في عصر الدولة القديمة، فنرى النقوش والبردي الذي وصل إلينا من تلك الفترة يوضح لنا مدى كم هذه البعثات، ومدى اهتمام الملوك الفراعنة بالبعثات وإرسال السفن إلى البلاد الأجنبية، وقد دلت الآثار الواردة من تلك الفترة على أن المصري القديم قد أبحر مسافات طويلة جدا فى النيل وفى البحار والمحيطات.

ومن تلك الآثار التى عثر عليها فى بلاد النوبة تدل على أن المصريين وصلوا بمراكبهم الحربية إلى بلاد النوبى السفلى فى عهد ملوك الأسرة الأولى، ففى عصر (حور عا) أول ملوك الأسرة الأولى وجد دليل على أن الجيش المصرى دخل بسفنه حتى الجندل الثانى فهناك لوحة صخرية فى جبل الشيخ سليمان جنوبي بوهن ببلاد النوبة تسجل غزو الفرعون (جر) الذى عقب (حورعا) وتظهر اللوحة أسيراً جالساً ومربوطاً فى مقدمة السفينة التى هى من طراز عصر الأسرات فى مصر تختلف فى شكلها عن مراكب ما قبل الأسرات.

وتدل النقوش أيضا  حتى الآن على أن أول أسطول بحرى عرف فى تاريخ البشر يرجع إلى الملك (سنفرو) أول ملوك الأسرة الرابعة إذ يخبرنا حجر بلرم أنه فى عصر هذا الملك قد عاد من بلاد سوريا أربعون سفينة محملة بخشب (عش) الأرز وفى مدى عامين كما جاء على هذا الحجر نفسه قد صنعت عدة سفن يبلغ طول كل منها نحو100 ذراع من خشب الأرز ومن خشب (مر) الذى كان يجلب من لبنان هذا عدا 60 سفينة أقل حجما.

وهذه السفن التي كانت تجرى في البحر الأبيض المتوسط، نراها ممثلة على جدران معبد(سحو رع) والملك (وناس) من عهد الاسرة الخامسة، وقد كانت تلك السفن تشحن بالبحارة ومعهم فصيلة من الجنود لحماية البعثة من هجمات أهالي سورية، أو لتكون مظهرا من مظاهر سلطة الفرعون، وهذه السفن كانت تبنى على نموذج السفن النيلية غير أنها كانت أكبر حجماً وأقل وزناً، حتى يمكنها أن تقاوم هياج البحر من جهة وكذلك لتتحمل شحنة عظيمة من السلع من جهة أخرى.

وهنا يذكر لنا الدكتور سليم حسن بطلان نظرية أن الفينيقيين هم أول  قوم مخروا عباب البحار ،وأن المصريين لم يجرءوا على الملاحة إلا بعد الفينيقيين من بعيد جدا، وينسبون ذلك إلى موقع فينيقية الجغرافي من جهة والى ثروة بلادها فى الأخشاب الصالحة لبناء السفن من جهة أخرى مما جعلها سيدة التجارة على شواطئ البحر المتوسط. فتلك الرسومات والمناظر تدل بشكل قاطع  على أن البحار المصرى القديم سبق العالم أجمع فى الإبحار وبناء الأساطيل البحرية قبل اى حضارة من حضارات العالم القديم بمئات السنين.

البحار هيركوف هذا الملاح العظيم يرجع إلى عصر الدولة القديمة فى عهد الملك (بيبى الأول) و(بيبي الثانى)، وهو من أشهر الملاحين الذين ذكرهم التاريخ المصرى، وقد قام هذا الملاح بعدة رحلات ومغامرات حازت معظمها على اهتمام الملوك والأمراء وخاصتاً الملك الطفل فى ذلك الوقت الملك بيبى الثانى (أونى).

ويمكن قراءة أخبار تلك الرحلات وهى أول مجهود أنساني بذل فى سبيل الاستكشافات على جدران مقابر عظماء المستكشفين القدماء وقد أخبرنا أحد هيركوف الملاح المصرى القديم عن أربع رحلات قام بها إلى السودان، وسوف نستعرض تلك الرحلات بإيجاز فيما يلى:

الرحلة الأولى: كانت الرحلة الأولى مع أبية وقد غاب عن وطنه ما يقرب من سبعة أشهر، وكان ولده أيضا ملاحاً معروفاً فى تلك الأزمان فكما هو معروف أن المهن والوظائف فى مصر كانت تورث من الآباء إلى الأبناء، وبطبيعة الحال ورث الشاب هيركوف المهارة فى قيادة السفن من والده، فكانت رحلته الأولى ليتعلم كيف يركب البحر ويتعلم كيف يقود السفينة العملاقة، ويتعلم كيف يكون قائد لعدد كبير من الرجال على السفينة كان يصل فى بعض الأحيان إلى أكثر من 150 بحار، هكذا كانت رحلت هيركوف الأولى فى عالم الملاحة والإبحار وقيادة السفن والمغامرات فى أدغال أفريقيا.

الرحلة الثانية: بعد أن تعلم هيركوف فنون الملاحة وأساليب قيادة السفينة ومن قبلها قيادة البشر الذين على السفينة من ملاحين وعمال وعبيد، وعرف أيضا الطرق التى سوف يبحر بسفينته فيها وأي الطرق أأمن وأسهل ،سمح له والده من أن يقوم بالرحلة الثانية بنفسه، وقد استمرت تلك الرحلة إلى ما يقرب من ثمانية أشهر، رجع فيها هيركوف محملا فيها بالهدايا والمنتجات التى كانت تجلب من بلاد بونت، إلى جانب أن الرحلة قد عادت بسلام دون التعرض إلى أي مخاطر تذكر ،وهذا هو الأهم بالنسبة لهيركوف فى بداية حياته الملاحية، ولكي يثبت لوالده أنه ملاح ماهر يستطيع الملك أن يعتمد عليه خلافا لوالده فى الرحلات القادمة.

الرحلة الثالثة: أصبح هيركوف بحار متمرساً وملاحاً يعتمد عليه لم أثبته من نجاح فى الرحلة السابقة، وفى تلك الرحلة توغل هيركوف فى الأدغال الأفريقية أكثر من ذى قبل، وقد جمع كميات كبيرة من العاج والذهب حتى أنه أقتضى حملها ثلاثمائة حمار حملوا جميعا بتلك المنتجات التى جلبها هيركوف من سواحل إفريقيا، ومن المعروف أن القبائل النوبية كانوا يقطعون الطرق على القوافل المصرية بسبب جشعهم وطمعهم وأيضا بسبب ما كانت تحمله تلك السفن من كنوز ومنتجات كثيرة، ومن هنا أراد هيركوف أن تصل قافلته بأمان وتستطيع المرور دون التعرض للنهب من تلك القبائل، فقد أتفق هيركوف مع أحد رؤساء القبائل على إرسال حملة معه لحمايته، وهكذا سارت القافلة فى مأمن من طمع رجال القبائل وكيدهم، والذين لم يفكروا فى مهاجمتها بل أظهروا استعدادهم لمد يد العون للقائد والملاح المصرى هيركوف وتزويده بالقطعان والرجال ولما رجع هيركوف مصر محملا بالكنوز سر الملك بنجاحه حتى انه أرسل إليه رسولاً خاصاً فى قارب مملوء  بما لذ وطاب لأعجابه وتقديره له.

الرحلة الرابعة: كانت الحملة الرابعة أكثر نجاحا من الحملات السابقة ،وكان الملك الذى تمت الرحلات الثلاث الأولى فى عهده قد مات، وتولى عرشه طفل يدعى(بيبى الثانى)، وكان فى السادسة من عمره، وقد حكم تسعين عاماً، وهو أطول عهد أمضاه ملك على عرشه.

الرحلة الخامسة: فى العام الثانى لجلوس (بيبى الثانى) على العرش ،خرج الرحالة على رأس قافلته للمرة الخامسة على التوالي وقد أحضر معه شيئا آثره الملك أكثر على الذهب والعاج وكان من سن حظ هيركوف أنه فكر فى إحضار قزم يهديه للملك الصغير ليضمه إلى لعبة الخشبية ، ولما سمع الملك الطفل عن هذا القزم سر سروراً عظيماً وقد كان مجرد التفكير فيه يدخل لقلبه سروراً يصغر بجانبه سروره بالكنز العظيم آلات إليه مع القزم. وأمر بكتابة خطاب إلى هيركوف يظهر فيه سروره وإعجابه ويطلب منه أن يعتني بالقزم اعتناء عظيماً حتى لا يصيبه ضر أو سوء. والخطاب بما فيه من جمل غريبة لا يختلف عن أي خطاب يكتبه طفل ينظر إلى لعبة جديدة.

وقد كتب  الفرعون الصغير: ((ترغب جلالتي فى امتلاك هذا القزم أكثر من جزية بلاد بونت وإذا أحضرنه إلى القصر سليماً فسيجزيك جلالتي خيراً مما جزى الملك أسا مستشاره (بورديد)، وهذا المستشار هو الذى احضر القزم فى الأيام القديمة)) ثم أرسل الملك أناساً يوافونه بالأخبار عن القزم  بعد أن أمرهم بحراسته.

فكانوا يسهرون أمام الغرفة التى ينام فيها، وينظرون إلى وجهه عشرة مرات ليتأكدوا من وجوده حياً سليماً، ولا شك فى أن القزم قد كابد آلاماً كثيرة من هذه المراقبة فكيف يتذوق الراحة مثلا إذا كانوا يوقظونه عشرة مرات ليلاً ليتأكدوا انه حى وانه سليم معافى لربما كان الخطر الذى يهدد حياته من شدة عنايتهم به أعظم مما ينجم لو ترك لنفسه وعلى كل حال فقد وصل هيركوف سليماً ومعه القزم ولا ريب أن القزم كان أحسن من جميع لعب الملك كما كان أحبها الى نفسه.

وقد أمر هيركوف افتخار بقصته ورحلاته الاستكشافية أن تنقش على مقبرته، بدون نسيان أي حرف من تفاصيلها، هذا إلى جانب مغامرته فى اكتشاف القارة السمراء أو القارة المظلمة فى تلك الأزمان السحيقة وفى عهد الملك بيبى الثانى أيضا أنه أنفذ لقمع الثوار من سكان الرمال فى حملات خمسة كان أخطرها موقعة (شرت تب جحس) بمعنى أنف رأس الغزال عند جبل الكرمل فيما يظن، أذ خرج فى حملة برية بحرية زحف فيها الجيش برا عبر رمال صحراء سيناء وهاجمت السفن الشمال من أرض الثور وذلك فى حصار محكم قضي فيه على الخوارج كافة.

وقد طرب أونى لما أحرز من نصر فساق روايته الشعرية حيث قال:

وعاد الجيش هذا فى سلام          ودمر أرض سكان الرمال
وعاد الجيش هذا فى سلام          وسوى أرض سكان الرمال
وعاد الجيس هذا فى سلام          وقد دك القرى ذات الحصون
وعاد الجيش هذا فى سلام          بما حصده من كرم وتين
وعاد الجيش هذا فى سلام          وبالنار ابتلى كل القصور

البحار المصري والملاحة فى عهد الدولة الوسطى

استمرت الرحلات البحرية فى الدولة الوسطى  بنفس نشاط وأداء الدولة القديمة ،بعد أن أصاب البلاد نوعاً من الخمول والكساد، نتيجة ثورة قام بها العامة فى أواخر الأسرة السادسة نتج عنها كساد اقتصادي وتجارى وسياسي شديد، وتدهورت فيه أحوال البلاد لدرجة أن القطر المصري قد قسم إلى مملكتين، مملكة في الشمال ومملكة في الجنوب، وقد عرفت تلك الفترة باسم عصر الانتقال الأول او عصر الاضمحلال الأول والمسمى الثانى هو الأصدق نتيجة ما ألت إليه البلاد فى تلك الفترة، حتى ظهور الدولة الوسطى والتى عادت فيها البلاد إلى سابق عهدها.

وتواصلت الرحلات على مدى الدولة الوسطى بحيث ترامت الأنباء عن جالية كبيرة فى جبيل كان حاكمها يستعين بكثرة بالمصريين حتى شاعت اللغة المصرية فيها. فقام الملوك بإنشاء المشروعات وشق الترع والقنوات وإرسال البعثات البحرية فى أفريقيا والشام مرة أخرى، كما كان فى الدولة القديمة وبطبيعة الحال ساد نوع من الازدهار التجاري فى البلاد المصرية من جديد.

أعمال الملك سنوسرت الثالث البحرية والقنوات

كان لهذا الملك العظيم سنوسرت الثالث فضلا ًعظيماً فى تطور الملاحة البحرية والنيلية فى مصر، حيث قام ربط النيل من عند الدلتا بكلا من البحر الأبيض المتوسط والبحر الاحمر، إلى جانب انه قام بشق قناة اخرى فى الجندل الأول جنوباً تصل النيل بالبحر الأحمر، إلى جانب الاهتمام بشق الترع والمصارف واستصلاح الأراضي الزراعية الناتج عن شق تلك القنوات والترع، مما جعل مصر فى حالة رخاء كبير، وقوة اقتصادية كان يخشاها العالم القديم أجمع، وفيما يلى أهم مشاريع الملك فى تطوير الملاحة وشق القنوات.

قناة سنوسرت الثالث (قناة السويس حالياً)

هى أول فكرة من أفكار أنشاء قناة السويس بشكلها الحالى، وهذا الملك يعتبر من الملوك الأوائل الذين شقوا قناة تصل من البحر الأبيض المتوسط  إلى البحر الأحمر وقناة سنوسرت هى نفس فكرة قناة السويس حاليا، فقد كانت السفن القادمة من البحر الأبيض تسير في الفرع البيلوزي من النيل حتى”بوباستس” (الزقازيق حاليا) ثم تتجه شرقاً إلى “تيخاو” (أبو صوير) ومنها عبر البحيرات المرة التي كانت خليجاً متصلاً بخليج السويس ومنها إلى البحر الأحمر. ومازالت آثار هذه القناة واضحة المعالم حتى الآن بمحاذاة المجرى الحالي لقناة السويس بالقرب من (جنيفة)، إلا أن هذه القناة كثيراً ما ردمت وتجددت في عصور الفراعنة والرومان.

قناة سنوسرت الثالث فى الجندل الأول جنوباً

كما قام الملك (سنوسرت الثالث) بشق قناة أخرى – أثناء حكمه (1978-1842 ق.م) حيث شق القناة فى صخور الجندل الأول، إلى البحر الأحمر، فكانت هذه القناة إلى جانب قيمتها التجارية طريقا لسفنه الحربية، واستعملته أساطيل الفراعنة لمئات السنين أثناء حروبهم المنقطعة مع كوش ويمكن اعتبار ذلك من أكبر الأعمال التى قام بها هذا الملك العظيم.

وتذكر لنا بردية الملاح الغريق مدى الاهتمام بالإبحار فى تلك الفترة والتى سنعرضها عليكم كما ترجمت، وقد عثر على تلك البردية فى الدير الإمبراطوري فى بتروجراد فى عام 1880 م عن طريق عالم المصريات الروسى جولينشيف وترجمها إلى الفرنسية وكان لها دوى فى العالم كله حين عرضت فى ذلك الوقت، ويعتبر بطل هذه القصة من أشهر الملاحين فى عصر الدولة الوسطى.

قصة الملاح الغريق أو ملاح السفينة المكسورة قال الخادم الماهر: ليطلب قلبك يا رئيسى ،فقد وصلنا إلى الوطن وأخذ الرجال المطرقة، ودقوا الوتد، وجعلوا مؤخرة السفينة حيال الشاطئ ، وهتفوا ، وصلوا للآلهة وأخذوا يتعاقفون ….. وقد عاد بحارتنا فى صحة جيدة، ولم ينقص منا جندى واحد. ولقد وصلنا فى رحلتنا إلى أخر بلاد (واوات) ومرونا (بسانمويت) قرب الشلال الأول وعدنا الآن في سلام الى بلادنا.

ألقى سمعك ياثيسى، فلست رجل حيلة، أغسل جسمك، وصب الماء على أصابعك، وصل ثم أفض بما فى قلبك للملك، وأحرص على رابطة جأشك حينما تتكلم، فإنه أن كان لسان الرجل منقذه فقد يكون كلامه قاضيا عليه بأن يغطى وجهه أفعل أن يرشد إليه قلبك، وليكن ما تقوله أداة سلام لك.

سأقص عيك بالحق ما وقع لى أنا نفسى، كنت قاصدا إلى مناجم الملك فركبت البحر فى سفينة طولها 150 ذراعا ومعى 150من نخبة البحارة فى مصر. وكان هؤلاء البحارة قد عرفوا السماء، وعرفوا الأرض، وكان فى قلوبهم من البأس قبل هبوبها وبالإعصار قبل ثورته وبينما نحن فى البحر هبت علينا عاصفة فجأة، وكنا قريبين من الأرض فدفعت بنا الريح نحوها، وأثارت أمواجا كانت ترتفع إلى ثمانية أذرع، ورأيت على مقربة منى قطعة من الخشب فألقيت بنفسي عليها وركبتها ،ومات كل الذين بقوا فى السفينة ولم ينج منهم أحد.

وقذفت بى الموجة إلى جزيرة، فقضيت فيها ثلاثة أيام لا رفيق لى فيها غير قلبى، ونمت فى غابة تشبه المخبأ فوجدت تيناً وعنباً، وكل أنواع الكراث الجميلة، وبذوراً وشماماً من كافة الأنواع ووجدت أسماكاً وطيوراً وبالأجمال لم يكن شلال وهو فوق ذلك المكان ، فأكلت حتى شبعت، ثم وضعت على الأرض بعض ما كانت يداي تمتلئان به، ثم حفرت حفرة وأشعلت ناراً، وجعلت ألقى فى النار مما هنالك، فرباناً يصل بواسطتها إلى الآلهة.

ولم أشعر بعد ذلك ألا وقد سمعت دوياً كدوى العد ، فكشفت عن وجهي ، فرأيت ثعباناً هائلاً  يتقدم نحوى، طوله 30 ذراعاً، ولحيته يزيد طولها على ذراعين، وجسمه مرصع بالذهب ، ولونه كلون اللازورد، ثم وقف هذا الثعبان أمامي، وفتح  فمه فى وجهي، بينما قد أنطرحت على بطني ثم تكلم فقال: ((من أتي بك ؟من أتى بك؟ أيها الصغير من أتى بك ؟ أن كنت تأخرت عن أن تقول لى من أتى بك إلى هذه الجزيرة فسأعرفك من أنت فإما أن ألقيك فى النار فتختفى فيها ، وأن تقول لى ما لم أسمعه ولم أعرفه قبل رؤيتك)).

ثم حملني فى فمه، ونقلني إلى المكان الذى يقيم فيه، من غير أن يصيبني أذى، وكذلك انتقلت سليما معافى لم بنقص منى شئ. ثم قال لى مرة أخرى: ((من أتى بك؟من أتى بك؟ من أتى بك؟ أيها الصغير من أتى بك إلى هذه الجزيرة التى تغوص شواطئها فى الأمواج)).

وكنت إذ ذاك منبطحاً على بطني ويداي مرسلتان أمامه فأجبته قائلا: أردت إلى المناجم بأمر من الملك فركبت سفينة طولها مائة وخمسون ذراعا وعرضها أربعون ذراعا، ومعى مائة وخمسون من  نخبة البحارة فى مصر وكان هؤلاء البحارة قد عرفوا الأرض، وكان قلوبهم البأس أكثر من قلوب الأسود ،ثم كانوا إلى جانب ذلك ينبئون بالعاصفة قبل هبوبها وبالإعصار قبل ثورته، وكان كل واحد منهم أقوى من أخيه قلبا وذراعا، ولم يكن بينهم جبان، وبينما نحن فى البحر هبت علينا عاصفة فجأة ، وكنا قريبين من الأرض فدفعت بنا الرياح نحوها أثارت أمواجا كانت ترتفع إلى ثمانية أذرع، ورأيت على مقربة منى قطعة من الخشب فألقيت بنفسى عليها وركبتها، مات كل الذين بقوا فى السفينة ولم ينج أحد ، وقد انقضت على ثلاثة أيام ،والآن هانذا قريب منك ، وأنا الذى دفعنى موجة إلى هذه الجزيرة)).

فقال الثعبان: لا تخاف شيئا، لا تخف شيئا أيها الصغير ولا تدع الحزن ينتشر على وجهك، لقد وصلت إلى لأنه قد كتب لك أن تصل إلى هذه الجزيرة السعيدة التى كل فيها  شئ والتى هى مملؤه بالأشياء الطيبة، ستقيم هنا شهرا بعد شهر إلى أن تمضى أربعة أشهر،ثم تأتى سفينة فيها بحارة عرفتهم وستسافر معهم وستموت فى مدينتك أن مما يوجب أرتيحاي أن اطلع رجلا ً عانى الألم مثلك على ما هنا فسأخبرك أذن بما فى هذه الجزيرة بما فى هذه الجزيرة لا انقص من ولا أزيد.

((اننى أعيش فى هذه الجزيرة بين أخوتي وأبنائي وعددنا خمسة وسبعون ثعبانا، وعد ذلك توجد فتاة جاءتني من طريق السحر، وذلك أن نجمة سقطت، فخرج منها الذى كانوا فى نارها، وظهرت الفتاة من غير أن أكون مع الكائنات التى رجت من النار أو بينها ،وإلا فلو أنني كنت مع هذه الكائنات أو بينها لمت ، وقد وجدت الفتاة بعد ذلك ميتة وحدها وبعد فأقول لك انك أن كنت شجاعا ، وكان قلبك قويا فتضم إلى صدرك أولادك ،وستعانق امرأتك، وسترى دارك وهذا خير من كل شئ، ستصل إلى بلادك وستكون فيها بين أخوتك)).

وحينئذ انبطحت أرضا على بطنى وقلت: دونك الآن ما أريد أن أفضى به إليك ، سأصف أرواحك لفرعون، وسأخبره بمجدك، وسأجلب لك زيوتا مقدسة ودهاناً وصندوقاً لذخائرك المقدسة، وبخورا للمعبد مما تعجب كل إله ، وسأقص على فرعون كل ما أتيح لى أن أراه هنا ، وسيعبدك الناس فى مدينتك بمحضر أعيان الأرض جميعا، وسأذبح لك ثيرانا ثم أحرقها فى النار، وسأخنق لك الطيور ،وسأحضر لك كنوزا محملة على سفن من مصر، كما يفعل الناس لإله محب لهم فى بلاد بعيدة لا يعرفونها.

فضحك منى ومن كلامى ثم قال لى: ((ليس عندك من كثير، وكل لديك بخور، أما أنا فأنى ملك بلاد بونت وعندى مر، والشئ القليل وحده فى هذه الجزيرة هو الزيت المقدس، على أنك متى فارقت هذه الجزيرة فلن تراها لأنها ستتحول إلى أمواج)).

فلما جاء السفينة كما كان الثعبان قد أخبرني ، وصعدت فوق شجرة عالية وجعلت أراقب الذين فيها ، ثم ذهبت إلى الثعبان وأبلغته الخبر فوجدنه يعرفه وحينئذ قال لى: ((صحة جيدة أيها الصغير حتى تصل إلى دارك سترى أولادك وليكن اسمك مذكورا بالخير فى مدينتك تلك هى أماني لك)).

فانبطحت على بطنى أمامه وأرسلت يدي فأعطاني من الهدايا مراً، وزيتاً مقدساً ودهاناً وصندوقاً وفلفلاً ومسحوقاً وكحلاً وسرواً، وبخوراً وذيول حيتان، وآنياب فيلة، وكلاباً سلوقية وقروداً وغير ذلك من كل ما هو ثمين فحملت هذه الهدايا إلى السفينة تم انبطحت على بطنى وعبدت الثعبان.

فقال لى: ستصل الى بلادك بعد شهرين وستضم أولادك إلى صدرك، وبعد ذلك تمضى إلى قبرك لتجدد شبابك. فسرت إلى  الشاطئ حيث السفينة، ودعوت الجنود الذين فيها وصليت على الشاطئ لسيد الجزيرة وللذين يقيمون فيها ،ولما عدنا إلى مدينة الملك جنحت السفينة وأرتطم مقدمها بالساحل ووصلنا إلى قصر الملك فى الشهر الثاني كما ذكر الثعبان قد تنبأ ، فمثلت أمام الملك وقدمت له الهدايا التي جلبتها من الجزيرة ، فشكرني أمام أعيان الأرض جميعا ، ثم دخلت خدمة الملك وصرت متصلاً بكبار حاشيته.

والآن فخفض نظرك لى، فقد عدت إلى ارض مصر، بعد ما رأيت أشياء كثيرة ومرت بى محن كثيرة، أصغ إلى فإن الإصغاء نافع لقد قال لى فرعون ((كن خادما بصيراً فطناً يا صديقى)) فمن هو الذى يسقى الطير فى بكور اليوم الذى ينوى أن يذبحه فيه. انتهت القصة من بدايتها إلى نهايتها كما وجدت مكتوبة والذى كتبها الكاتب (امونى اماناوو) ذو الأصبع الماهرة اله الحياة والصحة والقوة.

البحار المصرى والملاحة فى عهد الدولة الحديثة

وكما سبق واشرنا أن مقبرة الملك أحمس فى مدينة الكاب عليها مناظر للأساطيل التى أستخدمها الملك أحمس فى طرد الهكسوس، والذى ما تم له النصر إلى وتوجهه بتلك الأساطيل الى الجنوب الى بلاد بونت ويبدو أنه كان يقود أسطولاً مصرياً فى حربة من قناة سنوسرت الثالث فى طريقة إلى بلاد بونت، ويروى لنا أحمس كيف جلالته أبحر شمالاً مسرور القلب فى نشوة الانتصار واستمرت الرحلات البحرية فى خلفاء الملك أحمس فجاء من بعده أبنه الملك (أمنحتب الأول) 1545 ق.م، والذى وصف القائد أحمس أحدى الغزوات الكبرى للبحرية المصرية فى عهد ذلك الملك.

ومن بعده جاء خليفته أبنه (تحوتمس الأول) 1508-1525 ق.م والذى سجل على لوحة فى تومبوس حنوب الجندل الثالث أنه توغل فى وديان (بأسطوله) لم يعرفها أجداده الملكيون ولم يرها الذين  يلبسون التيجان المزدوجة ،والحقيقة أن هناك أدلة قوية على وصول الجيش المصرى الى تلك المنطقة الجنوبية.

 رحلات بلاد بونت والبحار (نيبسى)

وتحدثنا أيضا الوثائق عن العديد من الرحلات عند قدماء المصريين شمالاً إلى بلاد الشام أو إلى الجنوب بواسطة السفن، ففى عام 1941 قبل الميلاد أرسلت الملكة حتشبسوت بنت الملك تحوتمس الأول بعثة بحرية مكونة من عدة سفن أقلعت بمائتين وخمسين بحاراً إلى بلاد بونت وعادت منها محملة باثنين وثلاثين شجرة من الأشجار النادرة غرست بمعبد الدير البحري الذي شيد بجهة طيبة (الأقصر) وسجلت على جدرانه هذه الرحلة.

وتخبرنا الملكة حتشبسوت: أنها فى يوم من الأيام وحين كانت تصلى فى معبد آمون شعرت بوحى ينزل عليها من الآله يأمرها بأن ترسل حملة الى تلك الأرض المنسية ((سمع أمر الإله فى المعبد بأن الطريق المؤدية لـ بونت ينبغي استكشافها وأن الطريق الموصل لأشجار البخور يجب أن يمهد للسير)) وطاعة لهذا الأمر جهزت الملكة أسطولاً صغيراً، وملأته بنخبة من الملاحين وكان منهم مندوب لها، وأبحرت السفن فى البحر الأحمر للبحث عن الأرض المقدسة، وقد حملوا السفن بالبضائع المصرية على أمل أن يبادلوها بكنوز بونت.

ونحن نجهل الزمن الذى استغرقه الأسطول فى الوصول إلى الأرض المجهولة وقد كان البحر فى تلك الأزمان محفوفا بالمخاطر والأهوال، ولكنا نعلم أن السفن قد وصلت أمنه. وأول ما رأوه أمامهم مباني بلاد بونت وكانت مبنية على تلال حتى انه لا يستطيع الوصول إليها إلا بواسطة السلالم وكانت ضيقة وملتصقة كخلايا النحل. ولم يكن سواد السكان زنوجاً ولو انه وجد ذلك العنصر بينهم، وكانوا على العموم يشبهون المصريين فى شكلهم.

وقد نزل الملاح نبيسى نائب الملكة إلى البر وصاحبة ضابط وثمانية جنود، ولكى يظهر أنه آت فى رحلة سلمية قدم إلى رئيس بونت بعض الهدايا كالحراب والسيوف والخناجر الذهبية، ومثل هذه الهدايا يقدما المستكشف الأوربى الآن إلى رئيس القبيلة الأفريقية.

وقد قدم الأهالي فى دهشة ليشاهدوا الغرباء وسفنهم وهداياهم فملكتهم الدهشة وسألوا المصريين: ((كيف وصلتم إلى هذه الأرض وهى مجهولة من جميع الناس ، هل جئتم عن طريق السماء أم عن طريق البحر المقدس)) وقد تقدم إلى المصريين زوجة الحاكم واسمه (باريهو) وزوجته (آتى) وابنتهما وكانت الزوجة راكبه حماراً فنزلت عن ظهره لتتأمل الأغراب، ولا شك فى أن الحمار حمد الإله على ذلك لأن المرأة كانت فى غاية السمن والضخامة، وكذلك ابنتهما على صغر سنها، كما صورتها الرسومات فى معبد حتشبسوت بالأقصر، والذى يوضح مدى ضخامة السيدة وأصابتها بداء الفيل فى ساقها.

وتبادلوا مع رسول الملكة السلام، وابتدأ المصريون فى العمل، فضربوا خيمة كبيرة ليعرضوا  فيها بضاعتهم وقد وقفت جانبها بعض الجنود ليدفعوا من يفكر فى السلب والنهب ،وفتح السوق جملة أيام والأهالي تبادل كنوز بلادها ببضائع مصرية ففرغت السفن المصرية، ثم ملئت ثانيتا بكنوز بونت وهى الذهب والأبنوس والقرود وجلود النمر والأسد وأخشاب البخور والصمغ، وعاد مع المصريين على سفنهم كثير من نبلاء بونت ليشاهدوا البلاد التى لم يسمعوا عنها.

ولم يكن الرجوع سهلا خاصتا وأن السفن كانت مثقلة بالكنوز والرجال، ووصل الأسطول إلى طيبة عن طريق قناة توصل البحر الأحمر بالنيل، وقد سر الجميع بنجاح الحملة فكان يوم وصولها إلى طيبة يوم احتفال عظيم اشترك فيه جميع المصريين على اختلاف طبقاتهم، وخرج الأهالي فى صفوف منظمة يستقبلون الجنود المستكشفين، وقاد الأسطول المستكشف أسطول ملكى إلى رصيف المعبد حيث رست السفن كلها.

واستطاع الطيبيون أن يروا الكنوز التى أتى بها المستكشفون وكانت دهشتهم عظيمة عندما وقعت إبصارهم على البونتيين، ولفت أنظارهم خاصة زرافة احضرها المصريون معهم. وقد وضعوا البخور فى المعبد بعد أن وزنته الملكة بنفسها بميزان مصوغ بالذهب والفضة وهكذا انتهت الرحلة بالنجاح والفوز.

وفى عهد تحتمس الثالث، إذ بالسواحل المصرية تشهد نشاط ما لم تشهده من قبل، وذلك بحكم ما كان ينطلق عاما بعد عام من حملات على بلاد سوريا، وما لم يكن عنه غناء من نقل الجنود بحراً إلى مواقع الجهاد، إذ توجهت حملته السادسة عام حكمه الثلاثين للقضاء على قادش، وربما هى أول عمليه بحرية كبرى فى التاريخ، وقد كان ذكر من قبل عن حملته السادسة حيث كان ما أسر من سفن نواة أنشاء عليها بعد ذلك الأسطول المصري، وكان تحتمس الثالث كما سجل فى حولياته حريصا فى كل حملاته كلما هبط إلى سوريا على أعداد كافة الموانئ بكل ما تحتاج إليه من مؤن وسفن من طراز شتى ذكرت منها السفن الكريتية (كفتيو) والجبيلية (كبنت) وحاملات الجنود (سكو) التعبئة وحاملات الماشية والخيل (سكت أهو) و (أهو مرو)، وذلك فضلا عن أخشاب الأرز التى لم يعد لمصر غني عنها، وذلك من أجل صيانة الأسطول وتدعيمه، ولا شك أنه أهتم بالموانئ أو المرافئ المصرية للإقلاع والعودة وضمانا للإمداد.

قناة سيتى الأول عام 1310 ق.م

وهذه القناة أيضا هي أحدى مراحل تطور قناة السويس إلى أن وصلت بشكلها الحالي ومما ينسب إلى (سيتى الأول) ثالث فراعنة الأسرة التاسعة عشرة وخليفة رمسيس الأول ،مؤسس الأسرة التاسعة عشر، والذي تولى الملك من سنة 1313 إلى سنة 1292 ق.م من الأعمال العظيمة التى ارتفعت بها البحرية والملاحة أنه بدأ يحفر خليج يوصل البحرين الأبيض والأحمر مستمدا من فرع النيل الشرقى، وقد اختلف المؤرخون في دوره في حفر القناة، ولكن الأرجح أنه أعاد حفر القناة في عهده من عام 1319 ـ 1300 ق.م.

ولنا أن نتخيل ما كانت عليه الموانئ المصرية فى عصر الدولة الحديثة وما شهدته البحرية المصرية والملاحة والملاحين من تطور، حيث خرجت السفن إلى معظم أرجاء الأرض فقد كان هناك أتصل وسفن تبحر إلى جبيل واليونان وتكريت ولبنان وبلاد بونت وغيرها من ممالك العالم القديم حينذاك، وذلك للتجارة والتبادل الذى كان يحدث فى العواصم القديمة، هذا إلى جانب سفن نقل الجنود والعاملين والركاب، مما جعل حال الملاحة والملاحين والبحارين فى مصر فى وضع ممتاز حرفياً ومادياً واجتماعياً.

البحار المصري والملاحة  فى العصر الفرعونى المتأخر

كما نعرف من التاريخ المصرى القديم أن فترة العصر المتأخر من الحضارة المصرية القديمة قد ساءت فيه أحول البلاد المصرية لدرجة أنها تعرضت إلى الغزو من ممالك مجاورة أكثر من مرة فى تلك الحقبة التاريخية، مما يدل على ضعف الأسطول المصري القديم وتدهور أحواله. ولكن فى بعض الفترات الزمنية المتقطعة كانت تظهر لنا أهمية الأسطول والبحرية المصرية القديمة، فنجد فى عهد الملك  (نخاو) ثانى ملوك الأسرة السادسة والعشرون، طاف الأسطول المصرى بقيادة قواد فينيقيين حول القارة الأفريقية عام 616 ق.م ، وقبل رحلة البرتغالي الشهير (فاسكود  جاما) بنحو 21 قرن من الزمان.

وقد ذكر هيرودوت عن تلك الرحلة أن الملك نخاو أرسلها لارتياد سواحل أفريقيا المعروفة وقتئذ باسم لوبيا وكان اعتقاد المصريين أن الأرض تحيط بها المياه من كل الاتجاهات. وقد استغرقت تلك الرحلة ثلاث سنوات كاملة من تاريخ إقلاعها من الميناء الذى قامت مدينة السويس على أنقاضه، إلى أن عادت عن طريق جبل طارق إلى ساحل القطر المصري الشمالي.

قناة نخاو عام 610 ق.م

الملك نخاو هو أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، فكر في حفر قناة تصل بين النيل والبحر الأحمر، وذلك بعد هزيمته من ملك بابل وقتها (نابو بلاسر) والتى كانت الجيوش تحت قيادة أبنه نبوخذ نصر، على سواحل نهر الفرات فى معركة(قرقميش) عام 605 قبل الميلاد.

من هنا عرف الملك نخاو أهمية الحروب البحرية وخاصتا بعد تلك الهزيمة المنكرة فى البر على يد نبوخذ نصر، فعمد على أنشاء أسطول بحرى ضخم وقوى، جعل جزء منه فى البحر المتوسط للقتال ومقابلة العدو من الشمال، والجزء الأخر جعله للقتال  فى البحر الأحمر وملاقاة العدو من الشرق.

ولكي يربط الأسطولين ببعضهما فكر بإنشاء قناة تصل البحرين ببعض، فأمر الملك نخاو بتنظيف ورفع الرمال عن قناة ستى الأول والتى قد أهملت فى السنين السابقة لحكم الملك نخاو، ولا شك أن تلك الرغبة فى السيطرة على البحر، أدت الى تطور ونمو العلاقات التجارية عبر البحار، ومن أجل فتح منافذ أفريقیة أمام أسطوله الضخم ھذا، استعان بالبحارة الفینیقیین، لتكوين أول أسطول للطواف البحرى حول أفريقیا. وحول هذا الموضوع يقول “هيرودوت” (القرن الخامس ق.م): “أنجب أبسماتيك نبكوس (نخاو) الذي حكم مصر وهو أول من شرع في حفر القناة التي تؤدي إلى بحر أروتوري (البحر الأحمر)”.

وأيضا ما ينسب إلى الملك نخاو أنه فى القرن السادس قبل الميلاد خرجت من مصر بعثة قام بها أسطول الملك نخاو، وذلك لتدور حول أفريقيا من الشرق إلى الغرب وتدخل البحر الأبيض المتوسط عن طريق أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق). وهنا يحدثنا المؤرخ القديم هيرودوت 450 قبل الميلاد عن أنباء تلك الرحلة التى استغرقت ثلاث سنوات، وكيف أن الشمس كانت تشرق عن يمينهم، بعد ما داروا حول أفريقيا.

ومن بعد الملك نخاو حكم أبنه الملك (واح إيب رع) ومن بعده الملك (أمازيس) والذي قيل أنه فتح جزيرة قبرص. ومع تدفق الإغريق على مصر فى عهد أمازيس حتى ضاق بهم المصريون، رأى أن يقر تجار الإغريق فى مدينة جعلت لهم وخصهم بها وجاملهم باسمها الإغريقي نوكراتس أي سيدة البحار وجعل لها ميناء أو مرفأ يستقبل ما يُرد من اليونان من عروض هائلة أثروا منها ثراء فاحشاً معجلاً، وفى تلك العصور المتأخرة من تاريخ مصر نشأ ما قد نسميه الموانئ، فكان فضلا عن موانئ برونفر وتانيس وبايرامون وما عرف فيما بعد باسم الفرما (بلوز) ودمياط فى أكبر الظن وإن كانت موضع جدل … ثو رع قدت التى قدر لها أن تكون أساس عروس البحر المتوسط الإسكندرية.

البحار  المصرى والملاحة فى عصر الفرس

على الرغم من مساوئ الاحتلال إلى أن مصر قد استفادة ولو بالشئ القليل من الاحتلال الفارسي ومنها قناة دارا الأول.

قناة  دارا الأول

من أهم ما أقيم فى العصر الفارسى هو شق قناة دارا الأول عام 510 ق.م في عهد الاحتلال الفارسي لمصر، ظهرت أهمية برزخ السويس، حيث ازدهرت خطوط المواصلات البحرية بين مصر وبلاد فارس عبر البحر الأحمـر، وإبان حكـم “دارا الأول” مـلك الفرس مـن عام 522 ـ 485 ق.م الذي أعاد الملاحة في القناة، وتوصيل النيل بالبحيرات المرة، وربط البحيرات المرة بالبحر الأحمر.

البحار المصرى والملاحة فى عصر الإسكندر

ليس هناك دليل قوى على اهتمام اليونانيين بالملاحة والمواني من أنهم أنشئوا مدينة الإسكندرية، والذي كان يعتبر أكبر ميناء موجود على ساحل البحر الأبيض المتوسط بل وقام الإسكندر الذى أمر ببناء الإسكندرية بتغيير العاصمة وجعل الإسكندرية هى عاصمة مصر سنة 331 قبل الميلاد، واستمرت إلى ما يقرب إلى 1000عام تقريبا هى عاصمة مصر حتى دخول الفتح الإسلامي وبناء مدينة الفسطاط بأمر من عمرو بن العاص حاكم مصر وقائد الجيوش الفاتحة لمصر فى خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه.

الإسكندرية (رع – دقت)

بعد ذهاب الإسكندر الأكبر إلى ممفيس أمر مهندسة المعماري (دينوقريتس) أن يبنى حول (راكوتيس) مدينة يونانية رائعة ،لم تكن هذه محض مثالية من جانبه، ولكنها كانت مثالية لها جانبها العملي فهو يحتاج إلى عاصمة لمملكته المصرية الجديدة، ولكي ترتبط هذه العاصمة بمقدونيا، كان يجب أن تكون على الساحل، وهنا كان المكان المناسب، ميناء رائع ومناخ ممتاز، ومياه متجددة، ومحاجر من الحجر الجيري ومدخل سهل للنيل.

وضمت المدينة المنظمة الشوارع المرصوفة بالأحجار،مكتبة ومسرح ومتحف ومنارة، إلى جانب الجامعة التى كان مقرها مكتبة الإسكندرية والتى سوف تكون منبرا من منابر العالم فى العالم القديم.

وقد كان لاختيار الإسكندر مدينة الإسكندرية غرض وذلك لان مصر لم يكن لها ميناء ثابت على البحر الأبيض المتوسط وهذا ما وصفة المؤرخ هيرودوت فى القرن الخامس قبل الميلاد، ولعل هذا هو السبب فى أن اليونانيين قاموا بتأسيس مدينة نقراطس على الفرع الكانوبى للنهر وذلك فى القرن السابع قبل الميلاد، وهذا ما دعى الإسكندر الأكبر إلى بناء مدينة جديدة تسمى باسمه، وأن تكون ميناء جديدا ايضا لمصر.

سبب أختيار الإسكندرية

  1. الحماية من أثار الفيضان.
  2. الحماية من التيار البحرى من الغرب إلى الشرق على طول الساحل.
  3. الحماية من الرياح العكسية الجنوبية الغربية فى الشتاء، والرياح التجارية الشمالية الشرقية صيفا.
  4. إمكانية الاتصال بمقدونيا وتلقي المدد فى حالة نقص الموارد أو وجود العقبات أثناء فتح الإسكندر لمدن العالم القديم وممالكة.
  5. إمكانية الاتصال المباشر بداخل مصر عن طريق احد فروع النيل.

من هنا كان موقع الإسكندرية والتى كانت تسمى فى العصور الفرعونية باسم (رع-دقت) والتى سمها العرب فيما بعد رقودة،كان هذا الموقع هو أنسب المواقع لبناء المدينة الجديدة والتى كما قلنا ستظل لقرابة ألف عام عاصمة المملكة المصرية القديمة،وقد أهتم الإسكندر الأكبر وخلفائه بميناء الإسكندرية  وبالملاحة وبالملاحين المصريين.

هذا إلى جانب أن الإسكندر الأكبر قد قدم إلى مصر فى أسطول بحرى كبير جدا من مقدونيا، وبعد أن تم فتح مصر ترك جزءاً من الأسطول (حامية) فى مياه البحر المتوسط بالقرب من عاصمته الجديدة الإسكندرية، وقد قام بتدعيم أسطوله المرابط في مياه الإسكندرية بالبحارة المصريين المتميزين والذي ذيعا صيتهم في مصر في ذلك الزمان، مستعينا بخبراتهم في معرفة البحر الأبيض المتوسط وكذلك البحر الأحمر وكل المجارى المائية في مصر.

وقد دارت معارك بحرية كثيرة في السواحل المختلفة من آسيا وشمال أفريقيا في عصر الإسكندر الأكبر ظهرت فيها براعة الأسطول والذي بالطبع كان فيه بحارة وملاحين مصريين.

قناة الإسكندر الأكبر (335 ق.م)

من أهم المشروعات التى فكر بها الإسكندر الأكبر عندما فتح مصر عام 332ق.م أشرف على تخطيط مشروع القناة لنقل سفنه الحربية من ميناء الإسكندرية وميناء أبي قير بالبحر المتوسط إلى البحر الأحمر عبر الدلتا والبحيرات المرة، كما بدأ تنفيذ مشروع قناة الشمال، إلا أن المشروعين توقفا لوفاته.

البحار المصرى والملاحة فى عصر البطالمة (اليونانيين)

بعد أن أستقل بطليموس الأول بمصر عن الإمبراطورية المقدونية بعد موت الإسكندر الأكبر قام على الفور بإنشاء جيش وأسطول بحري  كبير له فى مملكته الجديدة مصر، وكان قوام الأسطول والجيش من القادة المقدونيين الذين أيدوا بطليموس الأول فى انشقاقه عن الدولة المقدونية، ومن ثم فقد تكون الأسطول  من المصريين الذين لهم باع وخبرات فى فن الملاحة البحرية، وقد كان معروف عن الملاح المصرى القديم فى تلك الفترة أنه من أمهر وأذكى ملاحى العالم، على الرغم من الحالة السيئة التى كانت تمر بها مصر فى ذلك الوقت من استعمار فارسى وسوء أحوال المعيشة وتسريح الجيش المصرى وحل الأسطول وعدم الاعتماد عليهم فى الحروب، ولكن بدخول الإسكندر الأكبر ومن بعده البطالمة، والذين كونوا جيشاً وأسطولاً من المرتزقة والمقدونيين والمصريين قوياً يستطيع مواجهة أى خطر يحيط بالإسكندرية عاصمتهم الجديدة.

من هنا أخذ بطليموس يعمل على بناء قوته البحرية، وتدعيم مكانته،فقام فى عام 309 قبل الميلاد بالاستيلاء على منطقة (ليكيا) فى آسيا الصغرى وجزيرة (كوس) فى بحر إيجة وفى العام التالى 308 قبل الميلاد قام بالاستيلاء على مجموعة (جزر الكيكلاديس) والتى تتمتع بموقع مهم فى مدخل بحر إيجة، وذلك تحت دعوى تحريرها من (أنتيجونيس). وبذلك القوة البحرية والمناطق والمنافذ البحرية الذى سيطر عليها بطليموس الأول،بدأ يتحكم ويتدخل فى شئون بلاد اليونان ،وبات يتدخل فى هذه المنطقة شكل تهديدا لنفوذ (كأسندروس).

ومن بعد بطليموس الأول جلس على العرش أبنه بطليموس الثانى المعروف باسم بطليموس فيلادلفوس، ويعتبر هذا الملك البطلمي  هو أقرب الملوك إلى المصريين من البطالمة جميعا،حيث أنه تزوج من أخته بحجة أنه فرعون مصر، وتلك عادة من عادات الطقوس الملكية للملك عند اعتلائه عرش مصر، وهى عادة منبوذة عند اليونانيين والمقدونيين عمتا.

ويعد عصر بطليموس فيلادلفوس بحق هو أزهى تاريخ مصر فى عصر البطالمة، ويعزى إلى هذا الملك غالبية النظم الإدارية فى البلاد، كما بلغت مدينة الإسكندرية أوج عظمتها ،فقام فنار الإسكندرية الشهير شامخاً، وقوى الأسطول البحري في مصر.

ومن هنا بدأ ملوك البطالمة حكام مصر فى تلك الفترة فى التفكير فى الملاحة البحرية، وعمل المشروعات التى تخدم الملاحة البحرية، كالميناء والمنارة والأرصفة التى ترسوا عليها السفن ،والخدمات التى تقدم لها، وأيضا أهتم البطالمة بتدريس علوم الملاحة والعلوم المساعدة لها فى جامعتهم ومتحفهم الذين أنشئوه فى الإسكندرية، كعلم الجغرافيا وعلم الفلك وغيره من العلوم المساعدة لعمليات الملاحة البحرية.

قناة بطليموس الثانى

وقد قام باستكمال هذه القناة والذى بدأ فى التفكير بها الإسكندر الأكبر وأصبحت ممتدة من النيل حتى “أرسناو” (السويس حالياً) ولكن البيزنطيين أهملوها فطمرتها الرمال. وفيما يلى سوف نستعرض منارة الإسكندرية وأهميتها فى الملاحة البحرية فى البحر المتوسط  فى ذلك الوقت، والتى استمرت بعدها مئات السنين إلى أن تهدمت بفعل زلزالاً قوياً ضرب مصر وسواحل البحر الأبيض المتوسط فى ذلك الوقت.

منارة الإسكندرية

حيث أن الساحل المصري مكون أساساً من الطمي، لذا كان يصعب رؤيته من البحر، ولهذا كان من الضروري أن يتم تحديد موقع المدينة بواسطة ((معلم هائل جداً)) ومن الأفضل أيضاً أن يتم بواسطته إرشاد البحرة ليصلوا بعيداً عن حواجز الأحجار الجيرية التى تبطن الشاطئ،ولهذه الأسباب بني البطالمة منارة ارتفاعها أكثر من أربعمائة قدم، وتقع فى الطرف الشرقى من جزيرة فاروس (قلعة قايتباى حالياً). أما هنا فيكفينا أن نلاحظ أن فاروس ((كما كانت تدعى)) كانت أكبر أنجاز عملى للعقل السكندري فهى التعبير المجسد للعلوم الرياضية التى كانت تجرى فى الجامعة ،كان (سوزتراتوس) مهندساً معاصراً لـ (إيراتوسثين) و(إقليدس) وكانت فاروس كقلعة ومنارة هى محور الدفاع البحرى للمدينة.

إنها تطل على كلا الميناءين وتراقب على الأخص الميناء الشرقي، وهى الأكثر أهمية، حيث كان يرسوا الأسطول الملكي، وحيث كان الجزء البارز من القصر يمتد فى اتجاه هذه الميناء ،أما فى الغرب فكان بالإمكان أن نميز الميناء الآخر الذى يمتد إلى (تشسرزونيز) وهى حالياً قلعة العجمي، وإلى الغرب أكثر كان يمتد صف طويل من أبراج المراقبة والمنارات التى رصعت ساحل شمال أفريقيا وربطت مصر بشقيقتها مملكة سيرين، وأحد هذه الأبراج مازال موجوداً (وهو عند أبو صير) وهو يبرز بصورة مصغرة ما كانت عليه فاروس ذات يوم.

الضابط والملاح (فيلون) و(أريستون)

أهتم البطالمة بالبلاد العربية وكان عندهم شوق وتلهف لفتح تلك البلدان وضمها إلى مملكتهم فى مصر، فقام بطليموس الأول بإرسال حملة بقيادة ضابط بحرية يدعى فيلون، وقد وصلت هذه الحملة حتى مروى فى أفريقيا، وجزيرة فى البحر الأحمر تسمى( توبازوس).

أما فى عهد الملك بطليموس فلادلفوس توصلت الحملات الاستكشافية ،وكانت تحت قيادة البحار (أريستون)، وكان الهدف من هذه الحملة اكتشاف شواطئ بلاد العرب، وقد قام فلادلفوس بإنشاء مستعمرة تدعى (أمبيلونى) كما أعد أحد الملاحين فى عهد الملك كتاباً عن موانئ البحرين الأحمر والمتوسط.

وقد تحدث أريستون عن سكان بلاد العرب ،وذكر أن أهم القبائل هى قبيلة ثمود، والتى كانت تسكن فى منطقة الحجاز الحالية تقريباً، بالإضافة إلى قبائل آخري كانت تسكن الجنوب منها، كما تحدث عن ممالك  اليمن، وقد تأثر الأنباط بالنشاط البحري للبطالمة فى البحر الأحمر، فأخذ فى ممارسة القرصنة ضد السفن  المصرية، مما جعل فيلادلفوس يقرر القيام بحملات لردعهم، وتأمين تجارة مصر الشرقية ،فقام بحملة ضد الأنباط فى عام 278ق.م وأعقبها بحملة آخري فى عام 277ق.م مما جعل الأنباط يحملون لكراهية لدولة البطالمة حتى آخر أيامها.

الملاح يودوكسوس

الجدير بالذكر قبل البدء فى قصة هذا الملاح العظيم انه أوردت لنا النقوش الرومانية أن مجموعة من الملاحين المصريين هم من اكتشفوا الرياح الموسمية وإمكانية استخدامها فى الملاحة عبر المحيط الهندى صيفاً وشتاءاً، ويذكر ان أول من روى لنا قصة كما أوردها سترابون فى نهاية القرن الأول قبل الميلاد، ومجمل القصة كما اوردها سترابون، ان ملاحاً مغامراً يسمى يودوكسوس من كزيوس كان يعمل فى خدمة الملك بطليموس الثانى فى مجال الملاحة فى مناطق النيل العليا.

وعندما عثر المسئولين عن حراسة سواحل البحر الحمر على ملاح هندى تحطمت سفينته وكاد أن يهلك فاحضروه إلى الملك، بعد ما تحسنت حالته، رأى الملاح الهندى أن خير وسيلة ليفوز بعطف الملك أن يعده بان يرشد من يختاره الملك من ملاحين فى رحلة مباشرة إلى الهند، وفعلا استجاب الملك فورا إلى هذه الفكرة، وكلف البحار يودوكسوس القيام بهذه الرحلة. ويذكر بوسيدونيوس ان يودكسوس قام برحلتين مباشرتين إلى الهند:

  • الرحلة  الأولى: فى عام 118 ق.م مع الملاح الهندى مرشدا، وانها كانت ناجحة وعاد يودوكسوس بحمولة من الطيور والأحجار الكريمة.
  • الرحلة الثانية: كان يودوكسوس منفردا فى عام 116ق.م حينما كان الملك بطليموس الثامن قد توفى وزوجته كليوباترا الثالثة ما زالت على العرش.

والواضح من تلك القصة أن التجار والملاحين  السكندريون كانوا قد سيطروا على الملاحة الى بلاد الهند وشرق أسيا، ورغم أن القصة يرويها لنا سترابون إلى انه نفسه قد شكك فى القصة.

جامعة الإسكندرية وخدمتها فى تطور علوم الملاحة

ومن ناحية أخرى كانت مدرسة الإسكندرية القديمة ومكتبتها الشهيرة أبان العصر الهيلانى (اليونانى البطلمى) منارا للعلم والمعرفة، وفيها ازدهرت علوم الرياضة والطبيعة والفلك ،على يد علماء من أمثال بطليموس القلوذى وأرشميدس، وفيها تخرج مهندسون بارعون فى أنشاء وتخطيط الموانى ورسم الخرائط، وقد أسهمت مكتبة وجامعة الإسكندرية مما أسهمت به بثلاث أعمال مجيدة، تركت طابعها على الملاحة البحرية بقرون أولاها اختراع الإسطرلاب (آلة لقياس أرتفاع الأجرام السماوية) وثانيهما تحديد وقياس محيط قطر الأرض على يد (أمين متحف المدينة) الجغرافي السكندري (أر اتوسطين) حوالى عام 225 ق.م، وما تبع ذلك من أمكانية قياس خطوط الطول والعرض وتقدير أبعاد الأرض، أما الأثر الثالث فكان تقديم كتاب المجستى (almagesty) فى الجغرافيا لبطليموس سابق الذكر.

وقد تم تقدير طول محيط الأرض عن طريق رصد ظل الأعمدة والمسلات فى الظهيرة فى أطول يوم من أيام السنة يوم 21 يونيه، وذلك فى مكانين مختلفين فى وقت واحد، أولهما فى الإسكندرية والأخر عند أسوان، وبقياس زوايا الظل والمسافة الممتدة بين الموقعين أمكن تقدير محيط الأرض بما يعادل 40000كيلومتر بحسابنا فى تلك الأيام.

البحار المصرى والملاحة  فى العهد الروماني

أثناء الحكم الروماني لمصر، وفي عهد الإمبراطور الروماني تراجان ـTrajan عام 117 ق.م أعاد الملاحة للقناة التى تربط البحرين الأحمر والأبيض والتى كان قد فكر بها الإسكندر، وشقها بطليموس الثانى ،إلا أنها طمرت بالرمال نتيجة إهمال البيزنطيين لها، وأنشأ ترجان فرع جديد للنيل يبدأ من”فم الخليج” بالقاهرة، وينتهي في “العباسة” بمحافظة الشرقية، متصلاً مع الفرع القديم الموصل للبحيرات المرة. واستمرت هذه القناة في أداء دورها لمدة 300 عام، ثم أهملت وأصبحت غير صالحة لمرور السفن.

البحار المصرى والملاحة فى العصر البيزنطى (المسيحى)

تأثر الفنان القبطي المسيحي بالبحر والأشكال البحرية بشكل واضح جدا، حيث كانت السفينة من أهم الرموز المسيحية التي ترمز إلى العالم الأخر، وترمز فى الفن القبطي إلى كنيسة السيد المسيح عليه السلام التى تحمل كل من يدخل إليها إلى الجنة المنشودة وتحميه من الغرق حتى تصل به لبر الأمان. وهناك رسومات ومناظر لتلك السفن موجودة بالمتحف القبطى تدل على نفس المعنى السابق. هذا إلى جانب الرسومات التى تدل على تعلق المصرى القبطى بالبحار ومنها ما يلى:

  • السمكة: حيث شبة المسيح علية السلام السموات بشبكة تجمع مختلف أنواع الأسماك، والسمكة هى رمز مقدس عند المسيحيون الأوائل، وهى ترمز إلى العشاء الأخير وهى رمز على إيمانهم فكانت علامة التعارف بينهم.
  • التنين البحرى: ويرمز إلى تيامات الذى يرمز إلى الشر فى البحر وهنا حاول الفنان القبطى ان يرمز إلى سيطرت الحوريات فى معظم لوحاته على هذا التنين.
  • مجموعة الحوريات: وكثيرا ما صورت تلك الحوريات فى العهد المسيحى حيث أنها كما قلنا سابقا ترمز الى الخير ،حيث ظهرت الحوريات فى وجه جميل مبتسم.
  • الصدفة البحرية: وقد ظهرت كثير فى الفن القبطى وهى تعبر عن رؤية طقسية جنائزية فى الفن القبطى فمن غير الثابت أن تكون الصدفة مرتبطة بالطقوس الجنائزية فى الفن الرومانى.
  • إله النيل: وهو يرمز إلى السيد المسيح علية السلام ،حيث أنه استخدم كرمز بحرى لم يكن مقصورا على كونه شخصية دينية فقط بل يدل على ارتباطه بالماء، والمياه هنا فى مفهومها التجريدي تعنى مياه البحر أو النيل.

وكذلك من الرموز القبطية التى كانت منتشرة سفينة نبى الله نوح عليه السلام والنبى يونان والحوت والنبى موسى علية السلام وشق البحر وتعميد السيد المسيح وغيرها من الرموز الداله على تعلق المصرى المسيحى بالبحار والمياه.

البحار المصري والملاحة في العصر الإسلامي

لا شك أن الملاحة البحرية والبحار المصري القديم قد أندمج فى الأسطول العربي المسلم وذلك بعد الفتح الإسلامي لمصر عام 18هجريا، وهو اندماج طبيعي بعدما ما أصبحت مصر دولة أسلامية تتحدث اللغة العربية ودينها الأول هو الإسلام،من هنا أندمج البحار المصري في أسطول الإمبراطورية الإسلامية، حيث أن البحار والملاح المصري  فى ذلك الوقت كان أكثر دراية وخبرة من الملاح العربي والذي كان البحر بالنسبة له ليس كل شئ على عكس البحار المصري القديم في تلك الفترة، وقد  أتخذ من مدينة الإسكندرية ميناء هام لصناعة وتصليح السفن، إلى جانب أن الإسكندرية هى البوابة الحامية للدولة الإسلامية والتى امتدت من إيران شرقاً حتى المغرب غرباً.

وكانت مدينة الإسكندرية هي المدينة التي تتوسط الإمبراطورية الإسلامية المترامية الأطراف فى ذلك الوقت، إلى جانب أنها كانت مركز الدفاع الأول للإمبراطورية الإسلامية من الشمال، وخطر البيزنطيين الذين كانوا على حرب دائمة مع العرب والمسلمين، حيث كان البيزنطيين أكثر خبرة ودراية بالبحر من العرب، ولكن بعد دخول البحار المصري إلى الأسطول البحري الإسلامي سرعان ما تطور الأسطول البحري المسلم، بل وفى غضون سنيين قليلة تعدى الأسطول البيزنطى وفاقة من حيث العدة والعتاد ومهارة البحارين ،ويرجع الفضل فى تلك الطفرة إلى البحارين والملاحين المصريين وفى هذا التطور السريع جداً، فى خلال فترة زمنية قصيرة جداً، أدت إلى وصول الدولة الإسلامية إلى شرق آسيا ونهر السند شرقاً والى جنوب أوربا شمالاً والى المغرب العربي غرباً، والسودان جنوباً فى أفريقيا.

ويرجع التطور السريع للعرب والمسلمين  فى الملاحة وركوب البحر إلى اهتمام النبي صل الله علية وسلم ومن ورائه الخلفاء الراشدين بالبحر والذي ذكر في القران الكريم فى 28 أيه ومنها وعلى سبيل المثال وليس الحصر قوله تعالى:

(رَبّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة الإسراء الآية 66.

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) سورة الأنعام أيه 97.

وأيضا من الأسباب التى جعلت العرب يهتمون بالملاحة وتكوين قوى بحرية وخاصتا فى بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط) منذ  الفتح العربى لمصر الأسباب الآتية:

  1. تأمين طرق التجارة.
  2. صد غارات الروم البيزنطيين على سواحل الشام.
  3. اتخاذ قواعد بحرية لهم فى الجزر الواقعة فى بحر الروم.

قناة عمرو بن العاص

حين أراد عمرو بن العاص أن تكون الإسكندرية حاضرة مصر كتب عمر بن الخطاب يقول له: ((أنى لا أحب أن تنزل بالمسلمين منزل تحول  الماء بينى وبينهم، فى شتاء ولا صيف ،فلا تجعلوا بينى وبينكم ماء، أذا أردت أن اركب إليكم براحلتي حتى أقدم إليكم قدمت)).

إلا أن عمرو ابن العاص فى عام 18 هجرياً رأى انه لا مناص من نقل القمح إلى المسلمين من مصر إلى الجزيرة العربية عبر البحر، فى أيام المجاعة التى ضربت الجزيرة العربية أثناء حكم عمر بن الخطاب ثانى خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر عمرو بن العاص رضى الله عنه وأرضاه بشق قناة تصل النيل بالبحر الأحمر، وقد وصل طولها إلى 97 كم عند بحيرة التمساح، وكانت السفن تفرغ حمولتها فى ميناء الجار بالقرب من المدينة المنورة، ويقال أن قناة عمرو بن العاص ظلت مستخدمة إلى عام 110 هجرياً، إلى أن أهملت وطمرت بالرمال ونسيت مع الزمان.

وقد أظهرت أوراق البردى المكتشفة فى كوم الشقافة والتى ترجع تاريخها إلى عصر الوليد بن الملك بن مروان ،أن صناعة السفن فى مصر كانت زاهرة بوادي النيل فى جزيرة الروضة وفى بحر القلزم (السويس حاليا) وفى الإسكندرية، وكشفت تلك الأوراق عن مهارة المصريين فى تلك الصناعة ومهارة الملاحين والبحارين المصريين وتقدير الدولة العربية الإسلامية لتلك المهارة، ومدى استغلالها على يد الأمراء والولاة المسلمين.

هذا وقد شجع احمد ابن طولون على صناعة السفن وأمر بتوسيع دار السفن التى كانت فى الروضة فى ذلك الوقت وكانت تعرف باسم ( صناعة الجزيرة). وقد أنشاء الأمير أبو بكر محمد  الإخشيدي (323هـ -935 م ) دارا للصناعة فى ساحل الفسطاط عاصمة مصر التى بناها عمرو ابن العاص بدلا من الإسكندرية التى ظلت 1000 عام عاصمة لمصر.

هذا إلى جانب عناية الفاطميين فى مصر بالأسطول البحري وصناعة السفن، فأصبحت فى أواخر القرن السادس الهجري من اقوي الدول البحرية الموجودة على البحر المتوسط، وبذلك أصبحت مصر قوى بحرية عظيمة يخشاها العالم أجمع وقد كان من مظاهر التقدم البحري في العصر الفاطمي أمران هما :

  • إنشاء ديوان الجهاد أو العمائر ويختص بالأسطول، وقد كان مقرة دار الصناعة فى مصر.
  • إنشاء دور جديدة للصناعة فى القس والروضة والإسكندرية ودمياط.

أدب الرحلات البحرية عند العرب

ونتيجة التطور الذى حدث فى الملاحة والسفن فى العصر الإسلامي أدى هذا إلى ظهور أدب جديد يمسى بأدب الرحلات، وهو عبارة عن قصص البحارة العرب المسلمين فى أثناء أسفارهم المتعددة حول العلم، ومن أقدم تلك القصص قصة التاجر سليمان وعجائب الهند ورحلات السندباد التي هي في الأصل قصص عربية، والأخوة المغرورين، وتحفة الأنظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار  لابن بطوط،وغيرها من القصص الكثيرة التى سجلها لنا الرحالة العرب والمسلمين وكانت تلك القصص تمثل ربان أو ملاح السفينة التي حدثت عليها القصة.

وتحتوى تلك القصص على كثير من الأساطير البحرية ،كما تضم بين دفتيها رصيداً من التجارب الصادقة والملاحظات الملاحية الظريفة وتتميز بأسلوب رائع وخيال مشوق ويتضح ذلك من خلال تلك القطوف التالية: فلما طال عليهم الليل وهم يجرون فى
قبضة الهلاك وقد حكم عليهم الريح العاصف والبحار الزاخرة والأمواج الهائلة، ومركبهم ينط ويئن وتقعقع ويتتعتع تودعوا وصل كل فرد إلى جهة معبودة، لأنهم كانوا شيعا من أهل الصين والهند والعجم والجزائر واستسلموا للموت، وجروا كذلك يومين وليلتين لا يفرقون بين الليل والنهار.

فلما كانت الليلة الثالثة وانتصف الليل رأوا بين أيديهم ناراً عظيمة أضاءت أفقها، فخافوا خوفاً شديداً ونادوا على ربانهم وقالوا يا ربان ماذا ترى فى تلك النار العظيمة والتى ملئت الأفق ونحن نجرى إلى سمتها وقد أحاطت بالأفق والغرق أحب إلينا من الحريق، فبحق معبودك أن تقلب علينا المركب فى هذه اللجة والظلمة لا يرى من احد الأخر ولا يدرى ما كانت ميتته ولا يترع لوعة صاحبة وأنت فى حل وبل مما يجرى علينا فقد متنا فى تلك الأيام والليالي ألف ميتة، فميتة واحدة أروح ، فقال لهم اعلموا انه يجرى على المسافرين والتجار أهوال هذه اسهالها ونحن معشر ربابنة السفن لا نطلعها ألا وأجلنا وأعمارنا معنا فيها،ونموت قليلا منها ونموت بعطبها ،فاصبروا واستسلموا لملك الريح والبحر والذى يصرفهم حيث يشاء.

ومن تلك القصة يتضح لنا ما وصل له الربان والملاح العربي في الدولة الإسلامية من ذكاء وحسن تصرف. وتعكس لنا القصص والكتب سالفة الذكر خبرات كثيرة جديدة للعرب والمسلمين سواء فى الرحلات والإسفار إلى المناطق النائية وفى انتشار التجارة أو أشعاع تعاليم الإسلام الى جميع الاتجاهات سواء كانت عن طريق البر او البحر ،إلى جانب ما أضافوه من علوم أثرت الحياة والمعرفة  الإنسانية.

والدليل على ذلك الانتشار للعرب فى بلاد العالم أجمع هو وجود عملة عربية أسلامية فى كلا من روسيا وفنلندة والسويد بل والنرويج فى أقصى الشمال الأوربي وكذلك فى انجلترا وأيسلندا.

الموانئ المصرية فى العصور المصرية المختلفة والعصر الإسلامي

كان هناك أكثر من ميناء فى مصر فى حالة ازدهار شديد ورواج، وخاصتا فى مواسم الحج من دول أفريقيا إلى بلاد الحجاز فى ذلك الوقت ،إلى جانب ميناء الإسكندرية والذي لعب دورا كبيراً جداً فى أثراء التجارة الخارجية ونشاطها فى العالم أجمع ،فى تلك الفترة الزمنية المزدهرة بعد الفتح الإسلامي لمصر، ومن هذه الموانى ميناء الإسكندرية إلى جانب ميناء القصير ومينا القلزم وميناء الطور وميناء عيذاب ومينا آيلة.

ميناء الإسكندرية فى العصور الإسلامية

ازدهر ميناء الإسكندرية فى العصر اليونانى والرومانى ،وقد أستمر أيضا فى العصور الإسلامية كما قلنا منذ الفتح الإسلامي وحتى الدولة العثمانية ولكن من فى العهد الفاطمي ازدهرت الإسكندرية ومينائها بشكل كبير جدا.

حيث كانت الإسكندرية هى الميناء الذى تخرج منه الرحلات متجه إلى جميع دول العالم، فقد كان هناك طرق وخطوط ملاحية ما بين الإسكندرية وطنجة ،وأخرى بين الإسكندرية والقسطنطينية مرورا بساحل الشام (فلسطين وسوريا ولبنان)، هذا وقد ازدهرت الملاحة والتجارة الخارجية فى مصر عن طريق البحر مع أفريقيا وآسيا ودول أوربا، وأيضا ازدهرت التجارة من البندقية إلى مصر عبر الملاحة البحرية وخاصتا تجارة الأخشاب ،وكان الطريق الملاحي بين الإسكندرية وسوس من أكثر الطرق الملاحية أمناً، وكانت السفن العربية تنقل الزيتون والزيت والحرير من المهدية وبرقة وصفاقس وقابس إلى الإسكندرية، كما يرد إليها من مرسيا وقرطبة وملقا فى الأندلس التين والزئبق والمعدن الأخرى.

وكان يرد من صقلية إلى مصر الحديد والخشب ومن الشام الخشب والصابون والحرير الدمشقي، وتصدر إليها مصر الشب والنطرون والكتان والحرير الدمياطي والجلود المدبوغة والسيور والنسيج التنيسى.

ميناء آيلة

وهو ميناء يقع ما بين مصر وبلاد الشام ،على مسافة قصيرة من ميناء العقبة، كان يجتمع فيه الحجاج من شمال أفريقيا ومصر وبلاد الشام، وقد أحتلها الصليبيين لفترة زمنية ،مما جعل العرب فى تلك المدن يحولون مكان التجمع إلى الحجاز منه إلى ميناء أخر، وهو ميناء الطور كما سيأتي ذكره لاحقا.

ميناء القلزم

على الساحل المصرى فى شبة جزيرة سيناء وهو السويس الآن أو على مسافة ميل واحد منها، ومنها كانت ترسل الغلال إلى الحجاز، ويسكنها رجال المال والتجارة، وقد ازدهرت ازدهارا كبيرا بعد الفتح الإسلامي.

ميناء الطور

ظهرت كميناء هام على ساحل سيناء الجنوبي لفترة قصيرة من أواخر القرن العاشر إلى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، وقد ذكر القلقشندى أن سفن الحجاج كانت تخرج من الطور إلى أن احتلت مكانها ميناء عيذاب.

ميناء القصير

وهو ميناء صغير على نهاية طريق القوافل من قنا والتى كانت تخرج من قنا مرورا بالصحراء الشرقية وجبال البحر الأحمر حتى القصير على الساحل الجنوبي للبحر الاحمر فى مصر، وقد احتل القصير مكانه هامة وازدهر فى العهد البطلمى وعرف باسم (ليكوس ليمن)، وهو كان على رأس القناة التي شقها بطليموس الثانى  كما ذكرنا فى العصر البطلمي.

ميناء عيذاب

وقد اختلف العلماء على مكان ذلك الميناء، وهو ميناء قديم يقع على الساحل ما بين مصر والحبشة ،وان كان معروف انه كان طريق للقوافل من عن طريق قوص فى صعيد مصر، وقد شهد عصراً ذهبياً لثلاث قرون فى العصور الوسطى ، إذ كانت السف تفرغ فيه حمولاتها ثم يحمل على ظهر الإبل للقاهرة والإسكندرية ثم ينقل بعدها إلى البندقية وجنوا شمالاً والشام شرقاً والأندلس غرباً.

وظهرت عيذيب على مسرح التجارة البحرية من عام 1050 الى عام 1350 ميلادياً، وكان الحجاج يفضلونها لأنها مقابلة إلى جدة بالإضافة إلى خوفهم من الحروب الصليبية وخطورة ركوب البحر الأحمر من القلزم أو الطور حيث سيطر الصليبيون فترة من الزمان على طريق القوافل ما بين مصر والحجاز ، كما سيطروا على خليج العقبة، بل هاجم ارناط صاحب الكرك ميناء عيذب وميناء ينبع ولكم قام الأسطول المصرى فى ذلك الوقت تحت قيادة حسام الدين من تحطيم أسطول الصليبيين فى البحر الأحمر على عهد صلاح الدين ، ثم كان من بعدها سقوط القدس واستعادة ميناء الطور إلى مجدها القديم آنذاك باضمحلال أهمية عيذاب فى أواخر القرن الرابع عشر الميلادى. وقد أكتشف خرائب عيذاب فى عام 1896شمال قرية حلايب بـ 18 كيلو متر ما بين خطى عرض 47 19 22 شمالاً وخطى طول 32 36 شرقاً.

ميناء الفرما

يقع شمال قرية بالوظة علي طريق القنطرة – العريش عند مكان مصب الفرع البيلوزي القديم لنهر النيل، وتسمي أحياناً (الفرما) وهو الاسم العربي للبلدة التي عرفت قديماً باسم بيلوزيوم ،وكانت أهم حصون الدفاع عن الدلتا من ناحية الشرق ، وقد وقعت عندها معارك عديدة من أهمها المعركة التي وقعت بين جيوش المسلمين بقيادة عمرو بن العاصي وجيش الرومان في عام 640م ، ويدل تاريخ المدينة علي أنها قديمة جداً ،عرفها الفراعنة ،واليونانيون الذين نسبوا إليها اسم فرع النيل البيلوزي، وعرفها الأقباط باسم فرومي، ومنهم أخذ العرب اسم الفرما، وقيل إنها وطن بطلميوس الفلكي الشهير.

ميناء رشيد

هذا إلى جانب ميناء رشيد والذى كان يقع إلى الغرب من ميناء الفرما على نهاية فرع رشيد من النيل العظيم حيث انه مكان التقاء النيل العظيم بالبحر الابيض المتوسط ، وقد كان له دورا هام جدا وخاصتا فى العصر العثمانى والعصر الحديث وصد هجمات الاحتلال الفرنسي هام 1798ميلاديا وجملة كليبر الانجليزية عام 1807 ، حيث كان للميناء وأهل رشيد دورا كبير فى صد الهجمات القادمة على مصر من البحر المتوسط، إلى جانب دورة في صد الحملات الصليبية في العصور الوسطى.

ميناء دمياط

هو ميناء يقع على نهاية فرع دمياط للنيل العظيم والذى كانت فروعة كثيرة جدا وصلت إلى سبع فروع فى العصر الفرعوني لم يبقى منها إلا فرعي رشيد ودمياط حاليا، والميناء هو مكان التقاء فرع دمياط وماء النيل العظيم بماء بحر الروم او البحر المتوسط.

وقد لعب هذا الميناء أيضا دوراً هاماً فى التاريخ المصري، إلا انه يعتبر الميناء الأهم لاستيراد الخشاب وتصدير الأثاث المنزلي (الموبيليات) وهذ الدور يلعبه هذا الميناء إلى الآن. وقد أقام الفاطميين فى دمياط دوراً لصناعة السفن، وذلك لأهمية الميناء وموقعة المتميز على ساحل البحر الأبيض المتوسط وفرع النيل الغربي، و المعروف بفرع دمياط نسبتا إلى المدينة.

ميناء تانيس

يعتبر ميناء تانيس من أقدم المواني المصرية على الإطلاق، حيث انه عرف منذ العصور الفرعونية، وكان له أهمية كبيرة فى ربط مصر بدول حوض البحر المتوسط، وللتبادل التجاري من بين مصر وبلاد اليونان والدولة الفنيقية. وهذا الميناء هو جزيرة فى بحر مصر قريبة من البر ما بين دمياط والفرما فى شرقها، وهى عند بحيرة المنزلة الآن.

ويقول المقريزى ايضا عنها فى الخطط ج 1 ص181 : مازالت تانيس مدينة عامرة ليس بأرض مصر مدينة أحسن منها ولا أحصن من عمارتها إلى ان خربها الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب فى سنة اربع وعشرون وستمائة فاستمرت خرابا.

المعارك البحرية وبطولات البحرية المصرية عبر التاريخ

سوف نستعرض فيما يلى بعض البطولات التى أظهرتها البحرية المصرية فى العصور المختلفة ومدى دور البحرية فى الدفاع عن مصر وتوسيع حدودها.

معركة قادش

وكانت بين رمسيس الثانى والحيثيين، حيث قام رعمسيس بقيادة جيوشة المدربة بأحسن فنون القنال واجتاح الحيثيين فى سوريا وكسر شوكتهم. وقد سجلت الرسوم والمناظر المصورة فى معبد الكرنك فوز المصريين على الحيثيين، وأظهرت مدى براعة البحرية المصرية والدخول إلى سوريا عبر البحر المتوسط مع القوات البرية التى عبرت عن طريق سيناء، وفى الحقيقة وذلك للأمانة العلمية فقد انتهت تلك المعركة الشرسة بعقد اتفاقية أو مصالحة بين المصريين المتمثلين في رمسيس الثانى وبين الحيثيين.

البحرية المصرية وصد هجمات الصليبيين

حيث قام صلاح الدين الأيوبى بأعادة تنظيم البحرية المصرية وأسند هذا الدور إلي حسام الدين ،والذى قاد البحرية المصرية حيث قام بصد هجمات الصليبيين فى البحر الأبيض المتوسط ،وتظهر لنا تلك الحروب دور البحرية فى الدفاع عن مصر ففى حين انشغال صلاح الدين بالقدس وتحريرها ومحاربة فلول الفاطميين فى بر مصر كله فى صعيده ودلتاه، قامت البحرية المصرية بردع القوات الصليبية فى البحر المتوسط دفاعا عن مصر وهذا بسبب فوز صلاح الدين وتحرير القدس، مما جعل الصليبيين يعدون أسطولا بحريا قويا لغزو مصر ولكن البحرية المصرية كانت لهم بالمرصاد، فلقنتهم درسا قاسيا جدا تحت قيادة القائد حسام الدين كما قلنا.

معارك البحرية المصرية مع الدولة العثمانية

حيث كانت البحرية المصرية تابعة للدولة العثمانية، وكان لها دورا كبير فى الحروب التى كانت بين الدولة العثمانية والبرتغاليين حيث يشهد التاريخ بمهارة البحرية المصرية فى الجيش العثمانى، والتى كانت متمركزة حيث كانت مصر قاعدة هامة للأسطول العثماني في العصر العثماني واشترك الأسطول المصري في حروب الدولة العثمانية البحرية في البحر المتوسط من الإسكندرية وفي البحر الأحمر وخليج العربي والمحيط الهندي حتى إندونسيا من قاعدته في السويس.

معارك إبرهيم باشا

حيث قام إبراهيم باشا بحملات فى الجزيرة العربية مستخدما الأسطول لعبور البحر الأحمر، وقام بحملة على الوهابيين والذى أنتصر عليهم، ثم أحتل سوريا وفلسطين، وفى عام 1839 تدخلت أوربا ومنحتة وسلالته حكم مصر بخيراتها ومناجم ذهبها شريطة انسحابة من المناطق التى احتلها.

حرب الاستنزاف

وتلك المعارك دارت ما بين المصريين واليهود بعد خسارة مصر للحرب عام 1967 وأحتل اليهود سيناء ،وقد كان للبحرية المصرية دورا كبيرا جدا فى تلك المعارك نذكر منها العملية الحربية البحرية التى قامت بها البحرية المصرية لضرب ميناء إيلات والرصيف الحربى فى قلب أسرائيل ،وقد نجوا فى مهمتهم ،وهذا يدل على مدى شجاعة رجال البحرية المصرية ومدى تطورهم وشجاعة قلوبهم.

المراجع

  • معجم المعارك التاريخية لنجاة محمود محاسيس الملاحة وعالم البحار عند العرب د/ انور عبدالعظيم
  • محاضرة بعنوان سواحل مصر د/ سيدة اسماعيل
  • الدلائل البحرية فى الرموز القبطية د/ عزت قادوس
  • تاريخ مصر فى العهد البطلمى د/ ابو اليسر فرج
  • محاضرة بعنوان ميناء الإسكندرية وخطوط الملاحة العالمية فى العصرين البطلمى والروماني للدكتور مصطفى العابدي
  • الإسكندرية تاريخ ودليل أ.م فورستر مقدمة لورنس داريل ترجمه حسن بيومى
  • المراكب فى مصر القديمة لصدقى ربيع
  • الملاحة وعالم البحار عند العرب تأليف أنور عبد العليم
  • مصر القديمة لجيمس بيكى ترجمة نجيب محفوظ
  • كتاب نجارة الأثاث فى مصر القديمة تأليف دكتور محمد راشد حماد تقديم د/ زهى حواس
  • موسوعة مصر القديمة سليم حسن جزء 2- سليم حسن مصر القديمة الجزء العاشر
  • نجارة الأثاث فى مصر القديمة تأليف د/ محمد راشد تقديم زاهى حواس
  • موسوعة مصر القديمة للدكتور سليم حسن الجزء الاول
  • النيل فى عهد الفراعنة والعرب تأليف أنطوان ذكرى أمين دار كتب المتحف المصري طبعة 1995م
  • كتاب الدين المصري تأليف خزعل الماجدى الطبعة الأولى إصدار 1999
  • موسوعة مصر القديمة الجزء الاول – الدين المصرى خزعل الماجدى طبعة 99
  • Petrie”Egyptian shiping

التعليقات